أجمل ما تشتمل عليه الرسالة البرقية التي أرسلها مكاتب التيمس إلى صحيفته، يتحدث فيها عن رحلة رئيس الوفد الأخيرة، نقده للرئيس؛ لأنه لا يريد أنْ يتعاون مع أحزاب المعارضة الأخرى على قاعدة المساواة.

هذا النقد جميل حقًّا، وهو خليق بالإكبار والإعجاب، وخليق بالتفكير فيه، والتفسير له، بنوع خاص؛ فرئيس الوفد رجل ظالم حقًّا، يعترف له الإنجليز، ويعترف له خصومه من المصريين بأنه زعيم الكثرة من الشعب، وبأن التصريف المعقول لأمور الشعب من دونه أمر لا سبيل إليه، ثم يقول له الإنجليز، ويقول له خصومه من المصريين: ما بالك تظلم وتطغى، وتأبى أنْ تعمل مع غيرك من الساسة على قاعدة المساواة؟!

يؤمن الإنجليز والمصريون بأن الوفد صورة ديمقراطية صحيحة للشعب المصري، وبأن الأحزاب الأخرى صور لأنواع من القلة، منها الصحيح ومنها المتكلف المصنوع، ثم يقول الإنجليز، ويقول بعض المصريين للوفد: ما بالك لا تتعاون مع هذه الأنواع من القلة الصحيحة أو المصنوعة على قاعدة المساواة؟!

ومعنى هذا بالضبط أنَّ هؤلاء الإنجليز والمصريين يُسلِّمون بأن الألف أكثر من العشرة، ولكنهم يتساءلون في الوقت نفسه ما بال الألف لا تساوي العشرة؟! يُسلِّمون بأن هناك كثرة واضحة بيِّنة، وبأن إرادة هذه الكثرة واضحه بيِّنة، ثم يتساءلون: ما بال الكثرة لا تساوي القلة؟! وما بال إرادة الكثرة لا تتضاءل ولا تنزل عند إرادة القلة؟! يُسلِّمون بأن هناك أوضاعًا طبيعية قد وُجِدَتْ لأن الله أراد أنْ تُوجَد، ثم يتساءلون: ما بال هذه الأوضاع لا تُقلَب ولا تتغيَّر؛ فيصبح الواحد مساويًا للاثنين، وتصبح العشرة مساوية للألف، وتصبح الكثرة مساوية للقلة؟!

والغريب أنَّ هؤلاء الإنجليز والمصريين، حين يُلْقون على أنفسهم وعلى غيرهم هذه الأسئلة، لا يخطر لهم أنْ يجيبوا بأن هذه الأوضاع لا تتغير لأن الله قد خلقها كذلك، وإذا أراد الله شيئًا فلا مردَّ له، وبأن الواحد لا يستطيع أنْ يساوي الاثنين؛ لأن طبيعة الأشياء أرادت — وستريد دائمًا — أنْ يكون الواحد نصف الاثنين، وبأن الكثرة لا تستطيع أنْ تساوي القلة؛ لأن الله قد فطر العقل الإنساني على أنْ يتصور التفاوت الطبيعي بين الكثير والقليل.

لا يخطر لهم أنْ يجيبوا بهذه الأجوبة على تلك الأسئلة، مع أنها من بسائط الأشياء وأولياتها، ومع أنها لو أُلْقِيَتْ عليهم في حياتهم العادية الخاصة، أو في غير السياسة المصرية من الأمور العامة، لَمَا ترددوا في أنْ يهزوا الرءوس، ويرفعوا الأكتاف، ويسخروا من الذين يريدون أنْ يقلبوا أوضاع الطبيعة ويغيروا حقائق الأشياء؛ ذلك أنَّ هؤلاء الإنجليز وأصدقاءهم من المصريين يؤمنون — فيما بينهم وبين أنفسهم — بأن الأمور لا ينبغي أنْ تجري على طبائعها في مصر كما تجري على طبائعها في غير مصر من البلاد، إما لأن اطراد الأمور على طبيعتها في مصر يقتضي أنْ يكون أمر الشعب إلى الشعب، وأن تصبح الديمقراطية في مصر جدًّا لا لعبًا، والحياة الدستورية في مصر حقًّا لا خيالًا، وهذا شيء يكرهه الإنجليز — فيما يظهر — ولا يستطيعون أنْ يسيغوه أو يطمئنوا إليه، وإما لأن الأمور إنْ جرت على طبيعتها في مصر، أصبحت أمور الشعب إلى كثرة الشعب لا إلى قِلَّته، وآلت شئون الحكم إلى رئيس الوفد وأصحابه دون الذين يناظرونهم ويناضلونهم من المصريين.

