بعد اختراع السينما الناطقة عرف العالَمُ الحديث أربعة أساليب للتمثيل، يكاد كل منها يستقل عن فنون التمثيل الأخرى.

عرف العالَمُ الحديث الآن تمثيل المسرح، وتمثيل الإشارة «البانتوميم»، وتمثيل السينما الصامتة، وتمثيل السينما الناطقة، وهو أحدث هذه الفنون وأكبرها أثرًا في تنقيح أساليب التمثيل على اختلافها.

وقد يسبق إلى الخاطر أن تمثيل الإشارة وتمثيل السينما الصامتة شيءٌ واحد.

ولكنهما في الحقيقة شيئان مختلفان؛ لأن الإشارة في «البانتوميم» مقصودة أو اختيارية، وهي في السينما الصامتة ضرورة أوجبها النقص في أجهزة السينما القديمة، وكان الممثِّلون في رواياتها الأولى يفرضون أنهم يتكلَّمون ويحركون شفاههم بالكلام كأنهم يخرجون منها لفظًا لا تسمعه الآذان.

ويقوم فنُّ «البانتوميم» على الإشارة ولا يمكن أن يقوم على غيرها؛ فإذا تكلم الممثِّلُ بطل البانتوميم.

إلا أن أسباب الإشارة تتغير في أنواع هذا الفن الكثيرة؛ لأنه يتنوع بين فنِّ الشعائر الدينية، وفنِّ الصمت الاضطراري، وفنِّ التعبير بالرقص والحركات، وفنِّ المُجون والسخرية.

فالأديان الوثنية عرفت هذا الفن قديمًا قبل ظهور التمثيل المسرحي، وكان الكُهَّان يتعمدون الصمت؛ لأنهم يحيطون شعائرهم بالأسرار ويلقون بها العُبَّاد في جوٍّ من الغموض والخفاء.

أمَّا فنُّ «البانتوميم» الاضطراري فهو الفن الذي تفرضه الحكومات المستبدَّة مخافةً من مرامي الكلام وكناياته، وما زالت الرقابة شديدة على الكلام في حكومات المستبدِّين، ومنها الحكومة العثمانية قبل قيام الجمهورية؛ فإن السلاطين حرَّموا الكلام على المسرح في أكثر الأوقات، ولم يأذنوا به إلا فلتات بعد فلتات.

وقد شاع البانتوميم مع رقص «الباليه» على الخصوص؛ لأن أساتذة هذه الرقصة يفضلون أن يتركوا التعبير لحركات الجسم واليدين وقد يصحبون هذه الحركات بالأنغام الموسيقية التي تناسبها، وكثيرًا ما يستغنون عن أنغام الموسيقى توكيدًا منهم لدعواهم التي يذهبون فيها إلى أن الحركة الجسدية قد تبلغ من وضوح التعبير مبلغًا يغني عن الكلمات.

ويدخل في البانتوميم ذلك الفنُّ الرخيص الذي يُراد للتهريج والمُجون، كأنهم يصطنعون الخرس ويُضحكون المتفرجين كما يَضحكون من الأخرس الذي يحاول النطق ويعجز عنه، وهو كما قدمنا ضحك رخيص لخُلُوِّه من الذوق الكريم؛ إذ ليس من كرم الأخلاق أن يضحك الإنسانُ من عجز ذَوي العاهات.

ولا مشابهة إذن بين تمثيل الإشارة كله وتمثيل السينما الصامتة؛ لأنك قد تعرض في السينما الصامتة منظرًا من مناظر «البانتوميم» فيدركه الناظر لأول وهلة، ويعلم أنه شيء غير التمثيل الصامت الذي يشيع في روايات الصور المتحركة، فهذا تمثيل فيه كلام غير مسموع، وذلك تمثيل لا كلام فيه على الإطلاق.

هنا يسبق إلى الخاطر ظن آخر.

يسبق إلى الخاطر أن السينما الناطقة والتمثيل المسرحي فَنٌّ واحد؛ لأن كلًّا منهما يقترن فيه التمثيل بالكلام.

لكنهما كذلك فَنَّانِ مختلفان كما يعرف كلُّ مَن نظر إلى تمثيل المسرح وتمثيل السينما الناطقة، ولو كانت الرواية واحدة في التمثيلين.

