سيدي الرئيس، سادتي

أمامنا عند التأمل في المدنية العربية أن نختار طريقةً من طريقتين: لنا أن ننظر إلى ما ورثناه عن تلك المدنية؛ أي ننظر — بعبارة أخرى — إلى مقوماتها تامة التطوُّر قد بلغت خواتيمها. كما أن لنا أن ننظر إليها بعين أبنائها؛ أي ننظر إلى المقومات في أحوال تطورها. ونحن حينما نفعل ذلك نحاول في الواقع أن نحيي تجاربَ ومناظرات ومجادلات وخلافات، منَّا مَنْ يراها غيرَ قابلة للإحياء أو غير مستحقة له. ومهما يكن من أمر النظرتين، فإني سأتحدَّث عن أساليب كتابة التاريخ عند العرب على اعتبارها جزءًا من تراث المدنية العربية. وهذا التراث نحن أقدر على فهمه وتقديره من أجيال من السلف القريب، كانت أوثقَ اتصالًا منا بالعرب الذين أقاموا صرحَ المدنية العربية التاريخية.

ذكر الجبرتي في مقدمة تاريخه المصنَّفَاتِ العربيةَ التاريخية المشهورة، وهي مصنفات بأيدي الناس في زماننا، فقال: «وهذه صارت أسماءً من غير مسميات، فإنا لم نَرَ من ذلك كله إلا بعض أجزاء مدشتة، بقيت في بعض خزائن كُتب الأوقاف بالمدارس مما تداولته أيدي الصحافيين وباعها القومة والمباشرون، ونُقلت إلى بلاد المغرب والسودان، ثم ذهبت بقايا في الفتن والحروب، وأخذ الفرنسيس ما وجدوه إلى بلادهم. ولما عزمت على جمع ما كنت سوَّدته، أردت أن أوصله بشيء قبله فلم أجد بعد البحث والتفتيش إلا بعض كراريس سوَّدها بعض العامة من الأجناد ركيكة التركيب، مختلفة التهذيب والترتيب.»

ولنا أن نستغرب على الوجه الذي بيَّنه الجبرتي تَلَفَ هذه المادة التاريخية، فإن إنتاج العرب في كتابة التاريخ كان ضخمًا جدًّا. أحصى المستشرق الألماني فستنفلد عدد مَنْ ألَّفوا في التاريخ في الألف الأولى من الهجرة بستمائة مؤلِّف. على أن ضخامة الإنتاج تهولنا مظهرًا لا حقيقة، فإننا إن حذفنا الأسانيد من تاريخ دمشق لابن عساكر مثلًا، أمكننا أن نهبط بالمجلد الواحد من ذلك التاريخ من عشرات الأوراق إلى خمس ورقات، هذا وقد جرى المؤرخون على أن يوصلوا ما أعدوه — على حد عبارة الجبرتي التي قرأتُ — بمادةٍ منقولة من كُتب السابقين نقلًا حرفيًّا وبذا تكبر مصنفاتهم. وأخيرًا من المؤلفات التاريخية ما يصعب اعتباره كُتبًا بالمعنى المألوف، من ذلك لعلي بن محمد المدائني، من الرواة الأول: كتاب مَنْ جَمَع بين أختين، وكتاب من تزوج ابنة امرأته، وكتاب من تزوج مجوسية، وكتاب من قُتل عنها زوجها، وكتاب من نُهيت عن تزويج رجل فتزوجته، وكتاب العواتك، وكتاب من وَقَفَ على قبر فمثل بشعر … إلى آخره. وألَّف غيره كُتبًا في من عُرفوا بأسماء معينة، كالحاملين لاسم «عطاء» أو «عبد المؤمن» أو «عوض» … إلخ.

ولكن على الرغم من هذه التفاهات، فإن التاريخ عند العرب عظيم حقًّا، إنساني كاملُ الإنسانية، كبير التنوع، يخلو من شوائب التسميم والتسمم التي تسرَّبت إلى كثير من كُتب التاريخ عند الأمم الأخرى.

