قامت النهضة الأدبية في مصر على أكتاف الأفندية، ونعني بهم الذين تعلموا في المدارس الحديثة لا في معاهد العلم القديمة مثل الأزهر، ونُدخل في جملتهم الذين أخرجتهم دار العلوم وخدموا اللغة العربية وأدبها وتاريخه، مثل: الشيخ أحمد الإسكندري، والمرحومَين الشيخ مفتاح والشيخ الخضري، وليس للأزهر — مع ذلك كله — فضل، وحسبك أن تعلم أن الشيخ المرصفي لم يكن يحضر درسه في الأزهر إلا قليلون من عشاق اللغة والأدب، وأن كتابَي الجرجاني وهما: «أسرار البلاغة» و«دلائل الإعجاز» لم يُقرآ في الأزهر إلا على عهد المرحوم الإمام الشيخ محمد عبده وبفضله، ولمَّا أراد الأستاذ الإمام أن يشجع الشعر، كان الشاعر الذي اختاره ورعاه هو المرحوم حافظ إبراهيم، وهو من رجال السيف وخريج المدرسة الحربية لا الأزهر، وقد همَّ الأستاذ الإمام بنقل كتاب «التربية» لسبنسر عن الفرنسية، ثم بدا له أن الأَولى أن يكون النقل عن الأصل وهو الإنجليزية، فقام بذلك المرحوم محمد السباعي أديب مصر في ذلك الحين وأعرف الناس يومئذٍ باللغتين العربية والإنجليزية، وكان للجريدة على عهد مديرها الجليل الأستاذ لطفي بك السيد فضل لا يُنكر في تنشيط الأدب الحديث، وفسح المجال له وتقديمه للجمهور وتعريفه به، والجريدة هي التي طبعت للسباعي ترجمته لكتاب «التربية» لسبنسر، والأستاذ الكبير إبراهيم الهلباوي هو الذي أمده بالمال اللازم لطبع كتابه «الصور» وهو خير ما ألف السباعي، وخير من خدم اللغة العربية من غير المصريين وأحقهم بالتقديم وأَوْلاهم باستيجاب التعظيم —المرحوم الشيخ إبراهيم اليازجي؛ ولا يزال زمام اللغة والأدب في يد الأفندية ومن في حكمهم، أما الأزهر فهو بعيد … بعيد … يعيش في عصر خالٍ، ليس من هذا الزمن ولا يربطه بما فيه من الحركات والنهضات سبب.

وكذلك ينهض الأدب الإسلامي الآن بفضل الأفندية ومن إليهم، لا بفضل الأزهر، وغير منكور أن الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده من علماء الأزهر، ولكن كم أخرج الأزهر مثل الإمام؟ وبكم مثله يجود الدهر في العصور الطويلة؟ على أن الأستاذ الإمام ليس مدينًا للأزهر بقدر ما هو مدين لاستعداده الفطري ومواهبه الطبيعية، ولِمَا أفاده من مخالطة السيد جمال الدين الأفغاني، وما اكتسبه من الإلمام بمعارف الغرب بعد أن حذق إحدى لغاته ومهر فيها، ومما يستحق الذكر أن أنبغ تلاميذ الإمام وأوثقهم حالًا وأعلمهم بالشريعة السمحة، وأخلصهم لمبادئه وطريقته وأوفاهم لذكراه —هو العالم الجليل السيد محمد رشيد رضا صاحب «المنار»، و«التفسير الكبير»، و«الوحي المحمدي»، و«تاريخ الإمام»، وعشرات من الكتب النفسية الأخرى، وليس السيد رشيد من خريجي الأزهر، وما كانت صلته بهذا المعهد الجليل إلا تبعًا لصلته بالإمام، وقد ظل الإمام إلى آخر أيامه يجاهد أن ينفض عن الأزهر غبار القرون، وكان آخر ما قاله وهو يجود بأنفاسه:

وقد قيل: إن الأبيات من نظم حافظ إبراهيم، وقد يكون هذا كذلك، فما كان الإمام شاعرًا، ولكنها على الحالين أليق ما يجري به لسانه أو ما يوضع عليه.

