إخواني: لأستاذي الكبير مدير الجامعة المصرية حضرة صاحب السعادة أحمد لطفي السيد باشا كلمة يرددها دائمًا، وهي أنه إذا كان لمستقبل هذه الأمة — أو لمستقبل أية أمة أخرى — وسيلة لتكييف حياتها تكييفًا صالحًا فهذه الوسيلة هي الجامعة؛ لأنها هي التي توجه البلاد كلها — لا المتعلمين فيها وحدهم — الوجهة الصالحة لخير البلاد في حاضرها وفي مستقبلها.

فإذا نحن طبقنا هذه القاعدة على الجامعة المصرية في وقتنا الحاضر، فهل نستطيع أن نقول إن الجامعة توجه مصر لمستقبلها ولحاضرها هذا التوجيه لا من جهة ما تلقيه على طلابها من العلوم وكفى، بل من جهة صلة هؤلاء الطلاب بأساتذتهم، سواء أكانت هذه الصلة إدارية أم علمية.

المبدأ الذي تقرر بالنسبة للجامعة، والذي يجب أن تحرص عليه الجامعة أشد الحرص، هو مبدأ استقلالها، وهو مبدأ مقرر في بلاد العالم كلها، وهو مبدأ محترم أشد الاحترام، ويجب أن يكون كذلك عندنا.

والجامعة في العهود المختلفة تبدو من حيث صلتها بوزير المعارف مستقلة في الظاهر، ولكنها في الحقيقة تخضع لسياسة البلاد في كل عهد. تخضع للسياسة خضوعًا فعليًّا. إن لم يكن هذا الخضوع قانونيًّا.

وقد نشأ عن ذلك أن عمداء الجامعة وأساتذتها وطلابها أصبحوا في شئونهم المختلفة يخضعون لهذه الأحوال الطارئة الكثيرة الحدوث في مصر، وكان ذلك سببًا في حصول كثير من الاضطراب في الجامعة لأسباب سياسية وأسباب تعليمية.

لهذا أرى أن أتوجه برغبة وألتمس من المجلس أن يؤيدني فيها، وهي أن يحترم استقلال الجامعة احترامًا صحيحًا من الهيئات العليا، حتى يكون هذا الاستقلال أصيلًا في نفوس الأساتذة محترمًا في الطلاب أنفسهم.

إننا نرى في هذا الوقت وفي هذه السنين الأخيرة، نرى الطلاب يتحكمون في أساتذتهم وفي عمدائهم، بل نراهم يتحكمون فينا نحن رجال الهيئة التشريعية، كما نراهم يتحكمون في رجال السلطة التنفيذية، لماذا؟ لأن هؤلاء الطلاب أَلِفوا في ظروف كثيرة أن تلجأ إليهم الهيئات السياسية سواء أكانت في الحكم أم في خارج الحكم، وألف أساتذتهم مثل هذا، فهم يرون حقًّا لهم وواجبًا على السلطات أن تسمع لرأيهم، لا في الشئون العامة وحدها ولكن في الشئون الماسة بهم في تعليمهم.

نضع هنا قانونًا ونطالب بتنفيذه ونقره بناء على اقتراح رجال الجامعة الذين يتمتعون بالاستقلال ثم ينفذ هذا القانون في الامتحانات أو في غيرها، فإذا بنا نرى أنفسنا مضطرين لمواجهة حالة خاصة تقتضينا — أردنا أم لم نرد — أن نعدل هذا القانون.

لا أقول: إن الطلبة مسئولون عن هذه الحالة، ولكني أقول: إن عدم احترام استقلال الجامعة، سواء من الهيئات العالية أو من رجال الجامعة أنفسهم، هو السبب في هذه الحالة، وأؤكد لحضراتكم أن هذه التصرفات كانت سيئة الأثر جدًّا في تعليم أبنائنا.

وإذا كان مما شكا منه الطلاب وأهل مصر جميعًا في هذا العام أن كانت نتائج بعض الكليات محزنة، فإني أنسب هذه النتائج إلى أننا في العام الماضي اضطررنا، تحت ضغط الظروف إلى تعديل قوانين خاصة بالامتحانات وغيرها، على أنني أكون ظالمًا إذا ما قلت: إن هذا هو وحده السبب، بل هناك أسباب أخرى دخيلة في نظام الجامعة.