و«بعد»، فما مكانته في الحياة العقلية العربية؟ إن تذكَّرنا أن العلوم الدينية والعلوم اللغوية بُنيت بناءً تاريخيًّا قلنا إن مكانة التاريخ في الحياة العقلية العربية كانت عظيمةً جدًّا، وإن تذكَّرنا أن الأدب العربي تأثَّر بالتاريخ على أوجه مختلفة قلنا إن مكانة التاريخ في الحياة الأدبية كانت هي أيضًا عظيمة جدًّا. والمجتمع العربي — كغيره من المجتمعات — لم يستغنِ أفراده في معاملاتهم عن التاريخ ولم تَستغنِ كذلك حكوماته في سياساتها عن التسجيلات والتجارب التاريخية. ولكننا إذا انتقلنا من هذا كله للتاريخ مجردًا عن تلك الأغراض، للتاريخ الذي يحبُّ الناس الاطلاع عليه، فإننا نواجه مواقفَ أخرى، نواجه حُبًّا في التاريخ وإقبالًا عليه مصحوبين بشيء من الاستخذاء. ونرى المؤرِّخين يحاولون سَتْر «ضعفهم» هذا بالإفاضة في ثمرة التاريخ وفوائد الاشتغال به. لنأخذ مثلًا من مئات؛ قال السخاوي في الإعلان بالتوبيخ: «فثمرته الترغيب والترهيب، والتنشيط والتغبيط، والإنذار والاعتبار، والتسلِّي والتأسِّي، والنُّصح والنُّجح، والتمريض والتنهيض.» ولكنه أضاف: ولا يمنع هذه الثمرة قلةُ المعتبرين وإنشاد بعض المتقدمين:

لَقَدْ أَسْمَعتَ لَوْ نَادَيْتَ حَيًّا

وَلَكِنْ لَا حَيَاةَ لِمَنْ تُنَادِي

فلا بد من وجود راغب ومعتبر ومتأمِّل ومستبصِر. فالعرب طلبوا التاريخ المجرد للذة الطلب.

حُكي أن القاضيَ أبا يوسف كان مع ما اشتمل عليه من العلم يحفظ المغازيَ وأيامَ العرب ونحوها من التاريخ، فمضى وقتًا لسماع المغازي أو لإسماعها، وأخلَّ بمجلس أيامه أيامًا ثم جاء فقال له (أحد أصحابه): ما اسم صاحب راية جالوت؟ فغَضِب من هذا التعريض وقال: إن لم تمسك عن مثل هذا، وإلا سألتك على رءوس الناس مسائل أولية عن بدر وأُحد، فإنك لا تدري وهي أهون مسائل التاريخ.

وتذكرون — سادتي — المسائلَ التي وجَّهَهَا الجاحظ في رسالة التربيع والتدوير لأحمد بن عبد الوهاب، ناداه: «يا قعيد الفلك، حَدِّثْنِي كيف رأيتَ الطوفان؟ ومتى كان سيل العرم؟ ومُذ كم مات عوج؟ ومتى تبلبلت الألسن؟ ومُذ كم ظهرت الجبال؟ أيُّ هذه الأودية أقدم: أنهر بلخ أم النيل، أم الفرات أم دجلة، أو جيحان أو سيحان، وأين تراب هذه الأودية؟ جُعلت فداك، من أبو جرهم ومن رهط الدجال وهل تعرف له شبيهًا؟ وخبِّرْني عن هرمس أهو إدريس؟ وعن أرميا أهو الخضر؟ وعن يحيى بن زكريا أهو إيليا؟ وعن ذي القرنين أهو الإسكندر؟ ومن أبوه ومن أمه؟ ومن أولاد الناس من السعالى؟ وخبرني عن الأمة التي مُسخت ثم فُقدت ممن كانت وإلى أي شيء صارت؟ وخبرني عن الأبدال: أهم اليوم بالعرج أم ببيسان أم كما كانوا متفرقين؟ وخبرني أكلُّهم موالٍ أم كلهم عرب أم هم أخلاط؟ وكيف صارت لغة بيسان لسان الأرض يوم القيامة؟ وكيف صارت كبد الحوت أول طعامِ أهل الجنة؟ وخبرني عن الفراعنة: أهم من نسل العمالقة، ومَن العمالقة، أهم من قوم عاد؟ وخبرني كيف كان أصل الماء في ابتدائه في أول ما أُفرغ في إنائه: أكان بحرًا أُجاجًا استحالَ عذبًا زلالًا أم كان زلالًا عذبًا استحال أجاجًا بحرًا؟ وخبرني مُذ كم كان الناس أمةً واحدة ولغاتهم متساوية، وبعد كم بطن اسودَّ الزنجي وابيضَّ الصقلبي؟ وفي كم تمَّت لكل فرقة بعد التبلبل لغتها، واستفاض من شأنها؟ …»

وكان المفروض أن يجيب أحمد بن عبد الوهاب عن هذه بِنَاءً على ما عاين وقد عاصرها. وجاء المسعودي يجمع بين ما أثاره الجاحظ من مسائل التاريخ الطبيعي والتاريخ الإنساني على نحو انفرد به. ويحسُّ القارئ عند قراءة كل سطر أن المسعودي يكتب هذه الكتابة، ويحب أن يقرأ القارئ للذَّة القراءة.