والفارق بينهما يأتي من مواجهة الجمهور ومن ملاحظة الأبعاد التي يصل إليها الكلام.

فالممثل المسرحي يشعر — عن قصد أو غير قصد — بأن كلامه الطبيعي لا يصل إلى جوانب القاعة، فيرفع صوته ويلجأ إلى اللهجة الخطابية التي توافق ارتفاع الصوت، ويلجأ مع اللهجة الخطابية إلى الإيحاء الذي يوافقها، فيختلف أداؤه على المسرح بعض الاختلاف عن أدائه وهو يتكلم في البيت أو في الطريق.

هو ممثل وخطيب في وقت واحد، وهو يُحس جمهور النظارة أمامه ويجاوبهم ويجاوبونه في إحساسه، ولا تقتصر علاقته بهم على مجرد الفرض والتقدير.

ومهما يكن من استغراق الممثل في أدائه، فهو — شاء أو لم يشأ — حاضر أمام النظارة وهم حاضرون أمامه، وليس نسيانه لهذه الحقيقة المحسوسة — قاصدًا أو غير قاصد — بالأمر المستطاع.

ويُضاف إلى ذلك أنه يشعر بأنه يُمَثِّلُ في مناظر «ممثَّلة» ولا يمثل بين مناظر الطبيعة كما يصنع زميله في الصور المتحركة، فهو يتَّكئ على نفسه كثيرًا ليحتفظ بالحالة الطبيعية، ويحتاج إلى الغوص في وعيه الباطن كثيرًا ليخلُص من أثر الحس في إيمائه وأدائه.

وقد يكون من أجل ذلك أقدر على خلق «الحالة الطبيعية» من زميله الذي يستغني عن المجهود في خلق هذه الحالة لأنها مخلوقة له بغير عناء.

إلا أنه — مع اقتداره وامتيازه — يحتاج إلى الاستفادة من أسلوب التمثيل في السينما الناطقة وقد استفاد فعلًا حتى الآن وأخذ في تعديل لهجته وإيمائه؛ لأنه لا يحب أن يخدش سامعيه بلهجةٍ غير اللهجةِ التي تعوَّدوها في روايات الصور المتحركة، ولأنه يدرك أن أسلوبه يبدو لهم متكلَّفًا مغتصبًا بالنسبة لسهولة الأداء والتعبير عنه في السينما الناطقة.

وقد أسعفته المخترعات الحديثة — لحسن الحظ — بالوسيلة التي تُريحه من اللهجة الخطابية والإشارات أو الحركات التي تناسبها؛ فإن مكبرات الصوت كفيلة بتيسير مهمته وتعويده أن يتكلم ويتحرك على سجيته ورياضته في الشعور بأنه مسموع وإن لم يتكلف الإسماع، فلا حاجة به إلى أسلوب خاص في الإلقاء أو في الإشارة والإيماء.

إن الأساليب الأربعة التي عرَفها العالَمُ الحديث أوشكت إذن أن تصبح فنونًا مختلفة من التمثيل.

فليس تمثيل الإشارة وتمثيل السينما الصامتة بشيء واحد، وليس تمثيل المسرح وتمثيل السينما الناطقة بشيء واحد.

ولكن هل تراها تنعزل فيما بينها لهذا الاختلاف؟

إنها قد تختلف ولا تنعزل؛ فإن التدرُّب على التعبير بالإشارة ينفع الممثل المسرحي والممثل في الصور الناطقة؛ إذ هما يتكلمان في كل لحظة ولا تخلو أدوارهما من لحظات صمت وانتقال بين كلام وكلام، وإن وجب أن يذكرا دائمًا أن الإشارة الصامتة غير الإشارة مع الكلام.

وسيظل التمثيل المسرحي أعظم هذه الفنون؛ لأنه الفن الذي يعتمد على قدرة الممثِّل ولا يعتمد على تيسير الآلات، ولكنه لا ضير عليه أن يأخذ كل ما هو قادر على أخذه من الأساليب الأخرى، بغير استثناء «البانتوميم» النفيس منه والرخيص، وبغير استثناء السينما الصامتة حيث يكون الصمت نطقًا بالملامح واللمحات.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.