استرعت بعض الآراء التي أثارها البرلمان في مناقشة الميزانية نظري، وهممت أن أكتب ما عنَّ لي فيها من الآراء، وإني لأفكر في ذلك، وإذا الأنباء تترامى إليَّ عن احتلال ألمانيا الدانمرك والنرويج، عند ذلك انصرفت عن الميزانية المصرية والآراء التي أثيرت حولها، واتجهت بكل تفكيري إلى الحرب وهذا الطور الجديد الذي دخلت فيه، وسرعان ما رأيتني أنتقل من التفكير السياسي في هذا الأمر الخطير إلى تفكير فلسفي تشوبه مرارة غير ممضة، وينشر حولي جوًّا من الزراية على الإنسانية في خضوعها الأعمى لتصاريف الأقدار وزعمها مع ذلك بأنها هي التي تصرف الأقدار وتوجهها إلى ما تريد.

ولم تكن الحرب لذاتها ولا كان اتساع نطاقها مبعث هذه المرارة وهذه الزراية، فالحرب في طبيعة الإنسان كالغضب والحقد والغرور وما إليها من عواطف تتصل بالسجايا الفطرية، ولطالما كانت الحرب على فظائعها وويلاتها سببًا من أسباب تقدم الإنسانية ورقي العقل والعلم، وإنما كانت زرايتي على إنسانيتنا الحاضرة التي تزعم أنها بلغت من الرقي ما لم تبلغه الإنسانية من قبل في عهود أجدادنا وأسلافنا، ذلك لأنها أثارت هذه الحرب شعواء مدمرة إرضاء لمطامع ألمانيا الهتلرية في التوسع، ومقاومة لهذه المطامع التي لا تحفل باستقلال الأمم الصغيرة ولا تعبأ باحترام العهود والمواثيق الدولية، أفيكفي هذا الطمع من ألمانيا، وهل تكفي مقاومته، سببًا لحرب ضروس تحصد ألوف الأرواح وملايينها؟ وهلَّا يجدر بالإنسانية، إن كانت قد بلغت ما تزعم أنها بلغته من الرقي في مراتب الحضارة أن تجعل لها مثلًا أعلى من هذا المثل وغاية أكرم من هذه الغاية، تتوج بها الضحايا الهائلة التي تبذل في هذه المجزرة الهائلة القائمة اليوم، والتي لا يعلم أحد متى تنتهي؟

دار هذا الخاطر بنفسي فكررت راجعًا بذاكرتي إلى التاريخ وإلى الحروب التي خضبت وجه الأرض بالدماء، فرأيت بعض هذه الحروب لا ترقى غايتها من الناحية الإنسانية إلى مثل ما ترقى إليه غاية الحرب الحاضرة، ورأيت بعضها الآخر يجعل أسمى المبادئ غايته، ويدعو باسم هذه المبادئ إلى التضحية من أجلها والاستشهاد في سبيلها، ذكرت الثورة الفرنسية ودعوتها لتحرير الإنسان وللإخاء والمساواة بين الناس وعملها للقضاء على الرق وعلى تجارة الرقيق في العالم، وذكرت ما كان قبل ذلك من حروب قصدت بها بعض الشعوب أن تتحرر ليكون لها حق تقرير مصيرها، وحروب أخرى كانت العقيدة الدينية هي التي حركت الناس إليها، ذكرت ذلك كله ثم ذكرت المبادئ الإنسانية التي أعلنها الحلفاء يوم هدنة الحرب الكبرى الماضية، وتمنيت أن تتمخض الحرب الحاضرة عن فكرة إنسانية أبلغ في سموِّها من كل ما سبقها، وأقدر على أن تحقق للإنسانية ما تبتغيه من أسباب الرضى والسعادة.