إلا أن القارئ يشعر عند قراءة غيره من المؤرخين، وعند قراءة الذين كتبوا في تصنيف العلوم بشيء من حيرتهم: أين يضعون التاريخ؟ وكان موقفهم عمومًا أن يتجنَّبوا التحديد ما استطاعوا. فلم تنظم للتاريخ قبل العصر الحديث دراسة نظامية في معاهد التعليم، ولم يتعرض النقاد لأساليبه. ولنا أن نستخلص من هذا أنهم لم يروا ضرورةً لفصل التاريخ عن سائر المواد النثرية، بل رأوا أن ما جرى على هذه يجري عليه. وأعتقد أنْ قَدْ آنَ للنقد العربي الحديث أن يُطْلِعَنَا على ما اختص به التاريخ من أساليبه، وقد بدأ الدكتور طه حسين فاختار للمطالعة والدراسة فصولًا من المؤرخين، وهيَّأَ للطالب المطالع الجوَّ الصالح لدرسها. ونشر المستشرق روزنتال نصوصًا تتعلَّق بالنقد التاريخي، وقدَّم لها بمقدمة مستفيضة في كتابه التاريخ عند المسلمين، ومنذ سنوات نشر مرجليوث محاضرات ألقاها في الهند عن المؤرخين المسلمين وهي كبيرة النفع، وإن كان قد قيَّد نفسه بالاعتماد على ياقوت وحده.

وأسلوب المؤرخ هو طريقةُ نظمه الكلام، ويعيِّن الأسلوب الموضوعَ الذي يكتب فيه. كان أسلوب الرواة الأُول أسلوبَ «الخبر»، و«الخبر» قصة تَروِي شيئًا من أيام العرب أو المغازي أو أحداث الصدر الأول، وهو قطعة كاملة تُبرِزُ شخصياتِ الرجال وتستخدم الحوارَ وتَجمع بين النظم والنثر وتحرص على إثارة انتباه السامع باستخدام أدوات الصناعة الكلامية وتعمل على الاحتياط بهذا الانتباه. وعندنا دُوِّنَت هذه الأخبار منفصلة فتجد كتابًا عن واقعة الجمل أو صفين أو ما إلى ذلك، ثم جُمعت هذه المتفرقات في روايات متصلة، وغلب على الجامعين ترتيبها زمنيًّا في حوليات أو في دول أو في طبقات ملوك وما إلى ذلك.

وقد واجه المؤرخون الأوائل صعوباتٍ فنيةً، تَصَرَّفوا في إيجاد حلول لها تصرُّفًا بارعًا لبقًا، وإن كان تصرُّفهم أكثرَ إرضاءً للذوق الفنيِّ منه للأمانة التاريخية. مثلًا، في الأخبار الطوال لأبي حنيفة الدينوري كلام ممتع عما كان بين معاوية وعمرو في جلسات لا بد من أنها كانت سرية، ولكن المؤرِّخ لم يقل لنا كيف بلغه الكلام. وأبو حنيفة هذا من رجال القرن الثالث، انتقل في تاريخه من فارس قبل الإسلام إلى فارس بعد الإسلام دون كلمة عن ظهور الإسلام. والذي يُستغرب من شأنه أن أبا حيان التوحيديَّ يجعله أحدَ ثلاثة لا يُشَقُّ لهم غبار: هو والجاحظ وأبو زيد البلخي.

