المصريون جميعًا قلقون وجلون! لا يستقرُّ لهم نهار ولا ينام لهم ليل، وما أظنهم عرفوا عيدًا كهذا العيد، لم ينعموا فيه بلذات الحياة، ولم يسعَ فيه بعضهم إلى بعض ما تعودوا أن يسعوا به من التحية والتهنئة؛ لأنهم عن العيد ولذاته وتحياته في شغل شاغل، بهذا الهمِّ المهم، والخطب الملمِّ، والبلاء الذي ليس فوقه بلاء! أستغفر الله، بل أنا أذكر عيدًا شغل فيه المصريون عن لذة الحياة وعن التحية والتهنئة …

كان ذلك قبل الحرب الكبرى، حين شبت نار الحرب بين تركيا ودول البلقان، وحين دنت جيوش البلقانيين من قسطنطينية، وعرضت دار الخلافة للخطر، هنالك شُغل المصريون عن العيد، واتصلت نفوسهم بعاصمة الخلافة، يُشفِقون عليها، ويتمنون لها النجاة، وقد استجاب الله يومئذ لهذه النفوس، فلم تقتحم جيوش العدو خطوط المسلمين. وذاق المسلمون لذة الحياة فيما بقي من أيام العيد …! أما عيدنا هذا الذي نحن فيه فقد شُغل المصريون عنه شغلًا متصلًا. ومع أن الصحف لم تنقطع، بل أخذت تنقل إليهم الأنباء، وتذيع فيهم الأخبار، فقد ظلوا قلقين مضطربين، تترجح نفوسهم في السماء بين اليأس والرجاء، أي الخصمين ينتصر في هذه الحرب الضروس التي تشبُّ نارها، ويتلظَّى أُوَارُها حول سمنود …! أهو الجيش الظافر؟! أم هو الرئيس الزائر …؟

وقد سكتت القيادة العليا في وزارة الداخلية، فلم تصدر بلاغات رسمية عن تفصيل الهجوم والدفاع وما كان فيهما من صراع …! وأخذت صحف الوفد وحدها تقول فتفصل القول والناس يقرءون ويخافون على جيش الدولة، ويتوقَّعون شرًّا من هذا الصمت الذي أغرقت فيه الدولة إغراقًا شديدًا …!

وقد استمرت هذه الموقع ثلاثة أيام، وانتهت بعد ظهر أمس، وعاد رئيس الوفد إلى القاهرة يحيط به عشرة من كبار الضباط، ومن ورائه قطار مسلَّح، وعن يمين القطار وشماله جنود منثورة، وبنود منشورة …! فخيل إلى الناس حين وصل رئيس الوفد إلى محطة القاهرة أن جيشنا الظافر قد ظفر، وأن قيادتنا العليا ستصدر بلاغًا رسميًّا تطمئنُّ له القلوب، بين الجُنُوب، وتعلن فيه الدولة هذا الفوز الباهر، وأنها قد ربحت الموقعة كلها، وجاءت برئيس الوفد أسيرًا إلى العاصمة …!

ولكن القيادة العليا ظلت مغرقة في الصمت! فلم تقل شيئًا، وظلَّت مغرقة في السكون فلم تصنع شيئًا! وانطلق رئيس الوفد حيث شاء، وسينطلق رئيس الوفد حيث يشاء، ومن حوله العيون والرقباء على أن لا يبرح القاهرة، وإلا تجددت الحملة، وعبئ الجيش والشرطة مرة أخرى …! وإذن فأي الخصمين انتصر؟ هل انتصرت الحكومة فجاءت بخصمها أسيرًا؟ هل انتصر رئيس الوفد فذهب وجاء كما شاء؟ مسألة فيها نظر … ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن قلب وزير الداخلية قد استقرَّ بين جنبيه منذ أمس! وليس هذا بالشيء القليل، فأنت تعرف أن قلب وزير الداخلية إذا خفق خفق له قلب مصر، وأن جبين وزير الداخلية إذا تقطَّب تقطَّب له جبين مصر! وأن سعادة مصر كلها رهينة برضا وزير الداخلية! وشقاء مصر كلها رهين بغضب وزير الداخلية! فيجب الآن أن تهدأ مصر؛ لأن وزير الداخلية قد هدأ! ويجب الآن أن تسعد مصر؛ لأن وزير الداخلية قد رضي! ويجب الآن أن تُرْفَع الأعلام وتزدان المدن والقرى؛ لأن وزير الداخلية قد انتصر، ولأن رئيس الوفد قد وقع أسيرًا في يده …!

ألست ترى أن الأمر قد بلغ من الهزل أقصاه؟! وانتهى من السخف إلى غايته؟! أفي مصر برلمان حقًّا؟ وإذن فهل يريد هذا البرلمان أن يؤدي عمله؟ أم هل يريد هذا البرلمان أن يكون تابعًا مطيعًا لحكومته الرشيدة، سعيدًا إن ظفر من هذه الحكومة بالثقة؟! لو أن هذا العبث الذي ليس إلى وصفه سبيل وقع في بلد يقدر كرامته، ويحرص على هيبة الحكومة فيه؛ لأدت الوزارة عنه أمام البرلمان حسابًا عسيرًا أشد العسر، ولاضطرت الوزارة أمام سخط البرلمان إلى أن تستقيل، فإن لم تفعل أقيلت وأُكرهت على أن تنزل عن مناصب الحكم.

