وداعٌ يملأ النفوس حسرة، والقلوب لوعة، هذا الذي سيسعى إليه أبناء القاهرة اليوم حين يستقبلون جثمان هذا الرجل العظيم.

وداعٌ لن ينفرد به أهل القاهرة، بل سيشاركهم فيه المصريون جميعًا، سواء منهم من شهد الحفل ومن لم يشهده، سواء منهم مَنْ سعى إلى القبر ومن لم يَسْعَ إليه؛ لأن عدلي ليس ابن القاهرة وحدها، وإنما هو ابن مصر كلها، ولأن الرزء في عدلي ليس مقصورًا على فريق من الناس دون فريق، وإنما هو عام شامل، عميق بعيد الأثر في كل القلوب.

لقد وفَّى عدلي وأخلص للمصريين جميعًا، فليس غريبًا أن يَفِيَ لعدلي ويُخْلِص المصريون جميعًا. لقد صَدَقَهم الحُبَّ، ونصح لهم ما وَسِعَه النصح، وسار فيهم سِيرَة الرجل الذي لا يعدل بالحق شيئًا، ولا ينحرف عن الواجب قيد أصبع، ولا يُؤْثِر بحق الأمة، سلطانًا مهما يَكُنْ، ولا جاهًا مهما يَعْظُم، ولا نعمة مهما تَلِنْ. فمِنْ حقِّه عليهم، بل مِنْ حَقِّهم هم على أنفسهم، أن يستقبلوه ويُشيِّعوه ويُوَدِّعوه، وإن قلوبهم لتفيض حبًّا له وحزنًا عليه، ووفاءً لِذِكْرِه الخالد وإكبارًا لمجده العظيم.

إنها لساعة خصبة هذه الساعة التي يَقْضِيها الرجلُ الكريم في تشييع الرجل الكريم، ساعة مفعمة بهذه العواطف النبيلة الطاهرة التي تَرْفَع الإنسان عن هذه الحياة العارضة الزائلة إلى حياة أخرى ثابتة باقية، كلها شرف ونبل، وكلها وفاء وحب، وكلها سُمُوٌّ إلى المَثَل الأعلى وتَنَزُّه عن صغائر الأمور.

حياة تصفو النفس فيها من أوضارها، وتبرأ النفس فيها من أكدارها، وتؤمن النفس فيها مخلصة صادقة، بهذه الحقيقة التي تُلْقَى إلى الناس، فيُظْهِرون الإيمان بها ويُضْمِرون الإعراض عنها، وهي أن الموت حق، وأن الحياة لغو إذا لم تكن كلها وقفًا على الخير، وسبيلًا إلى البِرِّ، وطريقًا إلى الإحسان، ومُقدِّمةً لهذا الذِّكْر الخالد الذي تنطلق به ألسنة الناس، فتصوِّر قلوبًا راضية، ونفوسًا مطمئنة، وترسم القدوة الصالحة والأُسْوَة الحسنة للأحياء.

نعم؛ ساعة خصبة هذه الساعة التي يُنْفِقُها الرجل الكريم في تشييع الرجل الكريم، فيها العظة والعبرة، وفيها هذا التفكير الطاهر النقي الذي لا يَعْلَق به إثم الحياة، ولا تفسده خصوماتها، وإنما يرتفع عن الإثم والخصومة، ويُذكِّر الناس جميعًا بأنهم سواء أمام هذا الموت الذي لا مَحِيدَ عنه، ولا مهرب منه، وبأنهم ما داموا ينتهون جميعًا إلى غاية واحدة، لا يختلفون فيها، مهما تختلف بيئاتهم، وأقدارهم ومنازلهم، فما أَجْدَرَهم أن يجدُّوا في تحقيق المساواة بينهم، في هذا الوقت القصير الضيق، الذي ينفقونه منذ يبدءون الحياة إلى حين ينتهون إلى الموت.

ساعة خصبة بليغة هذه الساعة التي يُنْفِقُها الرجل الكريم في تشييع الرجل الكريم؛ لأنها تُذَكِّره بل تملأ قلبه بهذه الحقيقة التي يُعْرِض عنها حين لا يفكر في الموت؛ وهو أنَّ هذا التفاوت بين الناس في الحقوق لأنهم يتفاوتون في الثروة أو في المنزلة، باطلٌ لا خير فيه وعبث لا أصل له، إنما يتفاوت الناس بأعمالهم وبما يُقدِّمون لأنفسهم، ولشعوبهم، وللإنسانية من الصالحات.

