منذ أربعة عشر قرنًا تغيَّرت لغات كثيرة، بل تغيرت جميع اللغات التي كانت تُحسب يومئذٍ من اللغات الحية، فانتقلت من ميدان الحياة إلى سجلات الآثار والمحفوظات، أو إلى المراجع التي يتخصص لها علماء اللغات المهجورة. إلا اللغة العربية، فإنها نشأت منذ أربعة عشر قرنًا نشأة جديدة، وتقدَّمت أشواطًا بعد أشواط، وأخذت من إكسير الحياة ما يضمن لها طول البقاء.

وذلك بفضل القرآن الكريم؛ لأنه جعلها لغة العقيدة الإسلامية ولغة الثقافة الإسلامية في وقتٍ واحد، بل جعل لها فضلًا على الثقافة الإنسانية عامة، فحَفظت إلى حينٍ ما كان وشيك الضياع.

فلولا القرآن الكريم لكان من المشكوك فيه كثيرًا أن يتوفر العلماء على وضع علم النحو وعلوم البلاغة واستقصاء المفردات وتحرِّي مصادر الفصيح والدخيل، وضبط المعجمات التي لم تسبق في لغة من اللغات.

والأرجح — فيما نعتقدُ — أن البحث في الصفات والقضاء والقدر كان مصدر علم الكلام، فالحكمة الإسلامية، فالدراسات المنطقية التي تتصل بها وتُعين عليها. ولا يخفى أن هذه الدراسات هي التي أنقذت الفلسفة القديمة من الدثور والإهمال، فدبَّت الحياة فيما استحقَّ الحياة من فلسفة يونان وعلومها ومباحثها، واتصلت الثقافة الإنسانية منذ أقدم العصور إلى العصر الحديث في هذا الاتِّجاه.

وممَّا لا خلاف عليه أن اللغة العربية نشطت هذا النشاط وتقدَّمت هذا التقدُّم لأنها لغة كتاب مقدس يدين به المسلمون، وهو القرآن الكريم.

ولكن اللغات التي كُتِبَتْ بها الأسفار المقدَّسة كثيرة، منها العبرية لغة التوراة، والآرية القديمة لغة الزندافستا، ولغات آرية أخرى في الهند كُتِبَتْ بها الأسفار التي يقدسها الهنود الأقدمون والمعاصرون.

إلا أن اللغة العبرية أصبحت إحدى اللغات التي لَحِقَتْ بسجلات الآثار أو سجلات المراجع والدراسات، وقد كُتِبَتْ بعض أسفار العهد القديم باللغة الآرامية في حياة اللغة العبرية وإبان نشأتها، وقد تُرْجِمَتْ أسفار العبرية والآرامية جميعًا إلى اللغة اليونانية قبل ألفي سنة، ولا تزال هذه الأسفار كُتُبًا مقدسة عند اليهود، وهم لا يطَّلعون عليها في لغتها ولا يتكلمون تلك اللغة إلا بالإضافة إلى لغة أخرى هي لغة الحياة أو لغة كل يوم، أما اللغة العبرية فهم يستحيونها من طوايا التاريخ ويفهمونها كما يفهم الأثري نقوش الهيكل أو البردي العتيق.

وانتهت حياة اللغات التي كُتِبَتْ بها أسفار المجوس والبراهمة، وأصبحت مجهولة عند من يدينون بها ولا يؤمنون بشيءٍ منها …

إذن ليس مجرد الإيمان بكتاب مقدَّس كفيلًا بحفظ اللغة وعصمتها من الزوال أو الانتقال من ميدان الحياة إلى المراجع المهجورة.

ولا بد من فضل خاصٍّ للقرآن الكريم مَيَّزَهُ بين الكتب الدينية، وجعل له من الأثر في استبقاء اللغة العربية ما لم يكُن لكتاب آخر في اللغات السامية أو اللغات الآرية، وقد كانت العبرية والآرامية من اللغات السامية، كانت لغة المجوس والبراهمة من صميم اللغات الآرية، أو الهندية الجرمانية كما يقولون عنها في علوم اللغات، فما هو سِرُّ هذا الفارق بين كتاب وكتاب وبين اعتقاد واعتقاد؟

سِرُّهُ أن القرآن العربي قد جاء برسالة عامة إلى الناس كافة، ولم يكُن رسالة خاصة ببني إسرائيل أو بالطبقة الحاكمة بين الهنود، ولو كان عربيًّا للعرب دون غيرهم لما كان له هذا الشأن الذي امتاز به على كل شأن لكتاب من كتب الأديان.

فالتوراة كتاب يؤمن به بنو إسرائيل، ولكنه لم يحفظ اللغة العبرية بين أهلها فضلًا عن حفظها بين الغرباء عنها؛ لأن بني إسرائيل أنفسهم قد هجروا لغتهم، وانساقوا في التيار الذي يشمل الأمم الإنسانية بأجمعها.

وكتب البراهمة أسفار يدين بها أتباعها، ولكنها كذلك لم تحفظ لغاتها التي كُتِبَتْ بها من قديم الزمن؛ لأن البراهمة كانوا سادة يفرضون دينهم على عبيد مُسَخَّرِين، لا يعاملونهم معاملة الإخاء والمساواة، ومن ثَمَّ هذه الطوائف المنبوذة التي تُعَدُّ بعشرات الملايين، ومن ثَمَّ هذا التفاوت بين طبقة وطبقة، وصناعة وصناعة، بل من ثَمَّ هذه الأعجوبة في تاريخ الهند الحديث من ناحية اللغات، والتفاهُم بين أهل الشمال وأهل الجنوب باللغة الإنجليزية أسهل من التفاهم بين الجيران في الإقليم الواحد بلغة الكُتُب المقدسة التي انقضى عليها ثلاثون قرنًا على أقرب تقدير.