وحقيقة الأمر أن الكثير مما وصفه المؤرِّخون الأوائل على ألسنة الأشخاص، أو نسبوه إليهم من رسائل يقوم على أساس من الواقع، أو من الممكن أو من المحتمل، ولكن لا سبيل إلى نفي ما أدخلته عليه وفيه صناعة المؤرخين، ومنهم من لم يستحِ بأن يضعَ على لسان ملك من ملوك الأعاجم — وفي ساعة الموت — شعرًا عربيًّا متقنًا عن وجوب الحذر من الناس … وقد روى كلٌّ من الجاحظ والمبرِّد والطبري والبلاذري الخطبة المشهورة التي ألقاها عند دخوله الكوفة. والجاحظ والمبرد يهتمَّان باللغة، والطبري والبلاذري بالتاريخ، وبين الروايات الأربع اتفاق في الجوهر واختلاف في ترتيب الجمل، وإضافات في البعض ومحذوفات من بعض. ورسالة عمر لأبي موسى الأشعري عندما ولَّاه القضاء يشكُّون الآن في صدورها عنه.

ونترك «ابن فن» من نوع أبي حنيفة الدينوري لصاحب جدٍّ وجد صارم، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري. أعد نفسه تمامًا لما اضطلع به، رحل في طلب العلم، قال: لما وردت مصر، ونزلت على الربيع بن سليمان، فأمر من يأخذني دارًا قريبة منه، وجاءني أصحابه، فقالوا: تحتاج إلى قصرية وزير وحمارين وسدة، فقلت: أما القصرية فأنا لا ولد لي … وأما الزير فمن الملاهي، وليس هذا من شأني، وأما الحماران فإن أبي وَهَبَ لي بضاعة وأنا أستعين بها في طلب العلم، فإن صرفتها في ثمن حمارين فبأيِّ شيء أطلب العلم؟ قال: فتبسموا، ثم جاءوني بإجانة وحب للماء وأربع خشبات قد شدوا وسطها بشريط، وقالوا: الزير للماء، والقصرية للخبز، والحماران والسدة تنامُ عليها من البراغيث. مثل من الاختلاف بين بغداد والفسطاط على ألفاظ الحضارة — كما نقول — أو أسماء لوازم كل يوم إن فضَّلنا التبسيط.

وعاد الطبري لبغداد وقال لأصحابه: أتنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا: كم يكون قدره؟ قال: ثلاثون ألف ورقة، فقالوا: هذا مما يُفْنِي الأعمارَ قبل تمامه، فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة، ثم قال: تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا؟ قالوا: كم قدره؟ فذكر نحوًا مما ذكره في التفسير، فأجابوه بمثل ذلك، فقال: إنا لله، ماتت الهِمَم؛ فاختصره في نحو مما اختصر التفسير. ونصَّ في مقدمة التاريخ على أنه أدَّى كلَّ ما ورد في الكتاب على نحو ما أُدِّيَ إليه، فلا استخراج بعقل، ولا استنباط بفكر، والتفسير والتاريخ شيء واحد.

وبينما الطبري في جده يحاول شاعران نظم أحداث التاريخ شعرًا، نُسب شيء من هذا لعلي بن الجهم، وقد أثبت خليل بك مردم في طبعته الجميلة لديوان الشاعر ما عثر عليه منها.

وقال يذكر قصة خلق آدم:

