وليس من المحتوم أن يكون ابنًا بارًّا؛ فمن الأبناء من يؤثرون العقوق، ومن الأبناء من يُدفَعون إليه دفعًا، ويتورطون فيه تورطًا، ولكنَّهم على كل حال يقترفون إثمه الثقيل، يسيئون وكان النَّاسُ يَنْتَظِرُون منهم الإحسان، ويُفْسِدون وكان النَّاسُ ينتظرون منهم الإصلاح، ويخيبون الآمال وكانت الآمال فيهم بعيدة إلى غير مدى، واسعة إلى غير حد.

وهؤلاء الأبناء الذين يَقْتَرِفُون الإثمَ أو يَتَوَرَّطُون فيه، ليسوا مع الأسف الشديد قليلين بل هم كَثِيرون تشقى بهم الأمهات شقاء مُؤلمًا ممضًّا، ويَضْرِبون للناس أمثالًا سيئة أشد السوء، نافعة أعظم النَّفع.

سيئة؛ لأنَّها تغري الضعفاء، وتستخف المُتَعَجِّلين، وتستهوي عُشَّاق الوصول. ونافعة؛ لأنَّها تعظ الأقوياء وتُثِيرُ العِبْرَة في قلوبِ الذين يُريدون أنْ يَعْتَبِروا، وتُقيم الأدلة للناس على أن نصرَ اللهِ قَريبٌ، وعلى أنَّ عَدْلَ اللهِ أقرب من نصره، وعلى أن آخرة السوء سيئة مهما تكن الظروف، وعاقبة الخير خيرة مهما طال الانتظار.

وكان ابن الثورة الذي نُريد أنْ نَتَحَدَّثَ عنه شابًّا حين أدركته الثَّوْرَةُ، فلم تكتشفه حتى أُلْهِبَتْ فيه وأثارت نفسه إثارة، وجعلته كله حركة ونشاطًا وجعلت لسانه شعلة من نار، لا يتحرك إلا إلى الثورة، ولا يَنْطِقُ إلا قوة بالثورة، ثم ما زالت به حتى أخرجته عن منثور الكلام إلى منظومه ونقلته من الخطابة إلى الشعر، أو جمعت له من الخطابة ومُحاولة الشعر، ثم مضت الثورة في طريقها موفقة تقتحم ما يعترضها من العقبات، فائزة لا تخيفها الخطوب ولا تثنيها المَصَاعِبُ، ومضى هو مع الثَّورة تَابعًا لها، مُتَأَثِّرًا بِهَا صائحًا حين تريد الثورة أنْ يصيح، خطيبًا حين تريد الثورة أن يخطب، مُتكلفًا الشعر حين يُخيَّل إليه أن الثورة تريده على الشعر.

ثم أذن الله للثورة أن تفوز، وقضى الله لرجال الثورة أن يلوا الحكم، وجعل الله أمر مصر إلى عظيم مصر؛ فلم يكد جلالة الملك يعهد برياسة الوزارة الشَّعبية الأولى إلى سَعْد حتى اختار بين زملائه وأعوانه الأستاذ نجيب أفندي الغرابلي المحامي، وابتهج الناس يومئذ لانتصار الديمقراطية، ووثق الناس يومئذ بالزعيم واختيار الزعيم، وسخط بعض الناس يومئذ على هذه الديمقراطية التي قلبت الأمور في مصر قلبًا، وغيرت أوضاع الحُكْمِ تَغْييرًا ورفعتْ إِلى منصب الوزارة رجلًا كان يغنيه ويرضيه منصب من المناصب الوسطى.

وذكر بعض الناس يومئذ شاعرًا يونانيًّا قديمًا كره انتصار الديمقراطية في مدينة؛ فنَفَى نَفْسَه من الأَرْضِ، ورثى عهد الأرستقراطية وذم عهد الديمقراطية في شعر جميل ما زال بعضه محفوظًا إلى الآن.

ثم ذكر بعض الناس هجرة النبي وأصحابه إلى المدينة، وما أصاب النبي وأصحابه من أذى، وما قضى الله بعد ذلك للإسلام من فوز، وذكروا ما تحدث به بعض أصحاب النبي حين فُتِحَتْ عليهم البلاد، من مصرع جماعة من المُسلمين جدوا وجاهدوا وصبروا وصابروا، وغرسوا الشجرة المُبَارَكة ثُمَّ سقطوا في ميدان الجِهَاد قبل أن يُصيبوا من ثمر هذه الشَّجرة شيئًا، وبقاء جماعة آخرين أُتيح لهم أن يعيشوا حتى يجنوا من ثمر الشجرة ألذَّه وأطيبَه.