فالناس جميعًا يعلمون أن الوزارات إنما تقوم لرعاية مصالح الأمم وحماية منافعها؛ فهي تقوم للجد لا للعب، وهي تنصب للعمل لا للتمثيل، والناس جميعًا يعلمون أن الوزارات قد تجور عن القصد، وتضلُّ عن سواء السبيل، فتفسد حين يجب أن تصلح، وتضرُّ حين يجب أن تنفع، ولكنها تحتفظ على كل حال بهيبة الحكومة، وكرامة الدولة؛ لأن الاحتفاظ بهذه الهيبة والكرامة شرط أساسي لاستقرار الأمن والنظام! فأما وزارتنا القائمة فقد أضاعت من مصالح البلاد ما أضاعت، وأهملت من منافعها ما أهملت، وأنكر الناس منها ذلك، ولكنهم صبروا عليه، واعتقدوا أنها ستحتفظ للحكومة بهذه الهيبة التي لا قوام للحكومات بدونها. فإذا هي تضيع هذه الهيبة أيضًا، وإذا هي تجعل سلطان الدولة موضوعًا للسخرية، وتعرِّض جيش الدولة وشرطة الدولة للاستهزاء والازدراء.

يجب أن يعلم الذين إليهم أمر هذه البلاد أن المصريين جميعًا قد سخروا سخرية عميقة خطرة من هذه الحركات السخيفة، التي دفع إليها جنودنا وضباطنا في هذه الأيام الثلاثة الماضية، فإن الإغارة على الحدود وحدها هي التي كانت تُبِيح تجنيد الجنود، وإرسال القطارات المسلحة، وتسخير السفن في النهر، وحرمان الضباط أن يستمتعوا بحقهم الطبيعي من الراحة في أيام العيد، الإغارة على الحدود أو اضطرام الثورة هما اللذان كانا يُبِيحَان للحكومة أن تأتي ما أتت من الأمر في هذه الأيام، فأما أن يسافر رئيس الوفد ليزور قبر أبويه، وليلقى أهله وعشيرته الأقربين، فأمر يسير، أيسر من أن يضطر الحكومة إلى كل هذه التعبئة.

إحدى اثنتين: إما أن يكون النظام الطبيعي اليومي عاجزًا عن حماية الحكومة من سفر رئيس الوفد إلى سمنود، وإذن فيجب أن تستقيل الوزارة؛ لأنها اعترفت بالعجز عن حماية النظام، وإقرار الأمن، وإما أن يكون النظام العادي اليومي قادرًا على حماية الحكومة من سفر الرئيس إلى سمنود، وإذن فيجب أن تستقيل الوزارة؛ لأنها عبثت بالجيش والشرطة، وجعلت كرامة الدولة وسلطانها عرضة للازدراء والاستهزاء …!

لو أن البرلمان القائم يريد أن يؤدي عمله حقًّا، لحاسب الوزارة حسابًا عسيرًا على هذا الموقف السخيف الذي وقفته، ولاضطرها إلى أن تستقيل لتقوم مكانها وزارة أخرى تحمي هذا النظام الجديد، بعد أن عجز رئيس وزرائنا المريض، ووزير داخليته الظريف، عن حمايته.

ولكن يظهر أن هذا النظام الجديد نفسه لا يمكن أن يُحْمَى أو يُصان إلا على هذا النحو؛ فهو لا يستمد قوته من إيمان الأمة به، وتأييدها له، واطمئنانها إليه، وإنما يستمد قوته من رئيس الوزراء، وقد مرض رئيس الوزراء فمرضت معه الوزارة، ومرض معهم البرلمان، فلا بد من أن يمرض النظام أيضًا، وهو مريض، وأي مرض أشد من أن يسافر رجل واحد إلى مدينة من المدن، فترسل الحكومة وراءه ألفًا من الجند، وتُلغِي الحكومة في سبيل ذلك إجازة جماعة من الضباط، وتأمر الحكومة في سبيل ذلك مديرين ألا يبرحا إقليميهما …؟!

أي مرض أشد من هذا المرض؟ ومع ذلك فالذين يؤيدون رئيس الوزراء، ويسندونه. ما يزالون راضين عن هذه الحالة، مبتهجين لها ينتظرون منها الخير! … أما مصر فإنها مشفقة من هذه الحال أشد الإشفاق، لا ترجو منها خيرًا، بل لا تنتظر منها إلا الشر.

لقد نهض رئيس الوزراء ليمحق الفوضى محقًّا، وإن وزارته الآن لتأتي كل شيء لتبسط سلطان الفوضى على البلاد …!

أما إذا كان رئيس الوزراء قد أراد أن يجعل وزارته لَهْوَ اللاهين، ولعب اللاعبين، فقد وُفِّقَ إلى ذلك كلَّ التوفيق حين اختار وزير داخليته الجديد …! ولكن أين رئيس الوزراء؟ أمتصلٌ هو بالناس والأشياء حقًّا؟ أعالمٌ بما يجري حقًّا؟ إذن فقد فقدَ رئيس الوزراء بعد مرضه أخص ما كان يمتاز به من الخصال، وهو الإشراف الدقيق على أمور وزارته، والضبط الدقيق لتصريف هذه الأمور.

إنما الوزارة القائمة أشبه شيء الآن بسفينة فقدت ربانها! وعجز أعوان هذا الربان عن تسييرها! وهي في بحر لُجِّيٍّ شديد العواصف، ملتطم الموج …! فهي تسير على غير هدًى ولا نظام! تتقاذفها الأمواج، وتعصف بها الريح، فليعلم ذلك من إليهم تأييد الوزارات وخذلانها، فقد يكون في هذا العلم شيء من النفع …

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.