من تجارب الكثيرين منَّا تجربة الأسماء التي ننساها، فتذكرنا بها الألقاب، وأحسب أننا نعود إلى هذه التجربة بعد الغيبة الطويلة من البيئات الصغيرة التي عشنا فيها زمنًا ثم فارقناها وانقطعنا عن العلاقة بأبنائها فلا نذكرهم — إذا عدنا إلى تلك البيئات — إلا بتذكير.

يتكلم المتكلم عن إنسان عرفناه حق المعرفة منذ عشرين أو ثلاثين سنة، ويحاول أن يعيد اسمه لنذكره، فتخذلنا الذاكرة، ونبحث في زواياها المطويَّة بغير جدوى، وإذا بالمتكلم، أو بأحد السامعين، يهتدي إلى لقب يُعرف به ذلك الإنسان، فيبرز الشبح المجهول من ظلمات الخفاء، ويتمثل أمامنا بملامحه وكلماته وإشاراته؛ كأنما كان اللقب صورة مقرونة بالاسم، لا ننظر إليها لحظة إلا عرفنا المسمى بغير عناء. تجربة تمر بنا بين أبناء بلادنا الصغيرة حين نعود إليها، وتمر بنا بين زملائنا في المدارس ومعاهد العلم التي نشأنا فيها ثم طالت الغيبة بيننا وبين أيام النشأة فيها. فها هنا أيضًا تُسعفنا الألقاب حين تخذلنا الأسماء، وننسى عشرين اسمًا، ونكاد لا ننسى لقبًا واحدًا من ألقابها.

وثبات الألقاب مع اختفاء الأسماء ظاهرة ملحوظة في أعلام التاريخ المشهورين، فضلًا عن الخاملين المنسيين ممن لا يذكرون في غير بيئاتهم وبين معارفهم وذوي قرباهم. فليس بين قراء الشعر مثلًا من يجهل النابغة والفرزدق وأبا العتاهية والمتنبي وغيرهم من أصحاب الكنى والألقاب، ولكن قَلَّ من أصحاب المكتبات من تسأله أن يعطيك ديوان «أحمد بن الحسين» فيعطيك الديوان المطلوب، كما يعطيكه لو طلبت الديوان باللقب المشهور.

لمَ هذا؟

لمَ كان هذا هكذا مع أن الاسم هو الأصيل السابق، واللقب في الغالب هو الدخيل اللاحق، بعد نمو الملقب به ووصوله إلى سن الطفولة أو سن الشباب؟

نحسب أنها أسباب كثيرة تعطي اللقب هذه القوة ولا تلازم الاسم الذي يطلق على صاحبه في ساعة الميلاد.

ومن هذه الأسباب أن الاسم لفظ خال من علامات التعيين والتمييز، يطلق على المئات والألوف، بغير سمة فيه تُميِّز المسمى به وتفرده بالتعيين والتخصيص بين أمثاله، فيخطر لأولياء أمر الطفل أن يطلقوا عليه اسم «محمد» أو «حسن» أو «موسى» أو «عمر» فإذا هو واحد من ألوف يُعرفون بهذا الاسم، ويقرنون بأسماء آباء وأجداد مثلهم في شيوع الأسماء والأعلام، وكل ما في الأمر أن اقتران اسم الولد باسم أبيه وجده يساعد على تخصيصه بعض المساعدة؛ لأن اتفاق الأسماء الثلاثة أندر من اتفاق الاسم الواحد أو الاثنين.

أما اللقب فهو يخالف الاسم في هذا الشيوع؛ لأنه يطلق على صاحبه تمييزًا له بعلامة من العلامات الدالة عليه، والذين يطلقون عليه هذا اللقب أناس يعرفونه بأخلاقه وأحاديثه وملامحه الجسدية والنفسية، ويلاحظون في اختيار اللقب له أن يوافق شيئًا فيه من الخصائص التي ينفرد بها ولا يشبهه فيها سواه. وكثيرًا ما ينبعث هذا الاختيار من حادثة مشهورة أو فكاهة مذكورة، أو مناسبة محفوظة لا يسهل نسيانها في بيئتها.

ومن أسباب قوة اللقب أنه ينشأ من مودة أو عداوة، ويتولد من التحبُّب والتدليل، أو من السخرية والتحقير؛ فهو متصل بالعاطفة، متغلغل في الإحساس، وشأنه في ذلك أعلق بالنفس من شأن الاسم الذي لا يعدو أن يكون لفظًا من الألفاظ، وصدى من الأصداء.

