ذهبت منذ أيام لرؤية فيلم هاري بوتر بعد أن أصدرت مؤلِّفتُه أربعة أجزاء من مغامرات هذا الغلام استحوذت على قلوب مئات الملايين من الأطفال والصغار — وكذا الكبار — في معظم بقاع العالم، ويُقال إن الفيلم قد حقق في الأسابيع الأولى لعرضه أرقامًا قياسية من الحضور.

ومؤلِّفة القصص بريطانية، وهي تتناول في قصتها مغامرات خيالية لطفل يتمتع بقدرات خاصة في السحر؛ مما يُدخله عالمًا من الخيال والأحلام بل والخرافات مع زملاء له من السحرة، والفيلم يدور حول الكتاب الأول في هذه المجموعة، وقد صدر منها أربعة أجزاء حتى الآن، وهو يتعرض لحياة هذا الطفل — هاري — عندما يدخل مدرسة السحرة مع زملاء له من نفس النوع، ويواجه هاري في حياته المدرسية الجديدة مختلف المغامرات في حياة من الخرافات أشبه بالأحلام. وليس في نيتي أو حتى في مقدوري أن أنقد الفيلم أو القصة؛ فهذا ليس ميداني وليس لي به أي معرفة خاصة، ولكني أود أن أطرح بعض الملاحظات حول نجاح هذا الفيلم فضلًا عن النجاح الساحق للقصة. ولعل الملاحظة الأولى هي أن مؤلفة الفيلم إنجليزية لا تأتي فقط من موطن الثورة الصناعية الأولى وثورة العقل والتنوير، بل هي — فيما يبدو أيضًا — من وسط ثقافي متميز؛ فالقصة لم تصدر عن أم جاهلة من وسط أدغال أفريقيا، أو في إحدى قبائل الأمازون لتقص على أبنائها وأحفادها معجزات السحر والسحرة والأرواح، وإنما تصدر من سيدة إنكليزية مثقفة في طباعة أنيقة في مهد الثورة الصناعية ومعقل العقلانية. وأما الملاحظة الثانية فهي النجاح الساحق للقصة والفيلم في أكثر الدول تقدمًا في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي كندا، وفي أوروبا واليابان. هذه الدول هي التي تقود الثورة العلمية وأدق التطورات التكنولوجية، وهي الدول التي لا تكاد تؤمن بغير العقل والتجربة، وتنبذ الخرافات والخزعبلات. ومع ذلك فإن نفس هذه الدول وأبنائها — صغارًا وكبارًا — يُقبلون على قراءة مثل هذه القصص، وهو أمر ليس بجديد؛ فقد سبقه منذ سنوات فيلم حدائق جوراسك، وقبلها أفلام فرانكشتين وأمثاله. ويبدو أن أكثر الأفلام استقبالًا وأكثر الكتب رواجًا الآن هي تلك الكتب التي تبتعد عن الواقع وتتوغل في الخيال، بل لعلنا نتذكر قصص لويس كارول عن «مغامرات أليس في بلاد العجائب»، وهي ليست فقط قصصًا للخيال، بل إن كاتبها — واسمه الحقيقي لودفج دودجسن Lutwidge Dodgson، وكان أستاذًا للرياضيات البحتة في جامعة أكسفورد — قد جمع بين كتابة القصص الخيالية للأطفال والكتابة عن الرياضيات البحتة، ولعل هذا النموذج إنما هو أبلغ تعبير عن الجمع بين الخيال والعقل، بين العاطفة والمنطق؛ فالرياضيات — وهي أرقى أسلوب للتعبير عن قوانين العقل والمنطق — تتفتق أيضًا لإخراج أكثر القصص إثارة للخيال والعواطف والغرائز المكبوتة؛ ففي هذا المثال امتزج العمل العلمي والخيالي لدى مؤلف واحد، وعندما أعجبت الملكة فكتوريا بقصص «أليس» طلبت من المؤلف أن يقوم بإهداء كتابه التالي لها، فكان أن أهدى لها كتابًا في نظرية «المحددات» في الجبر، وهو ربما كان ذلك آخر ما كانت تتوقعه ملكة إنجلترا من مؤلف «أليس في بلاد العجائب».

إن نجاح مثل هذه القصص والأفلام إنما يعني شيئًا واحدًا، وهو أن الأفراد في الحياة الحديثة القائمة على العلم والعقل والحساب إنما هي حياة مملَّة وثقيلة، وأن الفرد يحتاج إلى الهروب منها إلى عالم الخيال والأحلام، بل — ولِمَ لا — إلى عالم الخرافات والخزعبلات. إن العقل وحساباته يفرض منطقًا صارمًا لا مفاجأة فيه ولا دهشة، كل شيء معروف أو قابل للتنبؤ، وبالتالي قليل الإثارة إن لم يكن مبعثًا للملل، فكما أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش مع المجهول والمفاجآت المستمرة؛ فإنه أيضًا يمل الرتابة ويحتاج من آنٍ لآخر لقدر من الإثارة والمفاجأة المستمرة، ومن هنا حاجته إلى أحلام اليقظة.

