يقول مثل عربي قديم: ذهبت النعامة تطلب قرنين فجاءت بلا أذنين.

وحُمْقُ النعامة مشهور في الشرق والغرب؛ فالغربيون أنفسهم يصوِّرون حمقها في أنها تُخفي رأسها إذا أحست دُنُوَّ الخطر منها وطلب الصائد لها. ويضربونها مثلًا لمن يرى الشر يحيق به فلا يحسن الاحتياط له والحذر منه، ولمن يجازف باقتحام المغامرات غير متدبر لعواقبها ولا مُقَدِّر لجرائرها.

وما أعرف أحدًا يمكن أن يُشَبَّه بالنعامة في حمقها الأحمق، كهؤلاء الساسة من البريطانيين والفرنسيين حين أقدموا على ما أقدموا عليه من الإثم، تُغريهم به عواطفهم الجامحة وشهواتهم الطاغية، ويحرضهم عليه هذا الحمق الذي لم يُتِحْ لهم تدبيرًا ولا تقديرًا، وإنما أضل عقولهم وغَشَّ بصائرهم وورَّطهم في شَرٍّ عظيم كان من أيسر الأشياء ألَّا يتورطوا فيه لو أنهم صدروا عن عقولهم ولم يصدروا عن قلوبهم تلك التي ملأها البغض والحقد والضغينة؛ فأركبتهم رءوسهم ودفعتهم إلى غمرات عرفوا أولها ولم يعرفوا آخرها.

ضاقوا بطموح العالم العربي إلى التحرُّر من سلطانهم، ومصالحُهم فيه كثيرة ومنافعهم فيه لا تُحصى، وهي ليست مصالحهم وحدهم، وإنما هي مصالح أمم كثيرة لها الحق في الحياة واليسر، ولها الحق في ابتغاء الوسائل إلى الحياة واليسر، وليس حقهم في ذلك أقل من حق البريطانيين والفرنسيين.

ولست أذكر حَقَّ العرب أنفسهم في أن يعيشوا في بلادهم أحرارًا ويستمتعون بثمرات أرضهم قبل أن يستمتع بها غيرهم من الناس؛ فهذا شيء لا يؤمِن به البريطانيون والفرنسيون، وإنما يؤمنون قبل كل شيء بأن الغرب وحده صاحب الحق في الحياة الراضية التي يملؤها اليسر والنعيم. لا أذكر حق العرب في الحرية والكرامة والاستقلال والاستمتاع بثمرات أرضهم قبل أن يستمتع بها غيرهم من الناس، وإنما أذكر حق أمم أخرى في الشرق والغرب وفي العالم القديم والجديد يحتاج بعضها إلى بعض، ولا تستطيع أن تحيا ولا أن تنعم إلا إذا أُتيح لها تبادُل المنافع وتقارُض المصالح والتعاون المتصل على تنمية الحضارة والاشتراك في ثمراتها ومنافعها.

فالغرب محتاج إلى الاتصال بالشرق البعيد، وهذا الشرق البعيد محتاج إلى الاتصال بالغرب، والشرق القريب طريقهما إلى هذا الاتصال؛ فكل اضطراب فيه أو فساد في أرضه يقطع هذا الاتصال ويجعله مستحيلًا أو كالمستحيل، ولكن البريطانيين والفرنسيين غفلوا عن هذا كله؛ أضلَّهم عنه ما ملأ قلوبهم من البُغض وما استأثر بنفوسهم من الحفيظة وما ملك ضمائرهم من المُوجِدة؛ فلم يَرَوْا أبعد من أنوفهم كما يقولون في بلادهم، وإذا هم يُقدِمون على ما أَقْدَموا عليه من الفكر، فيملَئون الشرق القريب هولًا، ويملئون العالم كله خوفًا وذعرًا وإشفاقًا من الخطوب الجسام.

أغاروا على مصر، فاضطربت بلاد العالم العربي كله ألوانًا مختلفة من الاضطراب، وانقطعت التجارة بينهم وبين الشرق القريب والبعيد، ونضبت موارد الغرب الأوروبي من البترول، واضطربت لذلك أمور الصناعة والتجارة والزراعة فيه، وتعرضت حضارته كلها لخطر عظيم، وثار العالم كله في هيئة الأمم المتحدة يرد عن نفسه هذا الشر ويذود عن حضارته هذا العُدوان الذي لم يوجَّه إلى مصر وحدها وإنما وُجِّه إلى العالم كله وإلى الحضارة كلها؛ لأن العدوان على هذا الجزء من الأرض لا يُفسد الأمر فيه وحده وإنما يُفسد أمور الشعوب جميعًا.

فانتصار العالم لمصر لم يكن محاباة لها، ولم يكن انتصارًا للمُثُل العليا من الحق والعدل فحسب، وإنما كان احتياطًا لنفسه من خطر دائم يوشك أن يمحو الحضارة محوًا.