ومن أسباب قوة الألقاب أنها أندر من الأسماء، وأن الذين يشتهرون بها يخرجون من غمار الألوف المؤلفة وينتقلون إلى عداد الآحاد القلائل في كل بيئة؛ فلا يتكرر لقبان في بيئة واحدة، حيث تتكرر الأسماء عشرات ومئات.

صادفتني تجربة الأسماء والألقاب هذه في زيارتي لأسوان هذا الشتاء، وبدا لي أنَّ فهمها في هذه البيئة المعروفة عندي أيسر من فهمها في البيئات الواسعة التي لا أحصي أفرادها ولا أستقصي أسبابها، بل هو ولا ريب أيسر من فهم هذه الظاهرة في كتب الأدب والتاريخ؛ لأنها تنقل إلينا الوقائع والأشكال ولا تنقل إلينا — وإن صدقت في الرواية — حقائق الحياة وبواعث الشعور المتصل بالألقاب وذويها، في حياتهم الخاصة، أو حياتهم العامة، كما نعرفها ونشترك فيها، وقد نشترك في اختراع اللقب، أو في ترديده وتوكيده، كأننا نحن مخترعوه.

ينابيع الألقاب

ورجعت إلى كل لقب أعرفه وأذكر صاحبه، فظهر لي أن الألقاب تصدر من ينابيع كثيرة، ولا تنحصر في ينبوع واحد، وأن من هذه الينابيع ما هو عظيم الدلالة على الأخلاق والمأثورات، كبير الفائدة في مباحث «الأنثروبولوجي» أو علم الخصائص الإنسانية.

ففي بعض العائلات يتخذون الألقاب تعويذة لأطفالهم، ويتعمدون تقبيحها وتحقيرها؛ لاعتقادهم أن اللقب كلما قبُح وسفل كان ذلك أدعى إلى صرف الموت عن الوليد، كأنما يظنون أن الموت يزهد في اختطاف مخلوق بهذا اللقب الخسيس وأمامه الألوف من أصحاب الألقاب الحسان … ومن الألقاب التي تختارها هذه العائلات: لقب «جريو» أو «كليب» أو «مسلوق» وهو من أسماء الكلاب الشائعة، أو ألقاب الحمير والدواب المتداولة بين المكارين وباعة الحيوان.

ويشبه هذا أن تكون الأسرة منجبة للأولاد الذكور، وتخاف عليهم الحسد، فتطلق على بعضهم لقبًا من ألقاب النساء يشتهرون به، ويألفه الملقَّبون به، حتى لينسوا معه أسماءهم المسجلة في دفاتر المواليد.

أما الينبوع الغزير من ينابيع الألقاب فهو ينبوع الصور الهزلية أو ينبوع الملامح الجسدية والنفسية التي تبرز في شخص محبوب أو مكروه، فيختار له عارفوه لقبًا يوافق تلك الملامح، ويُضحك السامعين منه، أو يشفي نفوسهم من حنقهم عليه.

يطلقون اسم «سماعة» على رجل اشتهر بالتقاط الأخبار والتطوُّع بنقلها وإفشائها لمن يسأل عنها أو لا يباليها، ويفعل ذلك عن رغبة «متطوعة» لا طمعًا في جزاء، ولا عن سوء نية أو كراهة لمن تعنيهم تلك الأخبار.

ويطلقون اسم «ببغاء» على رجل يُكثِر الكلام، ويكثر من محاكاة اللهجات، كلما أسند الحديث إلى أهله المزعومين.

ويطلقون لقب «قريقع» على رجل لا يفتأ يضحك ويقرقع في الضحك والصخب.

ويطلقون لقب «ساحوتة» على رجل أكول كأنه السحت الذي يمحق كل شيء، ويلتهم الخبائث والطيبات.

ويطلقون لقب «هو هو» على رجل كثير الضوضاء يسمعه الناس من مكان بعيد فيعرفونه بصداه، قبل أن يعرفوه بسيماه.

ويطلقون لقب «دبسة» على امرأة بضة؛ لأنها تشبه السمكة النيلية المعروفة بهذا الاسم في بعض جهات الصعيد.

ويطلقون لقب «بطيط» على طفل يشبه البطة في شكله ومشيته.