وكان هؤلاء الناس يعدون نجيب الغرابلي بين الذين أُتِيحَ لهم الفوز، وقُضِيَ لهم أن يأكلوا من ثمر الشجرة هنيئًا مريئًا.

ثم حدثت الحوادث وعرضت الخطوب، وتلقى الرَّجل الحوادث مع أصحابه، وثبت الرَّجل للخطوب مع زعيمه وأصدقائه، ثم قيض الله سندًا له، وهو ينكر على الرجل! ولكنه لا ينكر عليه شيئًا كثيرًا.

ومضى الرَّجل بعد وفاة الزَّعيم مُجاهدًا مع خليفة الزعيم، وفيًّا للثورة ورجال الثورة وآمال الثَّورة، أو مُظْهِرًا من هذا الوفاء ما لا يُثير في النفوس شكًّا ولا رَيبًا، وشَارَكَ الرَّجُل أَصْدِقَاءَه في الحُكْمِ حِينَ انْتَهى إليهم الحكم، وشَارَكَهم في المِحْنَةِ حين صُبَّتْ عليهم المحنة، ثم عاد معهم إلى الحكم حين عادوا إليه، والظاهر من أمره في هذا كله واضح مُستقيم، تؤكده الأَيْمَانُ التي أقسمها، والعهود التي قطعها، والجهود التي بذلها.

ثم أصبحَ النَّاسُ ذات يوم، وإذا ابن الثورة يعق الثورة، وإذا ربيب سعد ينكر سعدًا، وإذا صديق مصطفى يخرج على مصطفى، وإذا هو يسيء حتى إلى قوم تضامنوا معه ونصروه؛ فعرضوا أنفسهم من أَجْلِهِ للسخط، ووقفوا أنفسهم معه موقف الريبة، وصرفوا عن أنفسهم من أجله ما كانوا يستمتعون به من ثقة الناس وحُبِّ الشعب، وحملوا أنفسهم من أَجْلِهِ تَبِعَات ثقالًا؛ فأي تبعة أثقل من تبعة الفرقة والانقسام؟!

جحد الرَّجُل هذا كلَّه، وجعل الرجل هذا كله تحت قدمه ودبر أذنه، وجرى إلى المنصب حين دُعِيَ إلى المَنْصِب، وخَفَّ إلى الحكم حين لَوَّحَ له الإبراشي باشا بالحكم، ونظر الناس فإذا الغرابلي باشا وزير، وبَحَثَ النَّاسُ فإذا الغرابلي باشا كان يُدَبِّر أمره تدبيرًا ويلتمس منصبًا من مناصب الدولة عند الطاغية صدقي باشا، يبتغي إلى ذلك الوسيلة ويوسط في ذلك الوسطاء، ونظر النَّاس فإذا عهد الثورة قد قُطِع، وإذا الرجل قد حنث في أَيْمانِهِ كلها، وَمَدَّ يَدَهُ إلى أعداء الثورة وإلى خصوم الدستور، وإلى مُحَارِبي الشَّعْب، أستغفر الله، بل عمل مع هؤلاء الناس وشاركهم فيما كانوا يقترفون من الآثام، ثم نظر الناس فإذا الغرابلي باشا يُعيِّن عضوًا في مجلس الشيوخ، ثم نظر الناس فإذا لسان الغرابلي باشا يستطيعُ أَنْ يَتَحَرَّك بيمين أخرى يُقْسِمها ليكون للدستور الجديد مُخلصًا وفيًّا، وإذا قلبُ الرَّجُل وعقله وضميره مُستعدة لتعقيد الأيمان، وتغيير الرأي وإنكار الماضي وجهل المُستقبل والاستمتاع باللذة العاجلة في الساعة التي تمر.