وهؤلاء المصريون لا يستطيعون أنْ يطمئنوا في قرارة نفوسهم إلى الديمقراطية الصحيحة، وأن يرضوا فيما بينهم وبين ضمائرهم بما قسم الله لهم من مكان القلة المعارضة أمام الكثرة الحاكمة؛ فهم يرون أنفسهم أصحاب الذكاء، وهم يرون أنفسهم أصحاب الكفاية، وهم يرون أنفسهم أقدر على الحكم، وأبرع في تصريف الأمور، وأقدر أنْ تُلْقَى إليهم أزمة مصر.

وهم — إذن — يؤثرون أنفسهم على الحق، ويُقدِّمون أنفسهم على الديمقراطية، ويبغون طريقهم إلى الحكم عوجًا، يُخيِّلون إلى الناس أنهم ديمقراطيون، وأنهم دعاة إلى الحياة الدستورية الصحيحة، وهم في حقيقة الأمر أرستقراطيون، لا يدعون إلى حياة دستورية، وإنما يدعون إلى تحكم القلة في الكثرة.

هذا هو التعليل الصحيح — فيما يظهر — لهذا النقد الظريف، الذي يَسُوقه الإنجليز وبعض المصريين إلى رئيس الوفد، وإلى أصحابه شيعته الوفديين، وظاهر أنَّ هذا النقد إنْ فُهِمَ من الإنجليز لا يمكن أنْ يُفْهَم من المصريين؛ فالإنجليز مستعمرون، وهم بحكم موقفهم هذا لا يستطيعون أنْ يطمئنوا إلى حرية مصر، ولا أنْ يأمنوا استمتاعها بالحكم الديمقراطي الصحيح، ولا أنْ تطيب نفوسهم عن سيطرة الشعب على شئونه واعتداد الشعب بنفسه، وإيمان الشعب بحقوقه؛ فكل هذا خطر على الاستعمار مضيق لسلطان الإنجليز، دافع بمصر إلى ما تريده صادق من الاستقلال الصحيح؛ فلا يُستغرَب من الإنجليز أنْ يَضِيقوا بالوفد ورئيس الوفد، ولا أنْ يطلبوا من الكثرة أنْ تتضاءل حتى تساوي القلة، ولا أنْ يلجئوا إلى العنف والكيد، يبعدون بهما الكثرة عن الحكم إبعادًا إذا أَبَتْ أنْ تذعن لما يريدون.

كل هذا يُفْهَم من الإنجليز، والمصريون يفهمونه حق الفهم، ويقاومونه حق المقاومة، ولكنه لا يُفهَم من المصريين؛ لأنهم إنْ كانوا يريدون الاستقلال لبلادهم حقًّا، ويحرصون على أنْ تكون بلادهم حرة حقًّا، ويخلصون فيما يعلنون من أنهم دعاة الحرية وحماة الدستور، فهم يعلمون حق العلم أنَّ طريق الاستقلال والحرية والدستور، إنما هي أنْ تكون أمور الشعب إلى كثرة الشعب لا إلى قلته، وأن يكون الألف من المصريين أكثر من العشرة، وأن يكون حق الألف أكثر من حق العشرة، وهم يعلمون هذا حق العلم؛ لأنهم أصحاب الذكاء، وأصحاب الكفاية، والذين يجتمع لهم الذكاء والكفاية لا يجهلون البسائط، ولا يغفلون عن الأوليات.