ومن قبلُ كثر حديث البريطانيين والفرنسيين عن الموقع الجغرافي لمصر، وعن أثر هذا الموقع في حياة العالم المتحضِّر، وعن احتياج العالم كله إلى أن يستقر الأمن والسلم والدعة في شرق البحر الأبيض المتوسط. ولكن حمق النعامة الذي أشرنا إليه آنفًا أَضَلَّ ساسة البريطانيين والفرنسيين عن هذه الحقائق البديهية التي لا يضل عنها إلا المحمقون.

وكان من أروع ما قرأ الناس وما سمعوا، هذا الهذيان الذي ألقاه وزير الخارجية البريطانية مساء الاثنين في مجلس العموم، حين تكلَّف خداع نفسه وخداع سامعيه وقارئيه في أطراف الأرض كلها. وأي خداع أبرع في تصوير الغفلة والحمق من أن هذا العدوان حقَّق الأغراض التي أراد البريطانيون والفرنسيون تحقيقها حين أقدموا عليه؛ فهم بهذا العدوان — فيما زعم ذلك الوزير لنفسه وللنواب — قد منعوا حربًا صغيرة من أن تستحيل إلى حرب كبيرة، وتبحث أنت عن هذه الحرب الصغيرة فلا تجدها لأن مصر لم تُغِرْ على إسرائيل، ولم تُغِرْ إسرائيل على مصر، وإنما البريطانيون والفرنسيون هم الذين دفعوا لعبتهم — إسرائيل — إلى العدوان وأعانوها عليه بالعدد والعُدَّة، وليس أدل على ذلك من أنهم حين أقبلوا ليمنعوا هذه الحرب الصغيرة إلى أن تستحيل إلى حرب كبيرة زادوها اشتعالًا، وشاركوا إسرائيل وشاركوا أنفسهم في العدوان، فأغاروا على مصر نفسها وكان الحق عليهم أن ينصروها. وهم أرادوا — فيما زعم وزيرهم ذاك — أن يحرروا القناة ويتيحوا الانتفاع بها للناس جميعًا.

فلم يحرروها وإنما سدوها على أنفسهم وعلى الناس جميعًا، وأَلْغَوْا الانتفاع بها وقتًا قد يقصر وقد يطول، وكانوا يريدون — إذا زعموا — أن يتدفق البترول على بلادهم وعلى أوروبا كلها، فقطعوه عن أنفسهم وعن أوروبا، واضطروها إلى أزمة كما اضطروا أنفسهم إلى هذه الأزمة التي لم يكونوا — ولم تكن أوروبا — في حاجة إليها.

وهم قد كشفوا — فيما زعم وزيرهم ذاك — عمَّا كانت تديره روسيا السوفييتية من الكيد لهم ولغيرهم في هذا الشرق الأدنى، فلم يكشفوا عن شيء؛ لأن روسيا السوفييتية لم تكن تكيد لأحد في هذا الشرق.

ولم يكن هذا الشرق نفسه، لم يكن ليُخلي بينها وبين هذا الكيد لو أرادته أو فكرت فيه، وهم لم يقطعوا الصلة بين الشرق الأدنى وبين روسيا السوفييتية، ولن يستطيعوا أن يقطعوها؛ لأن الشرق الأدنى يقيم هذه الصلة على الاستقلال الصريح الذي لا ممالاة فيه، وستظل هذه الصلة قائمة ما دام الشرق الأدنى حريصًا على الاستقلال الصريح أولًا وعلى الحيدة الصريحة بين القوتين المختصمتين ثانيًا. وإنما وصل البريطانيون والفرنسيون إلى أن يتلقوا من روسيا السوفييتية هذا الإنذار المُهين، الذي كشف عن قلوبهم وأبصارهم الغطاء، وكفَّهم عن المضي في مغامرتهم تلك الآثمة.

هم إذن لم يحققوا من أغراضهم شيئًا، وإنما جَرُّوا على أنفسهم وعلى أمم أخرى بريئة شرًّا عظيمًا. وهم يستطيعون أن يقولوا ويُكثِروا القول، وبأن يموِّهوا ويسرفوا في التمويه، وأن يضللوا أو يُمْعِنُوا في التضليل، ولكنهم لن يستطيعوا أن ينكروا الأزمة التي ورطوا أنفسهم وورَّطوا أوروبا فيها، ولا أن يُنكروا ما أصاب اقتصادهم من الفساد والاضطراب، ولا أن ينكروا أن رئيس وزراء بريطانيا قد اضطر بعد أن أجَّج النار أن يفِرَّ ويترك لغيره إطفاءها، ولا أن ينكروا آخر الأمر أنهم أشبه شيء بالنعامة التي ذهبت تطلب قرنين فجاءت بلا أذنين، والتي تخفي رأسها إذا أحست قرب إحداق الخطر بها ودُنُوَّ الصائد منها، ولا أن ينكروا أنهم قصدوا إلى مصر بالشر وأرادوا أن يبطشوا بها فلم يقدروا عليها وعادوا منها، وأصدق ما يقال فيهم قول الشاعر العربي القديم:

وكنت إذا نزلت بأرض قوم

رحلت بخزية وتركت عارا

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.