يَا سَائِلِي عَنِ ابْتِدَاءِ الْخَلْقِ

مَسْأَلَةَ الْقَاصِدِ قَصْدَ الْحَقِّ

أَخْبَرَنِي قَوْمٌ مِنَ الثِّقَاتِ

أُولُو عُلُومٍ وَأُولُو هَيْئَاتِ

تَفَرَّعُوْا فِي طَلَبِ الآثَارِ

وَعَرَفُوْا مَوَارِدَ الأَخْبَارِ

وَدَرَسُوا التَّوْرَاةَ والإِنْجِيْلَا

وأَحْكَمُوا التَّأْوِيلَ والتَّنْزِيلَا

أَنَّ الَّذِيْ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ

وَمَنْ لَهُ الْقُدْرَةُ وَالْبَقَاءُ

أَنْشَأَ خَلْقَ آدَمٍ إِنْشَاءَ

وَقَدَّ مِنْهُ زَوْجَهُ حَوَّاءَ

مُبْتَدِئًا وَذَاِكَ يَوْمَ الجُمُعَةْ

حَتَّى إِذَا أَكْمَلَ فِيهِ الصَّنْعَةْ

أَسْكَنَهُ وَزَوْجَهُ الجِنَانَا

فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِمَا مَا كَانَا

غَرَّهُمَا الشَّيْطَانُ فَاغْتَرَّا بِهِ

كَمَا أَبَانَ اللهُ فِي كِتَابِهِ

غَرَّهُمَا الشَّيْطَانُ فِيمَا صَنَعَا

فَأُهْبِطَا مِنْهَا إِلَى الأَرْضِ مَعَا

فَوَقَعَ الشَّيْخُ أَبُونَا آدَمُ

بِجَبَلٍ (بِالْهِنْدِ) يُدْعَى وَاسِمُ

لَبِئْسَ مَا اعْتَاضَ مِنَ الجِنَانِ

والضَّعْفُ مِنْ جِبِلَّةِ الإِنْسَانِ

فَشَقِيَا وَوَرَّثَا الشَّقَاءَ

نَسْلَهُمَا وَالْكَدَّ وَالْعَنَاءَ

وَلَمْ يَزَلْ مُسْتَغْفِرًا مِنْ ذَنْبِهِ

حَتَّى تَلَقَّى كَلِمَاتِ رَبِّهِ

فَأَمِنَ السَّخْطَةَ والْعَذَابَا

واللهُ تَوَّابٌ عَلَى مَنْ تَابَا

ثُمَّ (تَسَلَّى) وَأَحَبَّ النَّسْلَا

فَحَمَلَتْ مِنْهُ حَوَّاءُ حَمْلَا

وَوَلَدَتِ ابْنًا فَسُمِّي قَايِنَا

وَعَايَنَا مِنْ أَمْرِهِ مَا عَايَنَا

فَشَبَّ هَابِيْلُ وَشَبَّ قَايِنُ

وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا تَبَايُنُ

ومن ذلك أيضًا مزدوجة عبد الله بن المعتز في مآثر الخليفة المعتضد:

بِاِسمِ الإِلَهِ المَلِكِ الرَحمَنِ

ذِي العِزِّ وَالقُدْرَةِ وَالسُّلْطَانِ

الحَمدُ لله عَلى آلائِهِ

أَحمَدُهُ وَالحَمدُ مِن نَعمائِهِ

أَبدَعَ خَلقًا لَم يَكُن فَكَانَا

وَأَظهَرَ الحُجَّةَ وَالبَيانا

قامَ بِأَمرِ المُلكِ لَمَّا ضاعا

وَكانَ نَهبًا في الوَرى مُشاعا

مُذَلِّلًا لَيسَتْ لَهُ مَهابَهْ

يَخافُ إِن طَنَّتْ بِهِ ذُبابَهْ

وَكُلَّ يَومٍ مَلِكٌ مَقتولُ

أَو خائِفٌ مُرَوَّعٌ ذَليلُ

أَو خالِعٌ لِلعَقدِ كَيما يَغنى

وَذاكَ أَدنى لِلرَّدى وَأَدنى

وَكَم أَميرٍ كانَ رَأسَ جَيشِ

قَد نَغَّصُوا عَلَيهِ كُلَّ عَيشِ

وَكُلَّ يَومٍ شَغَبٌ وَغَصبُ

وَأَنفُسٌ مَقتولَةٌ وَحَربُ

وَكَم فَتًى قَد راحَ نَهبًا راكِبَا

إِمَّا جَليسَ مَلِكٍ أَو كاتِبَا

فَوَضَعوا في رَأسِهِ السِّياطا

وَجَعَلوا يُردونَهُ شَطاطا

وَكَم فَتاةٍ خَرَجَت مِن مَنزِلِ

فَغَصَبوها نَفسَها في المَحفِلِ

وَفَضَحوها عِندَ مَن يَعرِفُها

وَصَدَّقوا العَشيقَ كَي يَقرِفَها

وَحَصَلَ الزَوجُ لِضُعفِ حيلَتِهْ

عَلى نُواحِهِ وَنَتفِ لِحيَتِهْ

وَكُلَّ يَومٍ عَسكَرًا فَعَسكَرا

بِالكَرخ وَالدورِ مَواتًا أَحمَرا

وَيَطلبونَ كُلَّ يَومٍ رِزقَا

يَرَونَهُ دَينًا لَهُم وَحَقَّا

كَذاكَ حَتَّى أَفقَروا الخِلافَةْ

وَعَوَّدوها الرُّعبَ وَالمَخافَةْ

فَتِلكَ أَطلالٌ لَهُم قِفارا

تَرى الشَياطينَ بِها نَهارا

بِالتَلِّ وَالجَوسَقِ وَالقَطائِعِ

كَم ثَمَّ مِن دارٍ لَهُم بِلاقِعِ

كانَت تُزارُ زَمَنًا وَتُعمَرُ

وَيُتَّقى أَميرُها المُؤَمَّرُ

وَتَصهَلُ الخَيلُ عَلى أَبوابِها

وَيَكثُرُ الناسُ عَلى حُجَّابِها

وقام آخرون حتى أيامنا بمحاولات من هذا النوع (حافظ إبراهيم، عبد الحليم المصري، شوقي). ويمكن القول أن ذلك الأسلوب في كتابة التاريخ لم يلقَ نجاحًا، وأجمل منه ما جاء في قصائد أبي تمام والبحتري والمتنبي والبارودي من وصفٍ وإشادة بأعمال.