لقد عاش الإنسان معظم عمره وهو خاضع تمامًا لأهواء الطبيعة ونزواتها، لقد أمضى الإنسان الحالي المفكر Homo Sapiens ما يقرُب من ٩٩٪ من حياته على القنص والصيد، وبالتالي كان تحت رحمة الطبيعة المطلقة، وفقط خلال العشرة آلاف سنة الأخيرة — منذ الثورة الزراعية — بدأ الإنسان يُسيطر قليلًا على بيئته عندما عرف بعض أسرار الحياة الزراعية وزادت معرفته بأسرار الطبيعة والحياة مع تقدُّم المعرفة والعلوم وخاصة منذ الثورة الصناعية؛ أي منذ أقل من ثلاثمائة عام. وفي خلال تلك المرحلة الطويلة السابقة وجد الإنسان نفسه غير قادر على تفسير ما يدور حوله، فلم يكن أمامه إلا البحث عن نظام يفسر هذا العالم المحيط، ووجد هذا النظام في العديد من المعتقدات في الآلهة والأرواح والسحر، وكل ما يرتبط بها من قصص وحكايات وهو ما نطلق عليه الخرافات أو الأساطير، وفي خلال هذه الفترة الطويلة تشكل وجدان الإنسان وحياته الداخلية، أما تاريخ العقل العلمي فهو تاريخ حديث في حياة الإنسان ولا يكاد يمتدُّ لأكثر من ١٪ من حياة البشرية. وقد بدأ هذا العقل على حياء عندما اكتشف الإنسان أنه يستطيع بالتجربة والخطأ اكتشاف بعض خصائص الأشياء، فبدأ يوظفها لمصلحته. ورويدًا رويدًا ازدادت ثقته في نفسه، وفي قدرته على معرفة قوانين الطبيعة، وقدرته على تسخيرها لمصلحته، وهكذا بدأ العقل يفرض نفسه إلى جانب المعتقدات القديمة، في تكامل حينًا، وفي صراع أحيانًا أخرى، حتى بلغت رحلة العقل قمتها مع ثورة التنوير.

جاءت الثورة الصناعية بإنجازاتها المبهِرَة فقدمت للعقل سندًا قويًّا من الإنجازات المادية، وعندما قامت الثورة الفرنسية فإنها لم تَرَ نفسها مجرد تحرير سياسي من النظام القديم في سلطة الملك والإقطاع والكنيسة، ولكنها رأتْ أيضًا أنه تحرير عقلي من كافة المعتقدات والأديان، وأقامت الثورة من العقل إلهًا جديدًا. وهكذا غلب على القرن التاسع عشر الاعتقاد بأن العلم ومكتسباته إنما هو تحرير للإنسان من القيود التي تفرضها عليه المعتقدات والأديان، فظهر العلم وكأنه في مواجهة مع الدين، فما يحققه العلم من إنجازات إنما هي — في نظر أنصاره في ذلك الوقت — خسارة للدين وتراجع له، وقد ساعد على ذلك — في أوروبا — أن كان موقف الكنيسة دائمًا من العلم موقفًا معارضًا ومعرقلًا لمعظم الإنجازات العلمية؛ فمنذ وقفت الكنيسة ضد آراء كوبرنكس ثم جاليلو وقد اتخذت الكنيسة هذا الموقف المعارض لكل تقدُّم علمي، وبذلك وضعت نفسها في موقف المعارض للتقدم العلمي، فكانت إحدى معاركها الخاسرة.

ومع ذلك فإن هذا الموقف العدائي بين العلم والدين لم يلبث أن تعدل بعد أن توافر لمسيرة العقل والعلم قدر أكبر من النضج والثقة بالنفس، وبعد أن تعوَّد رجال الكنيسة على فكرة أن التقدم العلمي ومنجزات العلم ليست بالضرورة كسبًا على حساب الأديان، لقد وضح أن مسيرة العلم لا نهاية لها وأن كل يوم تظهر مشاكل جديدة غير معروفة، وأن ما يكسبه العلم من معرفة جديدة إنما يفتح أمامه الباب ليكتشف أن ما يجهله يزيد بعد كل اكتشاف جديد، كذلك وضح للعِيَان أن معرفة العلم نسبية، وأن كل يوم هناك جديد يضيف أو يعدل لمعارف الأمس. وأهم من هذا وذلك أن ميدان العلم هو معرفة «كيف» تعمل الأشياء، ولكنه غير قادر على معرفة «لماذا» هي كذلك.