على أنني ما لبثت حين ذكرت ذلك كله، وحين جالت هذه الأماني بخاطري، أن ابتسمت سخرًا من الإنسانية وإشفاقًا عليها، فهذه الحروب التي أعلن المنادون بها أنهم يخوضون غمارها تحقيقًا لمبادئ سامية قد اتخذها كثيرون مطية إلى أهوائهم في العظمة والمجد، كما اتخذوا من هذه المبادئ وسيلتهم إلى دفع الناس إلى بوتقة الحرب تطوق ثغورهم بسمات الرضى، صحيح أن المبادئ التي نودي بها قد استقر الصحيح منها في النفوس وأقام الحضارة زمنًا غير قليل، لكنه لم يستقر؛ لأن هؤلاء القادة أرادوا استقراره، أو لأن طلاب العظمة والمجد حرصوا على أن تسعد الإنسانية به، وإنما استقر طوعًا لحكم التطور الإنساني الذي يسير على نواميس ثابتة لا يمس أصولها تعديل، لقد استقرت مبادئ الحرية والإخاء والمساواة التي أعلنتها الثورة الفرنسية، والتي اتخذها نابليون وسيلة دعاية في حروبه في أوروبا وخارج أوروبا، لكن استقرار هذه المبادئ لم يكن نتيجة الحروب التي خاضها نابليون، وهو لم يتقرر في المعاهدات التي عقدتها أوروبا تنظم بها نتائج هذه الحروب، وإنما استقر؛ لأنها كانت ظاهرة ضرورية لحياة العالم في العصر الذي أعلنت فيه، وقد اقتضى استقراره حركات اجتماعية في فرنسا وفي غير فرنسا دامت عشرات السنين بعد حروب نابليون وبعد وفاته.

وكذلك الشأن في غير حروب نابليون، كان المسلمون في عهد أبي بكر يحاربون الفرس ويفتحون العراق، وكان خالد بن الوليد قائد الجيوش الإسلامية في هذه الحروب المظفرة التي أدالت من دولة الفرس وأقامت الحضارة الإسلامية مقام حضارة الروم والفرس جميعًا، ولقد ألفى المسلمون في العراق من نعم الله ما لا عهد لهم بشيء منه في بلاد العرب، خصب وزرع وفاكهة وسبايا كأنهن الحور العين، لذلك كان مما حرض به خالد بن الوليد جيوشه في أثر بعض المعارك قوله: «ألا ترون إلى الطعام كرفغ (لأم الوادي وأكثره ترابًا) التراب، وبالله لو لم يلزمنا الجهاد في الله والدعاء إلى الله عز وجل ولم يكن إلا المعاش لكان الرأي أن نقارع على هذا الريف حتى نكون أولى به، ونولِّي الجوع والإقلال من اثَّاقل عما أنتم فيه.» وقد كانت هذه النغمة لا ريب مما زاد المسلمين على القتال والنصر إقدامًا وحرصًا، لكنهم لم يكونوا أقل على الدفاع عن دينهم والدعاية له حرصًا، وقد استقرت الحضارة الإسلامية من بعد ذلك في العالم؛ لأنها كانت ضرورية لحياته، وإن اقتضى استقرارها حروبًا طويلة هي التي نشرت الأعلام الإسلامية في إمبراطورية مترامية الأطراف أقرت هذه الحضارة في العالم كله قرونًا متوالية، وكانت مبعث حياة في أنحائه المختلفة بعثته خلقًا جديدًا.

ومثل هذا القول يصدق في كل الحروب التي أعلنت فيها مبادئ إنسانية سامية أريد بها أن تسود العالم بأسره، وهي تدل على النزاع الدائم في النفس الإنسانية بين أهدافها ومطامعها الحاضرة، وبين آمالها في مثل أعلى تسعد به وتطمئن له، وهذا النزاع هو الذي يجعل جانب الهوى والتعلق بالحاضر يتغلب في النفس الإنسانية على جانب السمو في أكثر الأحيان، وهو الذي يدعو إلى السخر من الإنسان والإشفاق عليه.

لكن روح الجماعات كانت أقوى من روح الأفراد في كل الأحوال، ذلك أن الجماعات باقية على تعاقب الأجيال، فطرة الاحتفاظ بالحياة ليست قوتها في الجماعات دونها في الأفراد، وهذه الفطرة في الجماعات هي التي تؤدي إلى فناء الأفراد إبقاء على حياة الجماعة، كما أنها هي التي تؤدي بعد جهود قاسية متصلة إلى انتصار المبادئ السلمية على أهواء الساعة الثائرة لشهوات أفراد بذواتهم، ومن هنا كان استقرار المبادئ لا يتم إلا بعد نضال يبدو طويل الأجل حين يظل بضع سنوات أو بضع عشرات من السنين بينما هو في الواقع قصير بالقياس إلى حياة الأمم، فهو بهذا القياس لا يزيد على بضعة أيام في تقديرنا كأفراد بالقياس إلى حياتنا القصيرة.