وقد وصف الدكتور طه حسين منظومات ابن المعتز واللاحقي ومن إليهما بأنها من نوع الشعر التعليمي الذي تتصل به ألفية ابن مالك ومثيلاتها.

هذا؛ وكان من آثار نهضة القرن الرابع اتجاه مسكويه نحو تصنيف كتابه تجارب الأمم، وفكرة الكتاب أعظم من تنفيذه. قال في مقدمة الكتاب ما ننقله مختصرًا: «إني لما تصفحتُ أخبار الأمم وسيَر الملوك، وقرأت أخبار البلدان وكُتبَ التواريخ، وجدت فيها ما تستفاد منه تجربة في أمور لا يزال يتكرَّر مثلها، ويُنتظر حدوث شبهها وشكلها، كذكر مبادئ الدول، وذكر دخول الخَلَل فيها بعد ذلك، وتلافي من تلافاه إلى أن عاد إلى أحسن حال، وإغفال من أغفله، فآل الأمر إلى الاضمحلال والزوال، وذكر ما يتصل بذلك من السياسات في عمارة البلدان، وجمع كلمة الرعية، وحيل الحروب، وذكر الأسباب التي تقدَّم بها قوم عند السلطان، والأحوال التي تأخَّر لها آخرون، وذكر لسياسات الوزراء وأصحاب الجيوش …

ولما كانت أمور الدنيا متشابهة، وأحوالها متناسبة، صار جميع ما يحفظه الإنسان من أحداث التاريخ كأنه تجارب له وكأنه قد عاش الزمان كله، فيعد لكل شيء عدته. وشتان بين من كان بهذه الصورة، وبين من كان غِرًّا غمرًا، لا يتبيَّن الأمر إلا بعد وقوعه، ولا يلاحظ إلا بعين الغريب عنه، يحيِّره كل خطب يستقبله ويُدْهِشه كلُّ أمر يتجدَّد له.»

وقال: «ووجدت هذا النمطَ من الأخبار مغمورًا بالأخبار التي تجري مجرى الأسمار والخرافات التي لا فائدة فيها غير استجلاب النوم بها … فلذلك جمعتُ هذا الكتاب، وسميته تجارب الأمم، وأكثر الناس انتفاعًا به أوفرهم قسطًا من الدنيا، كالوزراء، وأصحاب الجيوش، وسُوَّاس المدن، ومدبِّري أمرِ الخاصة والعامة، ثم سائر طبقات الناس. وأقل الناس حظًّا لا يخلو من أن ينتفع به في سياسة المنزل، وعِشرة الصديق، ومداخلة الغريب … وأنا مبتدئ بذكر الله ومِنَّتِه بما نُقل إلينا من الأخبار عن الطوفان لقلة الثقة بما كان منها قبله، ولأن ما نُقل أيضًا لا يُفِيد شيئًا مما عزمنا على ذكره وضمَّناه في صدر الكتاب. ولهذا السبب بعينه، لم نتعرَّض لذكر معجزات الأنبياء صلوات الله عليهم، وما تمَّ لهم من السياسات بها؛ لأنَّ أهلَ زماننا لا يستفيدون منها تجربة فيما يستقبلونه من أمورهم، اللهم إلا ما كان منها تدبيرًا بشريًّا لا يقترنُ بالإعجاز.»