ثم نظر الناسُ فإذا الغرابلي باشا يحل ما كان يحرم، ويعرف ما كان ينكر، ويشترك في صب العذاب على الشعب البريء. ثم نظر الناس، فإذا الغرابلي باشا يشترك مع القيسي باشا في أخذ زعيمه القديم وأصدقائه القُدَماء بالعنف والبطش، يَمْنَعُهم من الانتقال إنْ أَرَادُوا أن ينتقلوا، ويمنعهم من القول إن أرادوا أن يقولوا ومنَعَهم من الاستقيال إن أرادوا أن يستقيلوا، ويسلط عليهم كل ما كان يشكو منه، حين كان لهم صديقًا، أو حين كان يظهر لهم المودة والوفاء.

ثم تمضي الأيامُ وَيَنْقَضِي العامُ وإذا الله قد تأذن بأنَّ دَوْلَةَ البَاطِلِ قد زَالَتْ، وبأنَّ سُلْطَانَ الشر قد زَالَ وبِأَنَّ ليل الشياطين قد انجلى، وبأنَّ الظالمين قد آن لهم أن يعودوا إلى جحورهم مدحورين. ثم ينظر الناس فإذا الوزراء قد هووا عن الحكم، وإذا الغرابلي باشا قد عاد إلى داره وتَقَطَّعت الأسباب بينه وبين الديوان وأصبح كما كان في الصيف الماضي، إلا أَنَّه فقد أصدقاءه جميعًا، وفقد مودة الشعب وكسب لنفسه بُغْضَ الشَّعْبِ، أَو قُل إِعْرَاض الشعب عنه، وازدراء الشعب لأمثاله، وزُهد الشعب فيهم وفيه.

أعاد إلى داره غنيًّا بعد فقر، ميسورًا بعد عُسْر؟! الله يعلم مِنْ هذا ما لا نعلم، ولكن الذي لا شك فيه أنَّه لم يَعُدْ إلى داره عزيزًا ولا كريمًا ولا مُسْتَمْتِعًا بما يستمتع به الرَّجل العزيز الكريم من الثقة، والحب، والتأييد.

سخط الناس عليه حين وُلِّيَ الحكم، ولم يُفكر فيه أحد حين أُقْصِيَ عن الحكم، نسي نفسه فنسيه الناس، وأهمل نفسه فأهمله الناس؛ ذلك أن الثورة قد عادت تستأنف شأوها بعد أن انقطع، وتمضي أمامها بعد أن وقفت بها الطريق، ونظر رجال الثورة فإذا منهم متخلفون، منهم من حايد حيادًا مَدْخُولًا، ومنهم من حَارَبَ حَرْبًا آثمة، ولكنهم نظروا فإذا طول المِحْنَة، واتِّصال الفتنة، وظهور الحق، وانخذال الباطل؛ كُلُّ ذلك قد ضم إليهم قومًا كانوا يُخَاصِمُونهم، ورد إليهم قومًا كانوا ينكرونهم؛ فقوي جند الثورة قوة لا حد لها، وتغلغل حب الثورة في نفوس الشعب إلى غير حد، وعظم يقين الشعب بثورته، وحرص الشعب على أنْ ينتهي بها إلى غايتها الكريمة، وسقط في الطريق قوم زَلَّت ببعضهم الأقدام وزَلَّت ببعضهم الأَخْلَاق، وقصرت ببعضهم الضمائر حتى عن الوفاء للأصدقاء.

إن في قصة هذا الابن من أبناء الثورة لَعِظَةٌ لِلشَّبَاب المِصريين، يجبُ أَنْ يتدبروها وأن يفكروا فيها فيطليوا التفكير، إنهم إن نظروا إلى تاريخ الغرابلي باشا وإلى قوته الأولى ثم ما أصابه من الضعف ثم ما أدركه من الانخذال، ثم ما يَلْقَاهُ الآن من الجزاء، كانوا خَلِيقِينَ أَنْ يَكُونوا رِجَالًا حَقًّا، وأَنْ يعرفوا أنَّ أَشَدَّ الأشياء عداوة للإنسان إنما هي هذه النِّقمة العَاجِلة التي تفسد عليه أمره، وتضيع عليه مَاضِيه، وتُحيل مُستقبله حظًّا قاتمًا مملوءًا بالشبهات.

فليفكر الشباب في قصة الغرابلي باشا؛ فقد أَلْقَتِ الأيَّامُ عليهم بهذه القصة درسًا ناقمًا بليغًا خليقًا بالتفكير.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.