والإنسان يحتاج إلى معرفة «كيف» بقدر ماهو محتاج لمعرفة «لماذا»، وإن الأديان والروحانيات وحدها هي التي تعطي للإنسان معاني للحياة ولما بعد الحياة، وإنه دون هذه المعاني تصبح حياة الإنسان جحيمًا حتى لو أدرك كيف تعمل الأشياء. العلم لا يقدم قِيَمًا لما هو خير وما هو شر، والأديان والروحانيات وحدها هي التي تقدم مثل هذه القيم. وعندما جاء فرويد — ولم يكن متدينًا — ليحلل النفس البشرية، وجد أن دور العقل محدود بالمقارنة بما يجري داخل النفس في العقل الباطن واللاوعي، وهي أمور تتحرك لغرائز متأصلة وتاريخ طويل في الطفولة، بل وفي الطفولة البشرية ذاتها؛ ولذلك فإن دور العقل يبدو أقل بكثير مما يظهر على السطح. وإذا كنا نعتقد أن العقل والعلم يحرر الإنسان من الخرافات والخزعبلات؛ فإنه من الصحيح أيضًا أن المبالغة في الاعتقاد في سلامة العقل وحده وصحة أحكامه، إنما تقيد الإنسان في تطلعاته الأصيلة في الانطلاق للتعبير عن رغباته المكبوتة؛ فالعقل كما هو أداة للتحرير قد يكون أيضًا قيدًا وأداة للحَجْر والتضييق، وصدق العرب عندما استخلصوا لفظ العقل من معنى «القيد»؛ فالعقل يضبط ويقيد الفكر، ومنه اشتق لفظ «العقال»؛ ولذلك فإن الهروب من هذا العقل والتحرر منه إلى قليل من الخيال والأحلام، والحنين لقصص الماضي وذكريات الطفولة بل وتاريخ الأمم ومعتقداتها وأساطيرها القديمة، كل هذا إنما هو تحرير من برودة الحياة اليومية التي يحكمها قوانين العقل.

والالتجاء إلى الخيال ليس فقط هروبًا من العقل وقيوده بل إنه في نفس الوقت دعم للعقل وإذكاء لقدراته؛ فالأفكار العلمية الثورية لم تأتِ — عادةً — نتيجة ملاحظة أو تجربة — كما كان يعتقد القدماء من أمثال فرانسيس بيكون — بل هي أشبه بإلهام الشعراء نتيجة للخيال والحدس، وتأتي التجربة في وقت لاحق للتحقُّق من صحة النظرية أو الفرض العلمي. فالعلم يبدأ بالخيال عن طريق وضع بعض الفروض وينتهي بالتجربة وليس العكس، وهكذا فإن تنمية الخيال ليست خروجًا على مقتضيات العقل والعلم بل هي زاد ومئونة لدعم قدراته.

إننا نفهم تمامًا لماذا يُقبل العالم المتقدم على قراءة قصص هاري بوتر ومشاهدة فيلمه، كما نفهم الإقبال على هذا النوع من الكتب والأفلام؛ فالحياة الحديثة وما تفرضه من قيود صارمة تتطلب التخفيف منها بالهروب من قيودها وأحكامها، وهذا هو المقصود بالتسلية. هناك حاجة للخروج على قواعد اللعبة والاستراحة. إن فيلم هاري بوتر إنما هو هروب إلى جموح الخيال وأحلام اليقظة وذكريات الماضي والحنين له، وإلى الرغبة المكبوتة في تحقيق ما لا يمكن إنجازه في هذه الحياة القياسية التي يحكمها سلطان العقل وقيوده الشديدة؛ فلا بأس من الراحة والخروج على النظام والاسترخاء، ولكن الأمر ليس مجرد راحة للعقل وإنما هو أيضًا تدعيم للخيال والإبداع، وهو نقطة انطلاق لأي تقدم علمي؛ فالعلم أيضًا يتطلب الخيال والثورة على الأفكار المستقرة.

كل هذا مفهوم ومقبول، ولكن ماذا إذا ظهر شيء من ذلك في شرقنا العربي أو الإسلامي؟ أغلب الظن أنه سيحكم علينا بأننا شعوب غير عقلانية مهووسة بالخرافات والخزعبلات، وأن الطريق ما زال طويلًا أمامنا لدخول العصر، وأننا قد نحتاج إلى تغيير مناهج تفكيرنا وربما إلى إعادة النظر في برامجنا الدراسية، وربما كنا سنصدق هذه الأحكام؛ فالأقوياء دائمًا على حق. والله أعلم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.