وبعد، فهل استطاع مسكويه أن يَفِيَ بما تعهَّد به؟ أعتقد أنه وُفِّقَ توفيقًا كبيرًا حينما أخذ يقترب من عصره، فاستفاد استفادةً حقيقية من تجاربه ومن كلامه على شئون الحكم، فعرض تاريخَ ذلك القسم من العصر العباسي عرضًا يعيننا نحن قطعًا على فهمه. أما عن مقدار استفادة الناس إذ ذاك من تلك التجارب فشيء لا نستطيع أن نُبْدِيَ فيه رأيًا. وحديثًا صنَّف أحدُ النقَّاد العسكريين الإنجليز رسالة موضوعها: «لِمَ لا نستفيد من دروس التاريخ؟»

ولنرجع إلى ما اقتبسه منذ قليل السخاوي: «لكي يحصل الاعتبارُ لا بد من معتبر.» هذا وأسلوب مسكويه — أو كما حددنا، طريقته في نظم الكلام — تَفِي بقصده، يرتِّب الأحداث ترتيبًا زمنيًّا، ولكنه يقف بعد تسجيل الحادثة يشرح أسبابها ونتائجها. وتتخلَّل هذا صور قليلة الزخرفة، ولكنها واضحة مع اختلاف الألوان، فلا تخلو من روعة الحقيقة المجردة، أذكر منها نهاية الحلاج، وهي من تلك النهايات التي يكون فيها الرثاء للإنسانية جمعاء.

وعلى ذكر مسكويه، لا أظنُّ أن تاريخه يوجَد كله مطبوعًا، وما نشرته مؤسسة جب منه مصور تصويرًا شمسيًّا، وتجارب الأمم جديرة بعناية القائمين بنشر التراث القديم.

ومن مسكويه والمسعوديِّ والدينوري والطبري ننتقل لمؤرخين من طراز آخر، للمقريزي وللجبرتي: الأربعة الأول نطاق التاريخ عندهم يتَّسِع ليحيط بالشعوب عمومًا، وبشعوب دار الإسلام خصوصًا. أما المقريزي والجبرتي فيؤرِّخان لوطن بارز الشخصية لديهم، ويؤرخان في الأغلب لما يتصل بحاضره، ففي المقام الأول في نظرهما: ما يخص وطنًا بالذات، وما يخص حاضرَ هذا الوطن، ومن حيث الأسلوب — نظم الكلام — يملكان فيه قدرًا كبيرًا من الأصالة. ولننظر أولًا للخطط والآثار، قال المقريزي: «ولما كانت مصر مسقطَ رأسي، وملعبَ أترابي، ومجمعَ ناسي، ومَغْنَى عشيرتي، وموطن خاصتي وعامتي، فإني ما زلت مُذ أتاني ربي الفطان والفهم أرغب في معرفة أخبارها.» هذا عن الباعث، أما عن الأسلوب: «لما فحصت عن أخبار مصر، وجدتها مختلطة متفرقة، فلم يتهيأ لي إذ جمعتها أن أجعل وضعها مرتَّبًا على السنين لعدم ضبط وقت كل حادثة، لا سيما في الأعصر الخالية، ولا أن أضعها على أسماء الناس … فلهذا فرَّقتها في ذكر الخطط والآثار، فاحتوى كل فصل منها على ما يلائمه ويشاكله، وصار بهذا الاعتبار قد جمع ما تفرَّق وتبدد من أخبار مصر، ولم أتحاشَ من تكرار الخبر إذا احتجت إليه.» هذا هو أسلوب الخطط. ومما يُؤْثر عن الكتاب أن المقريزيَّ خصص خطبته لشرح ما سماه «الرءوس الثمانية»؛ وهي الغرض والعنوان والمنفعة والمرتبة، وواضع الكتاب ومن أي علم هو، وكم فيه من أجزاء، وأي أنحاء التعليم المستعملة فيه. فأما «المرتبة» فجاء كلامه عنها لا يفيد شيئًا، قال: «إن التاريخ من جملة أحد قسمي العلم اللذين هما العقلي والنقلي.» وربما يرجع فساد العبارة للإخراج الحقير الذي نُكب به هذا الكتاب الجليل. وقال عن أنحاء التعليم: «سلكتُ فيه ثلاثةَ أنحاء: النقل عن الكُتب، والرواية عمن أدركت، والمشاهدة لما عاينته ورأيته.»

