كانت الصور الشمسية — مرة أخرى — حجة لأنصار الفن المجرد، أو الفن الذي يزعم أصحابه أنهم ينقلون للعيان ما وراء المرئيات والمفهومات، ويرسمون الوجه الآدمي رسمًا لا يعرفه صاحب الوجه ولا يعرفه الناظرون إليه، ولا ينبغي أن يعرفه المصور نفسه إذا صحَّت دعواه … ودعواه أنه ينقل الوهم من وعيه الباطن، ولا يعود إلى معرفته مرة أخرى؛ لأن الوهم لا يستعاد، وليست الأوهام ولا الأحلام مما يعود إلينا بالاستدعاء …!

وكان المحتج بالصورة الشمسية أستاذًا فاضلًا يروي الحجة على عهدة أصحابها، ولا يؤيدها أو ينفيها في انتظار تمحيص الزمن، واستقرار الثقات على كلام مفهوم.

يقول الأستاذ الفاضل: ما فائدة النقل عن الطبيعة بعد اختراع الصورة الشمسية التي تبلغ من إتقان النقل ما لا تبلغه ريشة فنان؟

سؤال يرويه الأستاذ الفاضل عن لسان «فلاسفة» الفن التجريدي، ويكفي وحده لتصوير هؤلاء الفلاسفة تصويرًا تعجز عنه الصور الشمسية وريشات الفنانين.

إن نقل الصور كما تنقلها الآلة (الفوتوغرافية) لم يكن قط مهمة المصور أو المثال؛ لأننا لم نر صورتين على هيئة واحدة من عمل الفنان الواحد، فضلًا عن الفنانين المتعددين.

ومهما يكن من التشابه بين أعمال الآلات وأعمال الفنانين؛ فإن هذا التشابه لا يقضي علينا بتشويه المنظر الطبيعي ولو اتفقت الصورة الشمسية والصورة اليدوية في نقله، وهو لا يقضي علينا بإلغاء الحس الظاهر رجوعًا إلى الحس الباطن، واختلاقًا للأوهام والأحلام، بأحاديث كأنها من أحاديث المنام.

وقد اخترعت الآلة الحاسبة، ولم يقل أحد: إن اختراعها يوجب علينا أن نلغي قواعد الجمع والضرب؛ ترفعًا منا عن مشابهة الآلات.

واخترعت الآلة الكاتبة، ومن قبلها الآلة الطابعة، ولم نقل: إن اختراعها يفرض علينا أن نلغي الحروف ونرجع إلى رموز يكتبها كل رامز على هواه.

واخترعت أجهزة الجرامفون والإذاعة، ولم تبطل الأصوات والأنغام، ولم نرجع بها إلى طمطمانية الوعي الباطن قبل مليون عام.

والذي حدث أمامنا، أن الصور الشمسية خرجت من جمود الآلات، واصطبغت بصبغة المصور الحي في نقل المناظر والوجوه؛ ففي وسع الفنان الملهم أن يفرغ شعوره وعاطفته وفكره على المنظر الذي يصوره، ويعيد تصويره كل مرة على وضع جديد، وهو يختار له من الموقع والوقت وزاوية النظر ومركز الاهتمام ما يعبر به عن حالات نفسية يريدها، ولا تريدها له آلات التصوير، وقد أصبحت شخصية المصور الشمسي ظاهرة للناقد الفني من المقارنة بين طريقته وغيرها على ضوء هذه الفوارق النفسية، ومعها فوارق الأساليب التي يشترك فيها الوعي الباطن العزيز، والوعي الظاهر «الملعون» اشتراكًا مقصودًا أو غير مقصود!

وسوف يخترع المخترعون مئات من الآلات تؤدي أعمال الآدميين، وترسم ما يرسمه المهندسون الآن، ولا يكون اختراعها مسوغًا لقلب تصميمات البناء فوقًا إلى تحت، وأمامًا إلى وراء، وبيوتًا لا تدري أهي بيوت أم هي كهوف الخلائق الأولى قبل المرحوم آدم والمرحومة حواء.

وسنطالب المصور، أبدًا، بقواعد فنه كلما هرب من قواعد الرسم والتلوين والتشكيل … فإن قال: إنه «مُنجِّم» ومفسر أحلام، فمن الواجب «أولًا» أن يقول لنا: ما هي الصفة التي تجعله أقدر على التنجيم من غيره؟ وعليه دائمًا أن يعطينا مقياسًا مفهومًا نفرق به بين صورة المهرج الدجال وصورة المصور الصادق، وصورتي أنا التي «أشخبطها» متعمدًا لكي أتحدى بها الكذب والادعاء.

ومن الواجب أخيرًا أن يتقرر إلغاء المتاحف الفنية بما وسعت، وأن يفسر لنا المُنجِّم الحديث تلك المعجزة الهائلة التي ضللت الحس الإنساني وجعلت أساتذة التصوير والنحت قديمًا يزيغون كل ذلك الزيغ في رسم المناظر والوجوه.

وعلى الأستاذ الفاضل الذي أعاد علينا في أسوان حجة الفوتوغرافية أن يسأل أصحابه المجردين: هل تكفي حيثية الفوتوغرافية لإصدار الحكم على تماثيل أسوان والأقصر بالإعدام؟ ولماذا تبقى هي وتماثيل العالم القديم إذا كانت كلها — وكانت فنونها معها — غير صالحة للتعبير عن الطبيعة وعن الإنسان؟

سؤال ننتظر جوابه من المُنجِّمينَ الحديثين، ولكننا ننتظره بلغة الوعي الظاهر قبل أن يقضى عليه — هو أيضًا — أن يلحق بمتاحف الأمس وفنونها، وتخلفه لغة الوعي الباطن بشروطها اللازمة، وهي أن تقول الألسنة ما ليس تدركه الأفهام، وأن ننام في اليقظة، ونتيقظ في المنام.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.