لا أكاد أذكر الظروف التي ألجأت السندباد البحري إلى تلك الجزيرة النائية في بحر الهند، ولا أكاد أدري أكان حب التجارة والكسب والاستزادة من المال هو الذي جشم ذلك الهول، أم كان حب السياحة والاستطلاع والتنقل في أقطار البر والبحر هو الذي عرَّضه لهذا الخطب.

ولكن أراه وحيدًا في هذه الجزيرة لا يعرف كيف يُقِيم أَوَدَهُ ولا يدري كيف يحمي نفسه من الطوارق والحادثات، وهو يهيم أمامه يملك قلبه الحزن، ولا تخبو في نفسه نار الأمل، ويسيطر عليه الخوف ولكنه يجد شعورًا بشيء من الأمن، ويكاد يهلكه الجزع ولكنه على ذلك ينظر في الأرض والسماء ويريد أن يعرف ما حوله من الأشياء والأحياء، وهو ماضٍ أمامه يسلم نفسه إلى اليأس حينًا وإلى الأمل حينًا آخر. وقد أخذ شيء من الدعة وهدوء البال يثوب إليه؛ لأنه رأى أشجارًا وثمارًا وأزهارًا وأنهارًا، فحدَّث نفسه بجنة يستطيع أن يقيم فيها ما شاء الله له أن يقيم حتى تنكشف له الأيام عن فرج من حرج، وعن مخرج من ضيق، وحتى تُرفَع له في الأفق سفينة يراها من بعيد، ثم يراها من قريب، ثم ينفض عمامته ويُلوِّح بها في الهواء ويبعث صوته في الجو إلى أقصاه داعيًا مستغيثًا، فتقبل السفينة لتستنقذه من هذه الوحدة وترده آمنًا أو خائفًا إلى البصرة ثم إلى بغداد.

وإنه ليسعى بين أشجاره وأزهاره وأثماره وأنهاره خائفًا يترقب، وإذا هو يرى شيخًا فانيًا، قد لبس الضر وألحَّتْ عليه السن بألوان البؤس والضعف والإخلال. وقد جلس هذا الشيخ على شاطئ نهر من الأنهار، أو قُلْ على شاطئ جدول من هذه الجداول، لا يستطيع أن يتحرك ولا أن ينتقل. رآه السندباد فرحمه ثم أطال النظر إليه فرقَّ له، وهمَّ أن يدنو منه ليواسيه، ولكنه وحيد لا يقدر على شيء، أثر لا يفكر إلَّا في نفسه، مشغول بوحدته، مغرق في هذا الانقطاع الذي اضطر إليه، فهو حر في أن يمضي لشأنه وأن يفرغ لهمه وأن يدع الشيخ لما هو فيه من شقاء وفناء، ومن ضعف وعجز، ومن تهالك وانحلال.

ولكن الشيخ يشير إليه متهالكًا، ويلح عليه في الإشارة، ويدعوه بصوت حزين وكلام لا يبين. وإذا الرحمة قد استأثرت بقلب السندباد من دون الأثرة، وإذا هو يدنو من الشيخ البائس اليائس، رفيقًا به شفيقًا عليه، يسأله عن أمره، ولكن الشيخ لا يفهم عنه كما أنه هو لا يفهم عن الشيخ، وإذا الإشارة تقوم بينهما مقام العبارة، وإذا الشيخ يشير إلى السندباد أن احملني على كتفيك هاتين واعبر بي هذا الجدول الذي لا أطيق له عبورًا.

وقد شكَّ السندباد غير طويل، ثم أَقْبَلَ على الشيخ ولَيْتَهُ لم يُقْبِلْ، واحتمله على كتفيه ولَيْتَهُ لم يحتمله، وعَبَرَ به الجدول ولَيْتَهُ لم يفعل، وهَمَّ أن يَرُدَّهُ إلى الأرض ولكن هيهات! ليس إلى ذلك من سبيل. فقد أدار الشيخ ساقَيْهِ حول عنق السندباد وتمكَّن من مجلسه واستقر على كتفيه وأبى أن يتحوَّل عنهما … وكلما حاول السندباد أن ينزله ضغط بساقيه على عنقه حتى كاد أن يخنقه، ثم ضرب برجله هذه أو تلك في جنبه هذا أو ذاك يدفعه إلى أن يمشي ويمضي أمامه، ويمنعه من أن يقف أو يستريح. وقد أصبح السندباد حطبة لهذا الشيخ، وأصبحت إرادة السندباد في يد هذا الشيخ يصنع بها ما يشاء ويصرفها كما يحب.

فالسندباد يسعى حين يُؤمَر بالسعي ويقف حين يُطلَب إليه الوقوف، والأمر يصدر إليه بالسعي مرة وبالوقوف مرة، فلا يستطيع أن يرده أو يخالف عنه. والأمر لا يصدر إليه صوتًا مسموعًا أو كلامًا مفهومًا، وإنما يصدر إليه ضغطًا بالساقين على العنق أو ركلًا بالرجلين على الصدر والجنبين.