والآن تُصدر إدارة المعاهد الدينية مجلة شهرية هي «نور الإسلام»، فلا يستطيع الأزهر أن يَكِلَ الإشراف على تحريرها إلى واحد من مئات علمائه؛ فيعهد في ذلك أولًا إلى عبد العزيز محمد بك وزير الأوقاف الحالي، ثم إلى الأستاذ فريد وجدي، وقد وضع الدكتور محمد حسين هيكل بك «تاريخ محمد» صلى الله عليه وسلم، وقد قرأه الناس وهو يُنشر تباعًا في «السياسة الأسبوعية»، ثم وسعه الدكتور وسيصدره في كتاب بعد أيام، وكان المظنون أن يكون رجال الأزهر أَولى بذلك وأقدر عليه، ولكن الذين قرءوا ما نشر الدكتور هيكل يدركون أن هذا مطلب عسير على الأزهر؛ لأنه معهد «يفيد» مع العلم العجز عن الانتفاع أو النفع به.

والآن ينهض الأستاذ إبراهيم حسن الموجي بترجمة «جامع صحيح البخاري» إلى اللغة الإنجليزية، والأستاذ الموجي من خريجي الجامعات البريطانية، وهو من أعضاء الجمعية الآسيوية الملكية ببريطانيا العظمى، وعمله أنه محاضر بمدرسة التجارة العليا بمنشستر بإنجلترا، وترجمة البخاري عمل يستنفد العمر لطوله وضخامته وتعويصه، ولكنه أقدم عليه ومضى فيه وفرغ منه، فكان كل ما تفضل به عليه الأزهر أن رضي بعد جهد جاهد أن ينشر له من الترجمة ملزمتين في مجلة «نور الإسلام»! والأستاذ الموجي يريد أن يطبعه وينشره على الغرب، وليس له ولا لعشرين من أمثاله موارد تعين على ذلك، فلا أقل من أن يمده الأزهر بالعون المالي إذا أعياه أن يساعده على ما تكلف، وليست ترجمة البخاري من الهينات؛ فإنها تتطلب درس كتب الحديث والاطلاع على التفاسير، والإحاطة باللغة والتاريخ على أوفى وجه وأدقه، وقد اطَّلعنا على ما نُشر من الترجمة فاستجدناها ولم نرَ فيها مأخذًا أو ضعفًا أو قصورًا.

بل للأزهر أثر يستحق أن يذكر في نهضة الأدب الإسلامي؛ وذاك أنه يطرد من حظيرته المجتهدين من رجاله، ويجردهم من صفة العلم، كما فعل بالأستاذ علي عبد الرازق لمَّا نشر كتابه «الخلافة وأصول الحكم»، ومن فضله على نهضة الأدب الإسلامي أيضًا أنه يطلب مصادرة الكتب القديمة حين يعاد طبعها ويراد إحياؤها ونشرها على الناس وتعميم الانتفاع بها، كما فعل حين ظهر كتاب «تاريخ بغداد»، فلولا أن ثارت الصحف تدافع عن كرامة العلم وحرية البحث وحرمة التاريخ، لأكلت النار الكتاب وخرب بيت طابعه!

وحسبنا هذه الأمثلة المتفرقة، وما نريد أن نقول إلا كلمة واحدة صريحة، هي أن هذا الأزهر معهد جليل ومفخرة خالدة لمصر، فإما أن يكون في الوسع إصلاحه فيؤدي رسالته إلى العالم الإسلامي والعربي، وإلا فلا خير فيه ولا أمل، ولا ندري لماذا يلقى السعي لإصلاح الأزهر كل هذه المقاومة في كل عصر؟ أهو شيء فيه صلاحه أم فساده؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.