ونعود الآن فنكرر الرجاء بأن تتمخض الحرب الحاضرة عن مثل أعلى تتوج به الضحايا الهائلة التي تبذل في هذه المجزرة الهائلة القائمة اليوم، والتي لا يعلم أحد متى تنتهي، وإذا صح لنا أن نقيس الحاضر بالماضي فإنا نلمح هذا المثل الأعلى من خلال الحوادث الأليمة التي تدور اليوم فتزعج العالم وتقض مضجعه، أفيتحقق هذا المثل الأعلى على أثر هذه الحرب، أم أنه يبقى ماثلًا في الجو سنوات أو بضع عشرات من السنين! ذلك ما لا علم لنا به لأنه الغيب، والغيب لا يعلمه إلا الله.

إن هذه الحرب ليست في الواقع إلا تتمة للحرب الكبرى الماضية، وقد خاضت إنكلترا غمار تلك الحرب الماضية دفاعًا عن حياد البلجيك وعن المعاهدات التي كفلت هذا الحياد، ففي ذلك الوقت أعلن المستشار الألماني بتمان هلفج أن المعاهدات ليست إلا قصاصات ورق، ولقد ثار سير إدورد جراي وزير الخارجية البريطانية في ذلك الوقت على هذا التعبير الألماني ثورة عنيفة في خطاب بليغ ألقاه تبريرًا لدخول إنكلترا الحرب، فلما آن لتلك الحرب أن تضع أوزارها وآن لمعاهدات الصلح أن تعقد، وضع الدكتور ولسن مبادئه الأربعة عشر التي تغنى بها العالم زمنًا غير قليل، ولقد كانت عصبة الأمم نتيجة من نتائج هذه المبادئ، وكانت غايتها فض المنازعات الدولية بالطريق السلمي.

لم يثمر هذا الجهد الذي بذل منذ سنة ١٩١٤ إلى وقتنا الحاضر، والحرب القائمة أقوى دليل على أن ما قيل في ذلك الظرف قد ذهب صيحة في واد، أفيكون ذلك لأن المبادئ التي دافع عنها الحلفاء يومئذ، والتي أعلنها الدكتور ولسن وقامت الهدنة في سنة ١٩١٨ على أساسها، ليست مما يقضي به تطور الإنسانية في الوقت الحاضر؟ أم أن هذا التطور يقتضيها، وإنما هو النضال الذي يسبق الاستقرار هو الذي أدى بالعالم إلى الحرب الحاضرة؟ وإذا كان هذا الفرض الأخير صحيحًا، أفلا تزال الإنسانية خاضعة لأهواء بعض الأفراد، فما يزال عهد النضال أمامها طويلًا؟ أم أنها في استجمامها الحاضر تتمخض عن أمر جديد سنرى عما قريب آثاره.

أكرر أن هذا غيب لا يعلمه إلا الله، لكنني أشعر بأن الإنسانية في أقطار الأرض جميعًا أصبحت تشعر بأن ما بلغته بفضل العلم وما قرب بين أممها المختلفة قد أصبحت بحاجة إلى تنظيم غير التنظيم الذي ألفته من قبل. إننا الآن في عصر تُتبادل فيه الأفكار والنظم في لحظة، ما يقع في اليابان أو في أمريكا يُتداول في إفريقيا وفي أوربا في اليوم نفسه، بل في الساعة نفسها، والآراء التي ينشرها العلماء وأرباب الفن والمفكرون لم تبق بحاجة إلى زمن طويل ليتناقلها الناس، بل هي تذاع بينهم يوم تذاع في الأمة التي يكتب هؤلاء العلماء لها، وهذا الاقتراب، بل هذا الاتصال بين الأمم يجعل الفوارق القديمة والنظم التي كانت قائمة على أساسها أمرًا عتيقًا غير ممكن بقاؤه.

وكيف يبقى وقد أصبح الاتصال بين مصر وإنجلترا أقرب مما كان الاتصال بين لندن وجلاسجو من بضع عشرات من السنين! وكيف يبقى وقد أصبح الاتصال بين مصر وأمريكا، وبين مصر واليابان أقرب مما كان الاتصال بين مصر والسودان من بضع سنين. إن هذا الوضع الجديد لأمم الإنسانية يقتضي نظامًا جديدًا لحياتها، وهذا النظام ليس هو الذي تطلبه ألمانيا، ولذلك لا يمكن أن تتحقق نظرتها للعالم في هذا الزمن.

كيف يصور هذا النظام الجديد، هذا هو المثل الأعلى الذي نرجو أن تتمخض عنه الحرب الحاضرة، والذي مهدت له مبادئ ولسن من ربع قرن، ثم أصبحت هذه المبادئ عتيقة هي الأخرى.

فلننتظر صورة هذا المثل الأعلى، ونرجو أن نراها ماثلة أمامنا عما قريب.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.