والسندباد يقتطف لنفسه وللشيخ من أثمار هذه الأشجار ما يغذوهما، فإذا أراد أن يجلس ليستريح لم يأذن له الشيخ في ذلك إلَّا أن يكون له في جلوسه أرب، فإذا جاء الليل وأراد السندباد أن يغفي إغفاءة طويلة أو قصيرة لم يأذن له الشيخ في ذلك إلَّا أن يكون له فيه أرب.

ثم هو إن أذن له في النوم لم يفارق كتفيه، ولم يُفرِّج بين ساقيه، وإنما يديرهما حول عنقه إدارة مُحْكَمة حتى إذا طال نوم السندباد ضغط على عنقه أو ضرب في صدره أو ركل جنبيه أحدهما أو كليهما.

وقد يحتاج الشيخ إلى شيءٍ من رقص، وقد يحتاج الشيخ إلى شيءٍ من غناء، وليس عليه من ذلك بأس فإنما هي ركلة على الجنب ووكزة في الصدر أو ضغطة على العنق، وإذا السندباد يرقص فيمعن في الرقص، أو يُغنِّي فيجوِّد في الغناء!

وقد أَلِفَ السندباد حياته هذه، واطمأنَّ إليها، ووطَّن نفسه على أن ينفق فيها ما بقي له من أيام إلَّا أن تنشق له الخطوب عن وميض من أمل فينجو، وقد كان يائسًا من النجاة.

وفي ذات يوم أحسَّ السندباد شوقًا إلى خمر بغداد، فجنى عناقيد من عنب واعتصرها في إناء لست أذكر كيف وجده وكيف اتخذه، فقد طال عهدي بأسفار السندباد كما طال عهدك بها أيضًا، ولكنه اعتصر العنب على كل حال وادخره في مكان أمين، وجعل يطوف بالشيخ في أنحاء الجزيرة يقف ليمضي ويمضي ليقف، ومضى على ذلك يوم ويوم وأيام. ثم عاد إلى إنائه ذاك فإذا الخمر فيه ترغي وتزبد، وإذا هو يقبل عليها فيشرب منها حتى ينقع غلته، وما هي إلَّا لحظات حتى تتمشى في مفاصله كتمشِّي البرء في السقم في قول أبي نواس، وإذا هو يُحْدِث ألوانًا من الرقص لم يألفها الشيخ، ويأتي فنونًا من الغناء تقع في نفس الشيخ موقعًا حميدًا، والشيخ يستزيد مطيته من الرقص ويستزيد مطيته من الغناء، والسندباد يمضي في ذلك نشيطًا له حفيًّا به، وكلما آنس من نفسه فتورًا أو قصورًا عمد إلى إنائه ذلك فحسا منه شيئًا يرد إليه المرح والنشاط.

قد أراد الشيخ أن يجرب هذا الشراب، وفهم عنه السندباد ذلك، ولو كان أمره إليه لضن عليه بالشراب ولكنها ركلة في الجنب أو وكزة في الصدر أو ضغطة على العنق. وإذا السندباد يُرْجِع الإناء إلى الشيخ، فيشرب منه ويشرب حتى يرتوي، وإذا السُّكْر قد دبَّ في مفاصله دبيب النمل في الكثيب، وجرى في أعطافه جريان الماء في الغصن الرطيب. وقد طرب الراكب والمركوب فلا تَسَلْ عن الرقص ولا تَسَلْ عن الغناء، ولكن الخطوب قد انشقت للسندباد عن وميض من أمل، فجعل يشرب قليلًا ويسقي الشيخ حتى استرخت المفاصل، وانحلَّت القوة، وتراخى الضغط على العنق، ولم تستمسك القدمان حول الجنبين.

وقد ذهب ما كان في رأس الشيخ من عقل ضئيل، وأفلت من يده عنان السندباد، ومشى في جسم الشيخ وعقله نوم خفيف جعل يثقل شيئًا فشيئًا، حتى إذا استحكم للسندباد أمره جلس في رفق وألقى عن نفسه عبأه الثقيل البغيض في لباقة، ثم نهض وقد أحكم أمره، فنظر إلى الشيخ النائم نظرة عنيفة فيها بغض تملأه القسوة، ثم عمد إلى صخرة ضخمة فاحتملها بين ذراعيه في كثير من الجهد، ثم رمى بها على رأس الشيخ؛ فشدخه وأسلم نفسه للرب لا يلوي على شيء، حتى إذا بلغ مأمنه أقام ينتظر السفينة التي ستُرفَع له ذات يوم والتي سيدعوها بصوته وعمامته لتحمله إلى البصرة ثم إلى بغداد.