ويطلقون اسم «دبش» على رجل خشن غير مصقول.

وتقاس على ذلك سائر الألقاب التصويرية التي يستمدونها من هذا الينبوع، ومعظمها مما يؤدي في الواقع وظيفة اجتماعية تخلق الألفة والمودة بين أصحاب الأمزجة المتباينة، وتخفف البغضاء حين لا تبلغ في النفوس مبلغ النفور الشديد من خلائق الإجرام والإيذاء.

ألقاب المدارس

أما ألقاب المدارس فالغالب عليها أن التلاميذ يستمدونها من دروسهم وشواغلهم في حياتهم المدرسية، وكلهم في ذلك براعة يستكثرها من يعرفهم أفرادًا، ولا يستطيع تعليلها إلا بنسبتها إلى «روح الجماعة» وبداهة البيئة المشتركة.

ونذكر من هذه الألقاب لقب صديقنا الأديب الكبير الأستاذ المازني — رحمه الله — فقد أطلق عليه التلاميذ لقب «تيمور لنك»؛ لأنه كان على صغر جسمه صارمًا مهيبًا، يضبط «الحصة» ضبطًا شديدًا، بغير حاجة إلى توقيع العقوبات.

فأخذوا من ذلك كله لقبًا مجتمعًا في تلك «الشخصية التاريخية» التي توحي بنفسها إلى خواطر التلاميذ في هذا المقام.

وكانوا يلقِّبون أستاذًا من أساتذة اللغة العربية «بابن المقفع»؛ لأنه نحيل بادي العظام، وكان يدرِّس لهم في المطالعة العربية كتابَيْ كليلة ودمنة والأدب الكبير.

وكانوا يلقِّبون أستاذًا آخر بلقب «الشاب الظريف»؛ لأنه أنيق الثياب، لطيف اللهجة في الخطاب.

ولقبوا كاتب هذه السطور بلقب «حرحور» الكاهن الذي استولى على ملك في بعض العصور الفرعونية، وينظرون في لفظ الكلمة إلى دلالتها على الحدة والحرارة، مع ما فيها من الدلالة على «تقرير السلطة» والاشتغال بالمسائل الدينية.

وكنا نحن في أيام المدرسة، نطلق أمثال هذه الألقاب على أساتذتنا، ولا نذكر مَن الذي بدأ بإطلاقها منَّا، ولكننا قد نذكر من يتولَّوْن ترويجها من زملائنا المشهورين بالدعابة والمحاكاة؛ فإنهم أقدر التلاميذ على لفت الأنظار والأسماع إلى هذه الألقاب.

الدراسة الاجتماعية

يقال إن البيئة الكبيرة الواسعة أصلح البيئات للدراسة الاجتماعية، ويصح ما يقال في هذا المعنى على اعتبار واحد، وهو أن البيئة الكبيرة الواسعة تزدحم بالطوائف المتعددة، فتكثر فيها الأنماط والأشكال، وتظهر معها الفوارق والمشابهات.

إلا أن البيئة الصغيرة المحدودة لها في هذه الدراسات مزِيَّتها التي لا تجاريها فيها كبار البيئات؛ لأنها أشبه شيء بالزجاجة الرقيقة التي يضع عليها المحلل الكيمي قطرة من الماء ليحصرها ويلم بجميع عناصرها؛ فهي في هذه الحالة قد تغني غناء البحر المحيط.

ويقال أيضًا إن البيئات الصغيرة مولعة بالنقل والحكاية عن البيئات الكبيرة الواسعة، وهو قول صحيح تُستثنى منه بعض المسائل ومنها مسألة الألقاب؛ لأنها بطبيعتها تخرج من معدِن الألفة والتقارب، بين أصحاب الألقاب ومن يطلقونها عليهم ويتداولونها بينهم. ولهذا نظن أن فكاهة «الكاريكاتور» في الصحف السيارة التي تطبع عشرات الألوف من النسخ، إنما هي فَنٌّ مستعار من العائلة أو القرية أو المجتمع الصغير، وأنها تستفيد من هذا الفن المستعار أن تنقل الألفة من أضيق الميادين إلى أوسع الميادين.

ونَوَدُّ من ثمَّ أن نتوسع في هذه الميادين مع المتوسِّعين، فننقل من زيارتنا لبلدتنا الصغيرة في أقصى الصعيد حديثًا يصلح لقراء الصحافة في مختلف الأقطار.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.