ينادي الرئيس روزفلت — ومن ورائه أمريكا — (بعالم واحد، وحريات أربع)، وفي الحرب الماضية نادى الرئيس ولسون بالمبادئ الأربعة عشر، ولكنها بعد تلك الحرب عادت إلى عزلتها وأبت أن تساير رئيسها، ولم تشترك في عصبة الأمم التي كان هو صاحب الفضل في فكرتها، فحرم العالم مزية ساعدها القوي، وقلبها الفتِي، وخلوها من الطمع الاستعماري، واللعب السياسي، وكانت الأمة الأمريكية على حق في نفض يدها من النظام الذي ثمرته تلك الحرب، غير أن العالم مع ذلك أفاد من مبادئ ولسون، ومن فكرة عصبة الأمم — وإن كانت قد حبطت — وأقل ما أفاده أنه اتجه إلى التفكير في نظام للحياة يكون أصلح، وأكفل بإعفاء العالم من الحرب وبلاياها.

وليس ثَمَّ ما يدل على أن أمريكا تنوي أن تَكُر راجعة بعد هذه الحرب إلى عزلتها القديمة؛ فقد ذاقت طعم العدوان عليها غدرًا في أقبح صورة وأشدها استفزازًا للنفس، صحيح أن أمريكا كانت تدلف إلى الحرب من تلقاء نفسها، ولكنها كانت تفعل ذلك بعقلها دون قلبها، ونعني بذلك أن ساستها كانوا يدركون أن الحرب آتية لا محالة، وأن أمريكا لا تنجو، ولا تأمن إذا انهزمت الديمقراطية في أوربا، وأن المحيطين عن يمينها وشمالها ليسا بسورين يحميانها، ولكن الشعب كان يحيا حياته العادية، ولا يشغل نفسه بما يشغلها به الساسة، وكان قصاراه أن يسخط على العدوان، ويستهول القسوة، ويأسى لفرنسا، ويُعجب ببريطانيا التي صمدت وحدها لأضخم قوة حربية شهد العالم بأسها وصولتها، ولكن العدوان وقع على الشعب الأمريكي فجأة، وعلى نحوٍ من الغدر يستخف الحليم ويستثير الجماد، فأما وقد سيق إلى الحرب بغير ذنب، واعتُدي عليه وهو يبسط يده التماسًا للصداقة والتعاون؛ فقد اعتزم لا أن يضرب عدوه ويغلبه فحسب، بل أن يجعلها آخر الحروب أيضًا، فلا مَعْدَى له — وهذا عزمه — من أن يشترك فيما بعد الحرب مثل اشتراكه فيها.

والحريات الأربع التي يدعو إليها الرئيس روزفلت وينادي بها ومن ورائه أمته العظيمة هي؛ أولًا: حرية القول والرأي، وثانيًا: حرية العبادة، وثالثًا: التحرر من الفقر، ورابعًا: التحرر من الظلم والاستبداد، وهي أركان أربعة تجمعها كلمة واحدة هي «الحرية» كما يفهمها الأمريكيون.

وتحقيق هذه الحريات هو الأمل اللائح الآن للإنسانية المنكوبة، والدعوة إلى ذلك، والمناداة به، والإلحاح فيه، وسيلة لتحريك إرادة العالم وتوجيهها إلى العمل على إدراك هذا الأمل، وجعله غاية يسعى ليبلغها، لا مجرد حلم يتراءى له ويتمنى أن يصدق.

ولا نحتاج أن نقول شيئًا في حرية الرأي والقول، أو حرية العبادة، أو التحرر من الظلم، ولكنا نحتاج أن نقول في التحرر من الفقر، فإن هذا يبدو للكثيرين مطلبًا لا يُنال، ولكنا ندير عيوننا في الأمم المتحاربة الآن فنُلفيها جميعًا قد استطاعت أن تنظم أمور الحرب وتعبئ قوى الأمة على نحوٍ أدى إلى محو البطالة والقضاء على التعطل، وكان المتعطلون في بريطانيا يزيدون على ثلاثة ملايين، وفي أمريكا يناهزون اثني عشر مليونًا، فأصبحوا جميعًا عاملين،؛ فالذي يستطيع أن يبني للحرب — أي للخراب — هذا البناء، لماذا يعجز عنه للسلم؟

وقد اقتضى التنظيم للحرب محو التميز وتضييق الهوة بين الغني والفقير؛ ففي بريطانيا مثلًا تساوى النبلاء وغيرهم في العمل للحرب، وفي حق الفرد في المأكل والملبس، وثقلت الضرائب المفروضة على الأموال حتى لم يبقَ في بريطانيا وأيرلندا الشمالية غير ستين أو حوالي ذلك يتجاوز ما يبقى لهم من مالهم في العام ستة آلاف من الجنيهات؛ وبذلك قل التفاوت الذي كان شديدًا بين دخل الغني ودخل الفقير، فقد زيدت أجور العمل زيادة غير هينة، ورُفعت إلى حد الكفاية.

وإذا قيل: إن الحرب اقتضت ذلك بما تكلف من نفقة باهظة وتتطلب من مال لا يكاد المرء يحسن حسابه لكثرته، بل لا يكاد يقوى على تصور جملته، فإن السلم لن يجيء بالكف عن الإنفاق على مثل هذه الصورة التي تُعيي الخيال، فإن مهمة التعمير والإصلاح والتنظيم وتحويل أداة الحرب إلى أداة سلم —لن تكون أقل كلفة من مهمة التنظيم للحرب والتدمير.

وهذا القضاء النسبي على التميز — وهو ما جاءت به الحرب — يجب أن يكون تامًّا شاملًا بعدها، فإن التميز لا معنى له ولا موجب، ولا فائدة، ولا عدل فيه ولا حق، وليس يجوز أن يتميز إنسان بغير جهده وفضله.

ولا بد كذلك من الحرية الاقتصادية إذا أُريدَ أن يكون للحرية السياسية — في أي صورة من صورها — وجود حقيقي، والحرية الاقتصادية تقتضي أن تكون هناك مساواة سياسية لا تمنع أن يجني كل امرئ ثمرة كَدِّه ومجهوده بالحق.

ولا داعي للقول بأن نظام الجماعة الذي يقوم على الاعتراف بأن أفرادًا منها ممتازون وأن آخرين لا يمتازون بشيء — أي همل — يؤثر في نظام التعليم ويوجهه هذه الوجهة أيضًا، ويشيع في الجماعة روح الأثرة،؛ فالعمل على تضييق المسافة أو الهوة بين الغني والفقير لا يقتصر على علاج الشطط في تكديس مال لا انتفاع به وإيتاء كل امرئ الكفاية في حياته، بل يمتد أيضًا إلى إصلاح نظام التعليم وإخلائه من روح التفريق والتمييز بين الناس.

وهذا وحده يُريك مبلغ المشقة في تحقيق الحريات الأربع أو إحداها، وكيف أن تحقيقها يقضي — لا محالة — إلى قلب النظام القائم الآن أو هدمه، ورفعه على قواعد جديدة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.