لست أدري أيذكر السعديون هذه القصة أم لا يذكرونها، فكثيرٌ منهم قرأها من غير شك أيام الصبا، وكلنا يقرأ ألف وليلة أيام الصبا وينساه في طور الكهولة والشباب. ولكن قصة السندباد هذه هي المثل الصادق لسيرة الحزب السعدي مع حزب آخر يشاركه في البرلمان ويشاركه في الحكم، كما كان شيخ البحر يشارك السندباد في جزيرته تلك، وفيما كان فيها من أشجار، وأزهار، وأثمار، وأنهار.

وقد كان الحزب السعدي مطوفًا في بعض آفاقه، يلتمس الانتخاب ويلتمس النيابة ويلتمس الحكم. وانتهى به التطواف إلى تلك الجزيرة في يوم من أيام العام الماضي، ونظر فإذا هو وحيد، فمضى في الجزيرة يطوف فيها كما كان يطوف في البحر، في نفسه كثير من خوف ألَّا يبلغ الحكم ولا يقدر عليه، وفي نفسه كثير من جزع إن فاته الحكم بعد طول السعي وثقل الجهد، وفي نفسه شيء من أمل أن تُرفَع له السفينة في بعض الآفاق، وإنه ليسعى بين الأشجار والأنهار وإذا حزب ضئيل نحيل لولا صوته لما رآه أحد — كما يقول المتنبي — قد جلس على شاطئ الجدول متهالكًا، قد لبس الضر والتحف والبؤس، وغمره الشقاء، وقد رقَّ له الحزب السعدي فأقبل عليه حتى احتمله على كتفيه وعبر به الجدول خفيفًا نشيطًا، ثم لم يُتَح له أن يتخلص منه إلى الآن، فقد أدار ساقيه حول العنق، وأعد قدميه لوكز الصدر وركل الجنبين.

وسندبادنا العصري ماضٍ أمامه وعلى كتفيه حمله الثقيل، يقف ليسعى ويسعى ليقف، ويتكلف من الرقص ألوانًا ومن الغناء فنونًا، والشيخ مستقر في مكانه على هاتين الكتفين الوثيرتين، لا يريد عنهما تحولًا ولا نزولًا، وسندبادنا العصري ضيق بحمله وضيق بحياته وضيق بكل شيء، ولكنه لا يستطيع أن يخلص من شيخ البحر؛ فالساقان ملتفتان حول العنق التفافًا محكمًا، والقدمان مستعدتان استعدادًا حسنًا للركل والوكز، والدنيا تُظْلِم مرة حتى كأن الليل الفاحم قد غمرها، وتشرق مرة أخرى حتى كأن الشمس قد صبَّت عليها كل ما فيها من ضياء، ولكن السندباد مثقل بعبئه لا يعرف كيف يتخفف منه ولا يجد لنفسه من ضغطه وركله ووخذه نجاة.

وليس بين السندباد العصري والسندباد البحري فرق إلَّا من ناحيتين اثنتين؛ الأولى: أن السندباد البحري كان خاليًا إلى شيخ البحر، شقيًّا بحمله وحيدًا فريدًا، لا يضحك منه ولا يرثي له إلَّا أشجار الجزيرة وأثمارها وأزهارها وأنهارها، أمَّا السندباد العصري فمن حوله ملايين من المصريين وملايين من الشرقيين ينظرون إليه ويشفقون عليه، وقد يضحكون منه ضحكًا مرًّا. الثانية: أن السندباد البحري كان صاحب مجون وطرب، وصاحب حيلة واسعة وافتنان في الخروج من المآزق، فاشتاقت نفسه إلى خمر بغداد، وعرف كيف يعتِّقها وكيف يستعين بها أول الأمر على احتمال المكروه، وكيف يخلص بها بعد ذلك من هذا المكروه، وكيف يلقي الشيخ عن كتفيه ويعود إلى بغداد سالمًا موفورًا.

أمَّا السندباد العصري فمتحرج متزمت، لا يحب خمر القاهرة ولا خمر بغداد، وإنما يحب شراب الخروب والعرق سوس، ثم هو ليس واسع الحيلة ولا ماهرًا في تذليل العقاب وقهر الصعاب والنفوذ من المشكلات.

وإذن؛ فسيبقى الشيخ على كتفيه وسيشبع عنقه ضغطًا وصدره وكزًا وجنبيه ركلًا حتى يفتح الله له بابًا من أبواب الفرج، ويخف غيره من هؤلاء الذين يرمقونه مشفقين حينًا وساخرين حينًا آخر، فينقذه من هذا المكروه ويضع على كتفيه هذا الحمل الثقيل، ويرد إليه حريته في أن يذهب إلى ساحل البحر ينتظر السفينة التي ترتفع في الأفق والتي يدنيها بصوته وعمامته لتحمله إلى البصرة، ثم إلى بغداد.

أيتم إنقاذه اليوم؟! أيتم إنقاذه غدًا؟! أيطول قضاء الله عليه بهذا العذاب أم يقصر؟! علم هذا عند الله وعند الراسخين في العلم، وهم كما تعلمون قليلون.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.