لعل أمتع ما في الدراسة التاريخية ما يتصوَّره المؤرخ، أو يصوِّره لغيره من مشاهد التلاقي بين تاريخ الأمة الواحدة وتاريخ غيرها من الأمم؛ فإن صور تلاقي الأمم وما يكشف عنه من مواقف البطولة، وتقابل الثقافات واستعداد بعضها للامتزاج بما يخالفه، وعجز البعض الآخَر عن أن يختلط بما هو غريب عنه، هي أقرب ما في التاريخ إلى شعر الملاحم والأدب التمثيلي، بل هي قطعة منهما. فإن أجدر الخصومات بتخليد الذكر، ونَظم الشاعر، ودرس المؤرخ، ما وقع بين أمتين تمثِّل كلُّ واحدة منهما لونًا من ألوان الثقافة، وضربًا من ضروب التنظيم السياسي أو الاجتماعي أو الديني، وطريقة من طرائق الحياة.

دراسة هذه المواقف الكبرى — أو قُلْ هذه المآسي التاريخية — من أمتع ما في التاريخ، ولكنها أيضًا من أصعب ما فيه؛ فإنها إن قام بها ابن القوم دفعَتْه العصبيةُ لقومه إلى تجنُّب الحق، وإن اشتغل بها الغريب فاته ما يفوت الغريب من إدراك ما هو كامن في النفوس، والقريب والغريب بعدُ معرَّضان لآفات المؤرخ، إنهما — كما قال ماتيوبايس — إن شهدَا بالحق أثارَا عداوةَ الناس، وإن نطقَا بالباطل أغضبَا الله، وما بالك إن تولَّى المؤرِّخُ الحُكْمَ بين ابني العمومة فَرْعَيِ الدوحة العظيمة.

من الدوحة الآرية العظيمة نمَتْ إيران ويونان، أما إيران فقامت فيها الدولة الموحَّدة والمُلْك الضخم والعرش الفخم؛ شعارها النظام والطاعة والتفاني في سبيل صاحب التاج ولي الأمر، وهدفها بَسْط سلطانها على بقاع الأرض، وتأليف دولة عامة من شعوب مختلفة الألوان، دولة تضبط جبايتها وتربط أعمالها ربطًا محكمًا، ويسهر على حُسن إدارتها رجال الملك، يقضون بين الأهلين بالعدل، ويتركون لهم طقوسهم يمضون فيها على ما ألفوا. وأما يونان فقد شاءت لهم بيئتهم أن يخالفوا أبناء عمهم في كل شيء؛ فرفضوا أن يتصوروا اجتماعًا سياسيًّا أكبر من اجتماع المدينة، وقدَّسوا الحرية، بل واعتبروها حق كل يوناني، وكانت حياة المدينة في نظرهم هي وحدها التي تحقِّق الحياة الطيبة، وهي وحدها الخليقة باليونان، وما خالَفَها فهو حقيق بالمتبربرين.

وكان ما كان من الصراع بين الدولة الإيرانية والجمهوريات اليونانية في القرن الخامس قبل الميلاد، ذلك الصراع الذي تجاوبت به الأصداء جيلًا بعد جيل، وحفظه اليونان في شعرهم التمثيلي وتصنيفهم التاريخي، بل في قلوبهم، وكان صراعًا توهَّموا أنه مما قدَّرته الآلهة، وأدركوا هم وخصومهم كلَّ ما انطوى عليه فبذلوا جميعًا مما يحبون.

