قرأت في يوميات الأخبار رَدَّكم القَيِّم على السيد حسنين خليل حول كتاب «خمسة أيام في دمشق الفيحاء» … وقد استرعى انتباهي في ردِّكم إيثارُكم الأسلوب المسجوع الذي جاء — والحق يُقال — خاليًا من شائبة التكلف أو الافتعال، ولكني أعلم أن الأستاذ الكبير لا يؤثر الأسلوب المسجوع على الأسلوب المرسل إلا لمامًا، فهل لي أن أسأل: هل تؤثرون أسلوب السجع الآن، أو أن الطابع التهكمي الساخر الذي اتَّسم به تعقيبكم هو الذي وَجَّه قلمَكم نحو هذا الأسلوب؟ …

إجلال محمود سعيد، طالبة بكلية الآداب جامعة عين شمس

إن الآنسة الأديبة قد أجابت عن سؤالها وكادت تغنيني عن الإجابة، لولا بعض التفصيل.

فالواقع أنني أختار السجع في موضوعات التهكم والدعاية كما أختاره في الموضوعات الوجدانية وما إليها مما يلحق بالأغراض الشعرية؛ فإن السجع يُنبِّه الذهنَ إلى المعاني في هذه الأغراض ويزيدها جلاء وتوكيدًا، كأنه اللحن الذي يضيف إلى الكلمات ومعانيها قوة ليست للكلام الذي يُسمَع بغير تلحين.

ولكنني أتجنب السجع في المباحث الفكرية؛ لأنه — على عكس ذلك — يشغل الذهن بانتظار القافية ونهاية الفاصلة، فيصرفه عن متابعة الفكرة والمضي مع سياق العبارة المتصلة بين المقدمات ونتائجها.

ومن الواجب أن نصحح هنا أوهامًا عارضة تَغْلِب على جماعة المجددين «المقلدين» الذين يستنكرون أسلوبًا من الأساليب على السماع ولا يسألون أنفسهم لماذا استنكروه.

فليس السجع مُنتَقَدًا لِذَاته وإلا كان نظم الشعر أولى بالانتقاد، وإنما يُعاب السجع إذا اضطر الكاتب إلى التضحية بالمعنى وبالتعبير السليم في سبيل الأسجاع الملفقة والفواصل المغتصبة.

أما إذا استقام به المعنى وازداد به تأثيره وانتباه الذهن إليه فهو واجب مفضَّل على الكلام المرسل. وميزان الحكم في هذا الأسلوب أن نحاول استبدال الكلمات المرسلة بالكلمات المسجوعة، ثم ننظر إلى الفرق بين أثر الأسلوبين، فإذا ضعف الكلام بعد قوة وسكن بعد حركة فالتجديد هو اختيار السجع وإهمال الاسترسال، ولا مسوغ لإيثار الكلام المرسل في هذه الحالة إلا الشعور بالعجز عن سواه.

اللغات الأجنبية

قلتم في إحدى يومياتكم: «إننا إذا تساوى عندنا الجهد في تعلم اللغات الكبرى والإسبرانتو، فالأنفع لنا أن نتعلم اللغة التي يعرفها الملايين وتحوي بين آثارها أمهات كتب الثقافة.»

فما رأي سيادتكم في الاتجاه إلى إلغاء الدراسة باللغات الأجنبية في جامعاتنا؟ …

محمد محمد مرشدي بركات القاهرة

لا غِنى عن تعلم اللغات الأجنبية بأية حال، وبخاصة في هذا العصر الذي اشتبكت فيه العلاقات العالمية والمصالح الدولية في كل مطلب من مطالب الحياة العامة أو الحياة الخاصة.

أما التدريس بِلُغَةِ الأُمَّة فذلك هو الواجب المستحسن متى تحققت شروطه الضرورية، وأول هذه الشروط: توافر الكتب والمراجع التي تشرح العلوم للطلبة بلغتهم في كل مرحلة من مراحل التعليم إلى أعلى درجاته، وشيوع المصطلحات العلمية والفنية التي تساعد المُعلِّم والمتعلم على أداء المعنى الدقيق في كل مادة من مواد التعليم.

وبَعدَ هذا لا غنى عن إتقان لغة أجنبية وعن مصاحبة كل اصطلاح فني بترجمته في تلك اللغة؛ لأن كثيرًا من المصطلحات ترجع في لغاتها الأصيلة إلى أسماء أعلام من المخترعين وأصحاب النظريات، ومنها ما يُختزَل عن كلمات متعددة يُؤخَذ من كل كلمة حرف أو حرفان للرمز إلى عبارة طويلة لا يسهل نقلها.

وقد حاول الألمان في عهد النازية محو الكلمات اللاتينية واليونانية والأجنبية على العموم من كتبهم الدراسية؛ فتعثروا زمنًا في هذه المحاولة ثم أخذوا يعدلون عنها الآن، وستنتهي كل محاولة من هذا القبيل إلى الفشل لاستحالة العزلة الثقافية في الزمن الذي نحن فيه، وقد كانت في الواقع مستحيلة في كل زمن.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.