وإذن؛ فما مطالبتهم للكثرة بأن تكون متساوية للقلة؟! وما إلحاحهم على زعيم الكثرة في أنْ ينزل عن حقوق هذه الكثرة لا لشيء إلا ليمكنهم من هذا الحكم الذي يريدونه ويلحون فيه، ولا يستطيعون أنْ يتعزوا عنه، ولا يستطيعون أنْ ينهضوا وحدهم بأثقاله؟!

خير من هذا، وأقرب إلى المعقول، وأشد ملائمة للذكاء أنْ يعلنوا أنهم لا يحبون الديمقراطية ولا يرضونها ولا يقبلونها نظامًا للحكم، وأنهم يفضلون حكم القلة على حكم الكثرة، فهم إنْ فعلوا لاءموا بين آرائهم وبين سيرتهم، ووافقوا بين أقوالهم وأعمالهم، وكانوا صادقين فيما يسرون وما يعلنون، وعرف المصريون كيف يخاصمونهم في الرأي، أو كيف يؤيدونهم فيه.

وأغرب من هذا كله أنْ يعترف الإنجليز بأن رئيس الوفد رجل شجاع، وبأن رئيس الوفد رجل نزيه، وبأن رئيس الوفد رجل ثابت على الرأي، لا يضطرب ولا ينهزم، ثم يطلبون إليه بعد ذلك أمورًا لا تلائم الشجاعة ولا النزاهة ولا الثبات؛ فليس من الشجاعة أنْ يكون مصطفى النحاس زعيم الكثرة، ثم يضحي بحقوق هذه الكثرة ليرضي الإنجليز أو ليرضي قلة من المصريين، وليس من النزاهة أنْ يكون مصطفى النحاس أمينًا على حقوق الشعب، ثم يساوم في هذه الحقوق ليرضي الإنجليز وقلةً من المصريين، وليس من الثبات على الرأي أن يكون مصطفى النحاس مقتنعًا بأن أمور الشعب يجب أن تكون إلى كثرة الشعب، ثم يعلم بأن أمور الشعب يجب أنْ تكون إلى قلة ضئيلة من أبناء الشعب؛ ليرضي الإنجليز وفريقًا من المصريين.

هذا غريب قوامه التناقض والاضطراب وإيثار المنافع والاندفاع مع الأهواء، على أنَّ المسألة ليست رضا الإنجليز ولا غضبهم، وليست رضا القلة أو غضبها، وإنما هي رضا الحق من جهة وتربية الخلق السياسي في الشعب من جهة أخرى، وإقناع الإنجليز وأصدقائهم من جهة ثالثة بأن نهضة المصريين ليست لعبًا ولا مزاحًا؛ فالحق يريد أنْ تكون أمور الشعب إلى الكثرة في كل بلد ديمقراطي، وهذا رأي الوفد الذي لن يحيد عنه، وخطة رئيس الوفد التي لن يساوم فيها، وتربية الخلق السياسي تريد من الوفد ورئيسه إصرارًا على حق الشعب وثباتًا فيه، وهذا هو مذهب الوفد الذي لن يحيد عنه، وخطة الرئيس التي لن يجادل فيها، وإقناع الإنجليز وأصدقائهم بأن مصر لم تنهض لتلهو، وإنما نهضت لتجدَّ حتى تظفر بالاستقلال، يريد من الوفد ورئيسه ألا تُوضَع حقوق الشعب وآماله موضع الأخذ والرد لا موضع البيع والشراء. وهذا هو مذهب الوفد الذي لن يحيد عنه، وخطة الرئيس التي لن يقبل فيها نزاعًا ولا حوارًا، فإذا لم يكن بد من أخذ ورد، وإذا لم يكن بد من جدال ونزاع، فلتُرَدَّ إلى الشعب حقوقه قبل كل شيء، ولنقم الديمقراطية في مصر على أساسها الصحيح المتين، ثم يمكن بعد ذلك أنْ يكون الأخذ، والرد، والنزاع، والحوار بين الأحزاب في المسائل التفصيلية الثانوية التي تمس الحياة اليومية للناس، فأما الحقوق العليا للأمم فهي فوق المناقشة وفوق الجدال.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.