ثبت اليونان لأعدائهم وصدوا الإغارات الإيرانية، ودَوَّى في التاريخ الأوروبي ذكرُ ماراثون وسلاميس وغيرهما من أيام النضال، على أنها أيام انتصار الحرية الأوروبية على العبودية الشرقية. إلا أننا نعلم أن الحق لم يكن كله بجانب فريق واحد، كما أن الفضيلة لم يستحوذ عليها كلها طرف دون الآخَر، وكان من اليونان أنفسهم — هيرودوت وزينوفون مثلًا — مَن أنصفوا خصمهم وشهدوا له بقوة الخَلق والخُلق. وإنَّا نعلم أيضًا أن النصر اليوناني لم يبلغ المبلغ الذي كان الناس يتوهمونه، بل على العكس ظلَّ النفوذ الإيراني القوة الفعالة في علاقات الجمهوريات اليونانية بعضها بالبعض الآخَر. ونعلم فوق ذلك أن الفكرة الإيرانية السياسية هي التي انتصرت، وهي التي سادت، وإنْ كَلَّ ذلك الانتصار، وإنْ كانت تلك السيادة على يد المتغلب على إيران؛ الإسكندر الأكبر.

وقد بقي مفكِّرو اليونان في عصر الإسكندر نفسه على إصرارهم على رفض فكرة الدولة العامة، وعَبَّر أرسطوطاليس عن رأيهم فيها وأنها مما يأباه الطبع اليوناني، ولكن كان البحث السياسي شيئًا وحاجات الحكم والطموح شيئًا آخَر. ونهض الإسكندر — تلميذ أرسطوطاليس — لتحقيق الفكرة الإيرانية، ولكن كما تصوَّرَها، مُلقحة بالحضارة اليونانية.

تغلَّب الإسكندر على إيران ومحا اسمها من سجل الدول العظمى محوًا دام ما زاد على خمسمائة سنة، إلى أن نهض بها الأكاسرة من بني ساسان في القرن الثالث بعد الميلاد.

شيَّدَ الأكاسرة الساسانيون عظمةَ إيران تشييدًا جديدًا، وجعلوا من دولتهم في حُسن السياسة وضبط الأمور وحكمة العلماء ومهارة الصنَّاع، مثلًا يحتذيه رجال الحكم في الشرق والغرب. وليست نُظُم الإدارة الساسانية وحدها ما يلفت المؤرخ؛ إذ إنها لم تكن كلَّ ما خلفوه للدول المعاصرة لهم أو اللاحقة بهم، فقد غذَّى العقل الإيراني حياةَ العالم الدينية بآراء ومعتقدات لم يُقدَّر لها الانتشار، ولكنها فازت بمقدار لا يُستهان به من التأثير العميق في الديانات والفلسفة، وكان عصر كان فيه ملك كسرى ملجأ بقايا مدارس الفلسفة القديمة.

واجَهَ الساسانيون الرومانَ خلفاءَ الإسكندر والدول التي تفرَّعت عن دولته في حوض البحر المتوسط وغربي آسيا، وتلاقت الدولتان في العراق والجزيرة وتداولتا فيما بينهما النصر، آنًا تخفق البنود الإيرانية في سوريا والأناضول ومصر، وآنًا يمعن الرومان في العراق وفيما وراءه من أرض إيران.

وقد امتدت قصة النزاع والحرب بين الدولتين من القرن الرابع إلى القرن السابع، دون أن نستطيع أن نتبيَّن فيها معاني أعمق مما نألف من سعي الدول القوية نحو تحقيق منفعة أو درء مضرة؛ من نوع تأمين الحدود وبَسْط السلطان على الرُّحَّل، أو مما تقضي به حاجة سياسة الحكم الداخلية وما إلى ذلك.

وظلَّتِ الدولتان على ما كانَتَا عليه إلى أن دهمهما سيل الفتح الإسلامي، وحدث ما حدث من إقصاء الروم عن سوريا ومصر وإفريقية، ومن تقويض ملك الأكاسرة؛ وبدأت بذلك إيران الإسلامية.

ولإيران في بناء الحضارة الإسلامية الأثرُ الكبير؛ كان ذلك لأنها استطاعت أن تحتفظ في ظل الحرية الإسلامية الكبرى بعقلها وقلبها، فبقيت لها لغتها وآدابها وذكرياتها.