والجبرتي مؤرِّخ اجتماعي يُعْنَى — كما عني المقريزي — بمقوِّمات الحياة الاجتماعية، وإن غلب عليه التشاؤم والمرارة كما لم يغلبا على المقريزي. يحلم بعصر ذهبي مضى، ويغفل عما قاله هو عن ذلك العصر الذي مضى. ونظر المقريزي يمتدُّ في مدى زمني يقاس بالقرون، ونظر الجبرتي في مدًى لا يبلغ قرنًا واحدًا. وتتمثل نظرة المقريزي في الصفحات الأولى من رسالة «إغاثة الأمة بكشف الغمة»: «وبعدُ؛ فإنه لما طال أمد هذا البلاء المبين … ظن كثير من الناس أن هذه المحنة لم يكن فيما مضى مثلها، ولا مَرَّ في زمن شبهها، وتجاوزوا المحنة فقالوا لا يمكن زوالها …» وقال: «إنه لم تزل الأمور السالفة كلما كانت أصعبَ على من شاهدها، كانت أظرفَ عند من سمعها. وكذلك لا تزال الحالة المستقبلة تُتصور في الوهم خيرًا من الحالة الحاضرة تزين في الوهم الحالة المستقبلة، فلذلك لا يزال الحاضر أبدًا منقوصًا حقه، مجحودًا قدره؛ لأن القليل من شرِّه يُرى كثيرًا، إذ القليل من المشاهدة أرسخ من الكثير من الخبر، وإذ مقاساة اليسير من الشدة أشقُّ على النفس من تذكُّر الكثير مما سلف منها …» لم يسمع الجبرتي تلك القاعدة الكلية التي قررها المقريزي.

على أن الجبرتي في حدوده مؤرِّخ ممتاز، ويمتاز أسلوبه بأنه لا يجري على نمط واحد من التعبير، يسجِّل الأحداث بالتعبير الذي استُخدم في نقلها له؛ أي بالعامية المتداولة، وقد يُدخِل في التسجيل عبارات تركية أو فرنسية (في عهد الاحتلال الفرنسي) إنْ تناول التسجيل حوارًا، ويسجِّل الوثائقَ بنصها، فلا يُصلح شيئًا من فسادها، ولكنه في التمهيد لأحداث السنة، أو في التعليق عليها عند انتهائها، يكتب كتابة جيدة، وإذا كانت الأحداث التي يمهد لها خارجة عن المألوف (كقدوم الجيش الفرنسي) فإنه يعمد إلى إثارة انتباه القارئ باستعمال أدوات الصناعة الكلامية المعروفة. ويختم السنة بسِيَر من توفي خلالها من الأعيان. ومن السِّيَر ما أجاد فيه حقًّا؛ من ذلك ترجمته لشيخه مرتضى الزبيدي. وطريقته ألا يقدم للقارئ صورة كاملة، ولكنه يضع «جزئية» هنا و«جزئية» هناك وكلمة هنا أو هناك، أو جملة أو حكاية أو وصفًا، فلا يلبث القارئ إلا وقد اكتملت لديه صورة للشخص واكتملت لديه على النحو الذي أراد الجبرتي.

وبعد — سادتي — فهذا عرض سريع لموضوع عنوانه أكبر من إخراجه، وقد قصدتُ إلى أن أثبت وجوب اتساع النقد الأدبي العربي لدراسة أساليب المؤرخين اتساعَ النقد اليوناني لدراسة أساليب المؤرخين اليونان. وقد اطلعت أثناء تحضير هذه الكلمة على الرسالة المنسوبة لبلوتارك وموضوعُها اتِّهَامه هيرودوت بخبث الطوية، كما اطلعتُ على رسائل المؤرخ دنيس أو ديونيسيوس في نقد ثيوكيديدس من حيث الأسلوب، هذا عن النقد القديم. والنقد الأوروبي يُعْنَى عنايةً كبيرة بالمؤرخين من أمثال جيبون وماكولي وميشليه وغيرهم.

وتاريخ اللغة يفيد كثيرًا من استخدام كُتب المؤرخين؛ وذلك لأنهم — على عكس الشعراء وأصحاب المعاجم — يستخدمون الألفاظ الحية المتداولة ولا يلتزمون بضرورات الأوزان والقافية.

وقد قصدت أخيرًا إلى أن أبيِّنَ أن المؤرخين العرب واجهوا أكثرَ المشكلات الفنية التي تواجه المؤرخين في كل مكان، وأن النزعة التي غلبت على مختلف كتاباتهم — وهي أن يقدموا لقرائهم الحقائق والأمثلة النافعة والمتنوعة — نزعة تستحقُّ — على بساطتها — التقدير، كما يستحق تقديرنا أيضًا أنهم كانوا يصنِّفون عادةً للجمهور؛ فكان التاريخ العربي بذلك أهمَّ أدوات نشر الثقافة العربية بين مختلف شعوب دار الإسلام، فكان التاريخ أقوى وسائل التعريب والاستعراب.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.