وهذا هو الفارق العظيم بين كِتاب وكِتاب، ولغة ولغة؛ فإن العقيدة وحدها لا تحمي لغتها، ولا تحمي أمتها إذا جاءت منعزلة عن الدنيا، مقصورة على عصبية واحدة، وإنما تبقى اللغة مع بقاء العقيدة إذا تفتَّحت أبوابها للأمم كافة بغير عصبية ولا عزلة قومية أو جنسية؛ ولهذا خُصَّتِ العربية «بظاهرةٍ» قَلَّ نظيرها في لغة من لغات الكتب المقدسة أو غير هذه اللغات، فإن خُدَّامها من الفرس والأمم الآرية لا يقِلُّون عن خُدامها من أبناء الأمة العربية، وإن البلاد التي انتقلت إليها العربية من مهدها تَخَرَّجَ من المشتغلين بها والعاكفين على آدابها وفنونها أضعاف من يتخرجون في بيئتها الأولى.

ويبدو لنا أن هذه اللغة الجميلة مستعدَّة بطبيعتها للعموم والشيوع والنهوض بالأمانة الإنسانية؛ لأنها كلها انتقلت من تربة إلى تربة أخرى ترعرعت في تربتها الجديدة وسمقت لها فيها فروع كالأصول بل أثبت وأبقى.

فاللغة في عهد العرب المستعربة أصح وأفصح ممَّا كانت عليه في عهد العرب العاربة، وهي في عهد العرب العاربة تقترب في فصاحة اللهجة واستقامة القاعدة وتبتعد من الحميرية التي تشبه الرطانة الأعجمية، وقد اطَّرَد هذا القياس زمنًا فاستفادت العربية بالعموم والشيوع، وما زالت كلما قادها العموم والشيوع إلى شيء من الإسفاف و«العامية» وجدت مرساة الأمان في القرآن الكريم، فلم تنقطع الآصرة بينها وبين أصولها، ولم تنقطع كذلك عن مجاراة الزمن والاحتفاظ بالمَزِيَّة الإنسانية: مزية العموم والشيوع. ().

نعم، ويَصْدُقُ ذلك على اللغة التي تقوم بها الرسالة كما يَصْدُقُ على الرسول الذي يؤديها إلى بلاغها، فتمضي الرسالة إلى غايتها ببلاغة اللغة وبلاغ الرسول.

وتتضح هذه الحقيقة من الموازنة بين العربية والعبرية واللغات الآرية والمجوسية؛ فإن العربية قد انتهت إلى عصر الدعوة الإسلامية، وهي تزدهر وتتسع للنظم المتين والخطابة المبينة والحكمة المأثورة، ولم يُعرف عن لغات الكتب الدينية كالعبرية أو الآرية القديمة أنها وعت — إلى جانب الآيات الدينية — شيئًا من روائع البلاغة التي يتفاهم بها الناس في مطالب الفن والأدب، فلم تُرزق من الحياة ما يعبر عن الحياة، وانقضت مهمتها ولمَّا تُجاوِز نطاقها المحدود من عصبية القبيل والإقليم.

وهذه البلاغة العربية التي نضجت وسَرَتْ في سليقة الناطقين بها مسرى الوظيفة الحية قد كانت حصنًا للعقيدة كما كانت حصنًا للغة ولهجاتها وأساليبها، فلمَّا انتشر المبشِّرون بالمذاهب المختلفة في بلاد المسلمين أخفقوا واعترفوا بالإخفاق، وقرروا أن المسلم لا يخرج من دينه إلى دين آخر، وأن نسبة الصابئين عن دينهم من المسلمين لا تزيد على الآحاد في الملايين، وبعضهم يتحوَّلون لمنفعة أو غواية وعلى غير إقناع وإيمان، ومهما يكُن من ثبات العقيدة الدينية فلا يقال إن المبشِّر المدرَّب على التبشير يعجز عن إقناع جاهل أو ساذج بما حذِقَه من وسائل التشكيك والتأثير، وإنما العصمة حق العصمة أن بلاغة القرآن حتى في مسامع الجهلاء قد عودتهم نمطًا من الكلام العذب المستساغ، يرفضون كل ما عداه ولا يحسون فيه الرُّوحانية الإلهية، فيصعب إقناعهم بكلام على غير ذلك النسق البليغ.

ولقد مضى أربعة عشر قرنًا على اللغة العربية في تجدُّدها وارتقائها بعد نزول القرآن الكريم، وقد زالت كما أسلفنا لغاتٌ كانت تُحسب من اللغات الحية عند انتشار الدعوة الإسلامية، وقد بقِيَت اللغة العربية لغةَ عقيدة ولغة ثقافة ولغة خطاب بين المتعلِّمين من أبنائها، ولغة فَهمٍ بين غير المتعلمين منهم.

ولكن المعجزة القرآنية لم تقِف ولن تقِف عند هذه الغاية، فبفضل هذه المعجزة يُرجى أن تكون هذه اللغة بعد قرن من الزمان لغة الملايين ممَّن لم يتكلموها حتى الآن، وفي طليعتهم أهل الهند والملايو المسلمون، ومعهم في آسيا وأفريقية وشعوب تنمو وتزداد صِلَةً بلغة القرآن على مر السنين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.