في شهر سبتمبر أو أكتوبر من كل عام تقدم الطلبات للقبول بالجامعة، ويكون عدد المطلوب دخوله مثلًا في كلية الطب ثلاثمائة أو أربعمائة، وهذه الكلية بطبيعتها لها نظام خاص يقضي بأن يقتصر القبول فيها على عدد معين من المتفوقين، وحجتها في هذا لا سبيل للمناقشة فيها، لأنها قائمة على أساس صحيح، إذ فيها معامل تتسع لعدد معين لا يمكن أن تستوعب أكثر منه. إن أخذت عددًا أكثر مما تستطيعه كان التعليم فيها فاسدًا.

هذا كلام مضبوط لا يمكن المجادلة فيه، وكذلك الشأن في كليتي الزراعة والهندسة، ولكنك تجد المتقدمين يبلغ عددهم أضعاف ما تطلبه تلك الكليات فيستبعد منهم عدد لا يقل عن ألف أو ألف وخمسمائة، فهل يتركون في الشوارع بعد حصولهم على شهادة دراسية تعطيهم الحق في أن يتعلموا تعليمًا عاليًا؟ لا.

الذي يحصل في هذه الحالة إذن أننا نوجههم إلى الكليات ذات التعليم في المدرجات، وهي كليات التجارة والحقوق والآداب، وحينئذٍ نرى طالبًا حاز شهادة الدراسة الثانوية من القسم العلمي وهيأه لأن يتعلم الطلب، ولكن قضى كسله أو سوء حظه أن يكون متأخرًا في ترتيبه. نرى هذا الطالب يرغم على الدخول في كلية التجارة أو الآداب أو الحقوق، كما نرى طلابًا آخرين مثله مرغمين على الدخول في كليات لم يؤهلوا أنفسهم لها، ويعللونهم حين القبول فيما لا يريدون بأن شيئًا خير من لا شيء، وبناء على ذلك نرى كليات الآداب والحقوق والتجارة تحشد بالطلاب المتأخرين أو الذين أوصدت في وجوههم كليات الهندسة والطب والزراعة، حتى أن كلية الحقوق وحدها قبلت في العام الماضي ألف طالب أو أكثر.

أناشدكم الله، كيف يتعلم هؤلاء الشبان جميعًا، إنهم يذهبون إلى مدرج واحد يتسع لعدد عظيم معد لأن تلقى فيه محاضرات الجامعة فيستمعون إلى أستاذهم، قدِّروا حضراتكم كيف يستطيع ألف طالب أن يستمعوا إلى أستاذ واحد.

بعد هذا يكون طبيعيًّا — وطبيعيًّا جدًّا — أن تكون نتيجة الامتحانات سيئة جدًّا كما رأينا في هذا العام، وبخاصة إذا أضيف إلى هذا السبب كثرة التعديلات التي أدخلت على قوانين الامتحانات.

ما هي العلة الحقيقية في حشد هذا العدد الكبير من الطلاب في مدرج واحد؟

في رأيي أن العلة الحقيقية هي الحب المتأصل في نفس كل منَّا للعمل بنظرية التركيز، فالحكومة مثلًا تسير في جميع أعمالها على نظرية التركيز، وكل فرد في عمله يميل إلى هذا التركيز، وكذلك الجامعة متأثرة في عملها بهذا التركيز، وأقصد بالتركيز أن الجامعة — ولا أقول الجامعة المصرية، بل أسميها جامعة الجيزة — لا تريد هي أو لا تريد الحكومة، أو الأقدار، أو الميزانية أن تنشأ إلى جانبها جامعات أخرى.

لقد طالبت الصحف في عدة مناسبات سابقة بإنشاء جامعات أخرى، ولست أدري إذا كان قد طولب في البرلمان بتحقيق هذه الرغبة أم لا، لأني حديث عهد بالبرلمان.

الواقع يا حضرات الشيوخ، أننا في حاجة قصوى إلى إنشاء أكثر من جامعة فتنشأ جامعة في الإسكندرية وأخرى في مدينة أسيوط، وهكذا يتزايد عدد هذه الجامعات كلما دعت الضرورة إلى ذلك.