كِبَارٌ هؤلاء الذين يموتون وقد رضوا عن الناس ورَضِيَ النَّاسُ عنهم، وصِغَارٌ هؤلاء الذين يَمُوتون وقد أنكروا الناس وأنكرهم الناس، كبار هؤلاء الذين يموتون فإذا العيون عليهم باكية، وإذا القلوب عليهم محزونة، وإذا النفوس لفقدهم واجمة تصارع اليأس وتكاد تستلم له، وصغار هؤلاء الذين يموتون فلا يُذْكَرون بالخير، ولا تَسْفَح العيونُ عليهم دمعةً، ولا تحس القلوبُ عليهم حزنًا، ولا تشعر النفوس لفقدهم بشيء من الأسى فضلًا عن اليأس والقنوط.

كِبَارٌ هؤلاء الذين يموتون؛ فيقول الناس: ليتهم لم يموتوا. وصِغَارٌ هؤلاء الذين يموتون؛ فيقول الناس: ليتهم لم يعيشوا.

كِبَارٌ أمثال عدلي، هؤلاء الذين يختارهم اللهُ لجواره، فيأبى الناس إلا أن يَسْتَبْقُوا صُوَرَهم ماثلةً في القلوب، وتماثيلهم قائمة في الميادين، وذِكْرَهم حديثًا عَطِرًا للأجيال، وصِغَارٌ هؤلاء الذين يموتون فيتمنَّى الناس لو مُحِيَ ذكرهم محوًا، وعُفِّيَتْ آثارهم تعفية، ولم يَبْقَ منهم إلا ما يزجر الناس عن الشر ويصدهم عن الإساءة واقتراف الآثام.

ساعة خصبة هذه التي سينفقها المصريون اليوم وهُمْ كِرامٌ في تشييع عدلي اليوم وهو رجل كريم؛ فسيذكرون في هذه الساعة أن بلادهم مهما يُسَلَّط عليها الشر فإن فيها خيرًا كثيرًا. قد كان فيها عدلي، وفيها قوم يشبهون عدلي، ولهم كعدلي سيرة طاهرة، ولهم كعدلي ضمائر نقية، وفيهم كعدلي إيثار للحق، وتجافٍ عن الباطل، وحب للكرامة، وارتفاع عن الهوان، وتقديس للوطن، ونفور مما يسوء الوطن.

خصبة هذه الساعة التي سينفقها المصريون في توديع فقيدهم العظيم اليوم؛ لأنها ستُذَكِّرهم بهذا البيت القديم:

لئن عمرتْ دُورٌ بِمَنْ لا أُحِبُّهُمْ

لقد عمرتْ مما أُحِبُّ المقابرُ

ستُذَكِّرهم بهؤلاء الأخيار الذين سبقوا عدلي باشا إلى دار الخلود، ستملأ قلوبهم حبًّا له ولهم، وحزنًا عليه وعليهم، وستدفعهم إلى الاقتداء به وبهم، وستعلمهم كيف يزدرون هؤلاء الذين يشترون بحب الوطن وكرامته والنصح له والارتفاع بأنفسهم عن الدنيات، ثمنًا قليلًا من هذا المال الذي ينفد، وهذا الجاه الذي يزول، وهذا السلطان الذي تلعب به الأيام كما يلعب الأطفال بالكرة.

تقدَّمْ أيها الرجل العظيم إلى هذا البابِ الذي يُفْتَح لك على مصراعيه، بابِ رحمة الله التي وَسِعَتْ كُلَّ شيء، تقدَّمْ وقورًا بعد الموت، كما كُنْتَ وقورًا قبل الموت، تقدَّمْ وادعًا هادئًا مبتسم الثغر، مغتبط القلب، مستريح الضمير، حتى إذا دنوت من هذا الباب، وتلقَّتْك رحمةُ الله، وحفَّتْ بك ملائكة الخلود، وبَلَغْتَ هذا المقام الرفيع الذي ينتظرك فيه أصدقاؤك الأوفياء الأطهار، فاقرأ عليهم تحية مصر قوية، صادقة، خالصة، كما تحسها الآن حين تنفذ إلى نفسك الطاهرة من قلوب هؤلاء الألوف التي تُشيِّع جثمانك الكريم إلى مستقره الأخير.

تقدَّمْ أيها الرجل العظيم، لقد سعدتَ في حياتك بحب أُمَّتِك لكَ، وأنت سعيد بعد موتك بحزن أُمَّتِك عليك. وماذا يريد الإنسان بعد أن يكتب الله له السعادة في الدارين، وبعد أن يجمع حوله قلوب الشعب حيًّا يعطف الله عليه قلوب الشعب ميتًا؟! تقدَّمْ أيها الرجل العظيم، وارْثِ معنا — نحن المصريين — لكثير من الناس يَحْيَوْن، وإن الموت لخير من هذا العبء الثقيل الذي يحتملونه، وهو عبء الحياة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.