وفي داخل العالم الإسلامي الكبير شبَّ بجانب الإيرانيين وغيرهم من أصحاب الأرض الأصليين شعبٌ جديد؛ التُّرك، ولهم أيضًا في تاريخ الإسلام السياسي الأثر الكبير. وقد شَيَّد الإيرانيون المسلمون والتُّرك المسلمون دولًا طالَ عُمْر البعض منها وقصر عُمْر البعض الآخَر، وكانت جميعًا في سعيها نحو تحوير النظم الإسلامية طبقًا لمقتضيات زمانها ونحو الانتفاع من التراث الإسلامي في بيئات جديدة؛ أشبه ما تكون بتجارب تاريخية، في دراستها نفعٌ كبير.

وقد غَمَر تلك الدول الإيرانية والتركية سيلُ الإغارات التتارية فيما بين القرن الثالث عشر والقرن الخامس عشر، وعطلت نموها وعرقلت سيرها وعقَّدت تاريخها، ثم انجلت الغمرة في القرن السادس عشر عن نهوض إيران جديدة — إيران الصفويين — وعن قومة إحدى دول التُّرك — الدولة العثمانية — من كبوتها.

وشاء القدر أن يتخذ كلٌّ من إسماعيل الصفوي شاه إيران وسليم الأول سلطان العثمانيين، لسياسة دولته أساسًا مذهبيًّا دينيًّا، وكان من أثر الكفاح بين العاهلين في القرن السادس عشر وقوعُ الأمم العربية في حكم الترك العثمانيين، واصطباغ دولة هؤلاء بصبغة جديدة، كما أنه كان من أثره تحديدُ أرض إيران وتنظيم حياتها القومية تنظيمًا قويًّا.

ولم يمتد بالدولتين الزمنُ طويلًا حتى دهمهما التوغُّل الأوروبي الغربي متمثِّلًا في سياسة الفتح الحربي، وتوسيع نطاق التجارة والنفوذ التي اتبعتها الدول الأوروبية الكبرى؛ فأشكل الأمر على الأمم الإسلامية، وحارت بين ضرورات الذود عن كيانها ومحاولة إقامة نُظُمها المختلفة على أُسس جديدة. وإن الباحث في أحوال الأمم الإسلامية في هذا الطور من تاريخها، لا يلبث طويلًا دون أن يرى أنها جميعًا واجهَتْ مشاكلَ داخلية وخارجية من نفس النوع، وأنها التمست لنفسها مخارجَ من نفس النوع؛ وذلك لأن أجزاء أي مشكلة من المشاكل كانت من نوع واحد، وإن اختلفت نِسَبها بعضها للبعض من أمةٍ لأخرى تبعًا للظروف الخاصة بكل أمة. من هذا ما يلحظه الباحث من أن الحياة الدينية في إيران كانت أعمق أو أكثر ابتكارًا عن مثيلتها في مصر مثلًا، وفي هذا الاختلاف — إنْ صحَّ — كما في الاتفاق مدعاة التعاون العقلي المثمر بين أمم الشرق الإسلامي.

لقد عرضنا شيئًا عن مقام إيران بين هذه الأمم وغيرها، ورأينا كيف جالدت، وكيف نفعت وانتفعت، وأحَبَّتْ وكرهت. لقد غذَّتْ أدبَها القومي بذكريات ما كان بينها وبين غيرها، وتغنَّى شعراؤها ببطولة رجالها وعِلْم حكمائها، ولا يخلو حديث الشعراء من مرارة، بل المرارة تغلب على بعضه، ولكنهم أيضًا رووا أن أفريدون لما خَلُص له ملك الأرض جميعًا، قسَّمها بين أبنائه الثلاثة، فجعل لأكبرهم أرض الروم والغرب وما تاخمهما، ولأوسطهم الصين والترك وما يضاف إليهما، ولأصغرهم ولاية عهده وما يمتد من العراق إلى آخِر الهند، وأنه زوَّجهم من بنات ملك اليمن؛ فأفريدون أبو الملوك والعرب أخوالهم!

جعل الله ما يقرِّب بين الأمم أقوى فعلًا مما يبعِّد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.