ولا أقول بهذا حبًّا في عدم التركيز، أو رغبة مني في زيادة الجامعات، بل لأن جامعة الجيزة غير قادرة على أن تضطلع بالعبء وحدها، ويسرني أن حضرة زميلي المقرر وسعادة الدكتور علي إبراهيم باشا عميد كلية الطب يشاركانني هذا الرأي، وأعتقد كذلك أنه لو كان حضرة صاحب السعادة عميد الكلية هنا لشاركنا أيضًا في هذا الرأي.

يقولون إن الميزانية المحدودة لا تسمح بتنفيذ هذه الرغبة، كيف أستسيغ هذا القول؟ وعلى أي وجه أفهمه إذ لا ذنب للميزانية في ذلك، فهي ضخمة وكبيرة ولكن ينقصها حسن التصريف، إن سوء التصرف في ميزانية الدولة بصفة عامة وميزانية الجامعة بصفة خاصة هو الذي أدى بنا إلى هذه النتيجة.

إن ميزانية الجامعة عندنا كميزانيات الجامعات في البلاد المختلفة تقوم على موردين أساسيين: هما تبرعات الأفراد وإعانة الحكومة، وقد أنشئت جامعتنا في أول أمرها من تبرعات الأفراد، ومن بين هذه التبرعات ١٦٠٠ فدان سمعتم هذه الليلة كيف أسيئت إدارتها واستثمارها لدرجة أن إيرادها لم يزد يومًا ما على ٩٠٠ جنيه، وفي هذا ما يثير العجب — بل إنها لفضيحة. لقد أشارت بحق لجنة المالية في هذا المجلس إلى أن سوء الإدارة في استثمار يتبرع به للجامعة يغل يد الأفراد ويكفهم عن التبرع لها.

لي رغبة أرجو حضراتكم مخلصًا أن تشاركوني فيها، وهي أن تستبدل بهذه الأملاك الثابتة سندات مالية من الدين الموحد مثلًا، لأننا لو بعنا هذه اﻟ ١٦٠٠ فدان — وثمن الفدان منها لا يقل في المتوسط عن مائة جنيه — لبلغ مجموع ثمنها ١٦٠٫٠٠٠ نشتري بها سندات تغل إيرادًا لا يقل عن ٧٫٠٠٠ جنيه سنويًّا تتسلمها الجامعة وهي مستريحة مطمئنة، ولا شك أن في تحقيق هذه الرغبة ما يشجع الأفراد على الاستمرار في تقديم تبرعاتهم وهباتهم إلى الجامعة؛ لأنهم يعلمون أن ما يتبرعون به من الأموال والأطيان ستحسن إدارته ويأتي بأرباح وفيرة تحقق الغرض من تبرعهم.

وأعتقد أنه إذا وثق أهالي الوجه القبلي من حسن إدارة ما يتبرع به فلن يترددوا في التبرع والاكتتاب لإنشاء جامعة في أسيوط، وكذلك شأن أهالي مدينة الإسكندرية.

ومن واجب الحكومة القيام بتنظيم ميزانية الجامعة على صورة تؤدي إلى نجاح الدعاية للتبرعات، ومن واجبنا نحن الأفراد تشجيع هذه الدعاية ما استطعنا إليها سبيلًا.

والحق أنني لم ألجأ إلى إبداء هذه الرغبة إلا لما ظهر من عبث وسوء تصرف في إدارة هذه الأملاك مما أرجو أن يجري فيه تحقيق يحدد مسئولية العابثين، حتى إذا ثبتت إدانتهم نالوا جزاءهم الرادع.

وفيما يتعلق بالجانب الآخر الذي تقوم عليه ميزانية الجامعة، وهو إعانة الحكومة، فهناك من يقول برفع مصروفات التعليم لأن الذي يصرف على التلميذ في العام لا يقل عن ١٥٠ جنيهًا بعد الذي يدفعه الطالب، ولكني أخالف القائلين بهذا الرأي، وأرى أن يكون التعليم بالمجان كما هو متبع الآن في تركيا، إذ إنه يقع على عاتق خريجي الجامعة عبء النهوض بهذه البلاد، والذي أريد أن يفهمه الطلاب جميعًا هو أنهم إنما يتعلمون لحمل هذا العبء لا لكسب أرزاقهم وتحصيل منافع مادية فحسب، فطالب الطب عندما يتخرج من كليته يجب أن يفهم أنه يؤدي رسالته الإنسانية وأن ما يتقاضاه أجرًا على عمله إنما هو رزق من عند الله، وكذلك شأن خريجي كلية الحقوق وسائر خريجي الكليات الأخرى.

يقولون إن ميزانية الجامعة ضخمة، ولكني أقول إن ميزانية الجامعة تابعة في ضخامتها إلى ميزانية الدولة، ولو روعيت الدقة في وضع الميزانية العامة، لأمكننا تدبير المال للجامعة من غير أن نلجأ إلى زيادة مصروفات التعليم بالجامعة، بل لاستطعنا أن نجعل التعليم مجانيًّا.

هناك مسألة أخرى أوجهها الليلة وكنت أود أن يجيبني عنها غير سعادة الدكتور علي باشا إبراهيم؛ لأنها تتعلق بغير كلية الطب: تلك هي شَحن برامج التعليم في الكليات بمواد كثيرة تكد آذان الطلاب وترهق عقولهم، فطالب الآداب الذي يجب أن يدرس اللغة العربية وآدابها، وما يتصل بها من دين وفلسفة وغير ذلك؛ ملزم بحكم البرامج أن يدرس إلى جانب ذلك اللغات التركية والفارسية واللاتينية واليونانية لما عسى أن يكون في مراجع هذه اللغات ما يحتاج إليه الطالب في دراسته الأساسية.

ولا شك أن تكليف الطالب دراسة هذه اللغات كلها يستنفد منه وقتًا كبيرًا ومجهودًا عقليًّا مضنيًا، وقد كان ذلك من أهم الأسباب التي أدت إلى سوء النتيجة في هذا العام.

كيف نفرض تعليم هذه اللغات المختلفة على أبنائنا في مصر في حين أن فرنسا — ولغتها مستمدة من اللغة اللاتينية — فيها حملة شديدة موجهة إلى تعليم اللغتين اللاتينية واليونانية، وقد انقسم المهتمون بالتعليم في هذه البلاد إلى فريقين: أحدهما يحبذ تعليم هاتين اللغتين على أنهما أساس اللغة الفرنسية، والفريق الآخر يحارب هذه الفكرة ويطلب استبعادهما من برامج التعليم، ونحن نريد أن يكون تعليم هذه اللغات متروكًا لاختيار من يريد التخصص بعد انتهائه من الدراسة الجامعية.

ومقابل هذا النقد الذي أوجهه إلى شحن البرامج بمختلف المواد، ألاحظ أنه في كثير من الكليات التي تدرس باللغات الأجنبية، وحتى ما يدرس منها باللغة العربية تستعمل فيه المصطلحات الإفرنجية، وفي هذا عيب يجب تلافيه. نعم قد يكون من المتعذر، في الوقت الحاضر، دراسة بعض العلوم باللغة العربية، ولكن ذلك لا يمنعنا من محاولة إيجاد العلاج اللازم لجعل اللغة العربية أداة صالحة لتعليم العلوم المختلفة.

وليس المجمع اللغوي هو الذي يؤدي هذه المهمة، ولكن الجامعة المصرية هي التي تستطيع أن تؤدي هذه المهمة على أحسن وجه.

فمثلًا عندما يلقي أحد الأساتذة كسعادة الدكتور علي إبراهيم باشا محاضرة في تاريخ الطب العربي تعرض له مصطلحات إفرنجية مختلفة في استطاعته هو أن يجد لها نظائر في اللغة العربية، وهو أقدر على ذلك من غيره، وكذلك الشأن في المحاضرات والعلوم التي تدرس في مختلف الكليات، وبذلك تكون ذخيرة ومدخرًا نرجع إليها عند المراجعة، وقد استطعنا في أثناء دراستنا في مدرسة الحقوق لبعض المواد التي رئي تعليمها باللغة العربية أن نجد في الفقه الإسلامي مصطلحات باللغة العربية أغنتنا عما يقابلها من مصطلحات في اللغات الأخرى، ولذلك أرى من الواجب أن تؤدي الجامعة هذه الرسالة بأن يخصص درس في الأسبوع يلقيه أستاذ له دراية تامة في تاريخ العلوم التي تدرسها هذه الكليات من ناحية اتصالها باللغة العربية، وبذلك تكسب اللغة العربية ثروة جديدة في مصطلحاتها.

هذه ملاحظاتي أبديها معتقدًا أنني أؤدي واجبي نحو الجامعة، واثقًا أن الرجل الذي يمثلها هنا يوافقني عليها تمام الموافقة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.