الفرق بين الحكم الدستوري وغيره فيما يُحس «رجل الشارع» — كما يقول الإنجليز — هو أن الأول (أي الحكم الدستوري) يفيده الشعور بالرضى والاطمئنان على حرياته وحقوقه، والقدرة على تغيير ما لا يروقه، وقد يكون الواقع خلاف ذلك، وربما جاء الحكم الفردي أحيانًا أصلح وكان أبعث على الارتياح، ولكنه — بالغًا ما بلغ من الصلاح — يسلب رجل الشارع هذا الشعور ويمنع نشوءه في نفسه؛ ذلك أنه يقوم على إرادة الفرد لا على إرادة الجماعة في أي مظهر من مظاهرها، فعمل الفرد من الأمة هو أن يسمع ويطيع، من غير أن يكون له اشتراك مباشر أو غير مباشر فيما يُلقى إليه من الأمر؛ وهو لذلك لا يستطيع أن يشعر أنه آمن على ما يتمتع به من الحريات أو يستعمل من الحقوق، وكل ما في يده من ذلك هو عرضة لأن يُسلبه، وسبيله أن يحتمل، أو أن يتوسل ويتضرع، أو أن يتمرد ويجنح إلى الانتقاض وهو يحتمل ما يسخطه ويتصبر ويتشدد، ويشقى صبره فيشكو، حتى إذا استنفدت الحوادث مجلوده خرج عن طوره وأعرض عن ذكر العواقب وثار، وهذا شر ما في الحكم الفردي، أو أي طراز من الحكم لا يتوقى هذه المغبة بأن يدع للشعب متنفسًا، ويترك له سبيلًا مشروعة يمضي منها إلى غايته من غير أن يشعر بوجوب اللجوء إلى العنف والثورة.

وليس كذلك النظام الدستوري؛ فقد يتفق أن يتولاه من يسيئون استعماله؛ فيَفشو الظلمُ في عهدهم وتثقل وطأة الحكم في ظلمهم على الناس، ويعظم الخطب ويشتد الكرب وتضيع المصالح وتُهمل المرافق، وتُنتهك الحريات وتُغصب الحقوق؛ ولكن الشعب أو رجل الشارع يبقى له شعوره الذي ينقد الموقف، وهذا الشعور هو أن في وسعه أن يغير هذا الحال، وأن يُنحِّيَ عن الحكم من لا يحسنونه، وأن يأبى عليهم الثقة التي مكنتْهم من ولاية الأمر؛ وذلك بإيثار غيرهم في الانتخابات التالية حتى يجيء يومها، فليس ليل الظلم عليه سرمدًا، ولا الكرب الذي يعانيه مخلدًا، وللأمل مضطرب واسع، وللسعي طريق معبد، وموعده يوم الانتخاب، وهو مهما بعُد قريب.

وصحيح أن رجل الشارع لا يتولى الحكم ولا يشترك فيه، وأن رأيه لا يقيد ممثليه، ولا نكران أن الأمور تجري من غير أن يَرجع إليه الذين يقطعون فيها برأي، وغير مردود أن الأمر يخرج من كفيه بعد أن يُبدي رأيه يوم الانتخاب، وأنه لا يملك بعد ذلك أن يكبح المسيء أو يرد المخطئ إلى الصواب، ولكن له مع ذلك عزاءً مزدوجًا؛ هو أن حرياته وحقوقه وديعة في يد القضاء يحميها ويرد عنها من يريدها بالسوء، ثم إن المصير على كل حال إلى رجل الشارع، والأعوام تمر والأيام تنقضي، ثم يعود الأمر إليه ويحتكم المتنافسون على الحكم إلى إرادته واختياره، وفي مقدوره حينذاك أن يُشيح بوجهه عن الذين أساءوا السيرة وأن يُؤْثر عليهم غيرهم ممن يكون هو أحسن بهم ظنًّا.

وصحيح كذلك أن رجل الشارع ليس بالأخصائي في الفقه الدستوري، وأنه لا يستطيع أن يزن الدستور من هذه الناحية وزنًا دقيقًا محكمًا لا يغل شعيرة، ولكن غير صحيح أنه عاجز عن تكوين فكرة مجملة عن الدستور وروحه؛ فإن في وسعه — وإن أعياه أن يورد النصوص ويستشهد بالمبادئ والأحكام — أن يَخرج لنفسه برأي صحيح في جملته عن روح أي دستور، وليس يخفى عليه فرق ما بين دستورين: واحد يُضيق سلطة الأمة وآخر يُوسعها، أو واحد يجعلها هي المرجع في الظاهر، وثانٍ يجعلها كذلك في الحقيقة، وليس عجزه عن الجدل الفقهي بمانع أن يكون ما استقر في روعه صحيحًا على العموم، ومن الجهل بالحقائق أن يتصور الإنسان أن رجل الشارع مخلوق لا يُعنَى إلا بطعامه وشرابه، ولا يتقبل ذهنه ما يعدو حاجاته المتصلة بوجوده الحيواني؛ فقد يكون بُعده عن البحوث الفقهية المعقدة أَعوَن له على صحة التفكير واستقامته، وأضمن لخلو تفكيره من الاضطراب الذي يؤدي إليه تشعب البحث وتعارض الآراء، وأدْعى إلى أن تكون النظرة مستقيمة لا عوج فيها، ورجل الشارع ينظر إلى الحقائق ويقيس إليها كل شيء، ولا يتعلق بالكلام النظري؛ لأن حياته عملية، وكذلك أساليبه في معالجة الأمور وفي فهم الأشياء، ومن هنا كان حكمه على الأمور حقيقًا بأن يكون أصدق؛ لأنه يحكم عليها وهو مواجه للحقائق الواقعة غير مغالطٍ نفسَه فيها، أو ضال بينها كما يضل الواسعُ العلمِ العميقُ التفكيرِ، وإن كان جمهور الناس على خلاف هذا الرأي، وكانت العقيدة الشائعة أنه كلما كان الإنسان أعلم وأكثر تفكيرًا، كان أَسَدَّ لذلك نظرًا وأهدى سبيلًا، وبحسبنا في دفع هذا الوهم الذي يركب الناس أن نقول إن العامة كثيرًا ما يكونون أفهم للحياة وأشد توفيقًا في الاهتداء إلى حقائقها، ولكل أمة أمثالها الشائعة الدائرة على الألسن، وهذه الأمثال كنز عظيم، من هم الذين يضعونها ويفرغونها في القوالب التي تجعلها أَسْيَر وأذيع وأسهل في الترديد؟ ليسوا هم العلماء والمفكرين، وإنما هم العامة والأميون، وعامَّةُ كل أمة هم الذين يختزلون حكمة الحياة ويلخصون تجارب القرون، ويختصرون الحقائق الخالدة في ألفاظ قليلة تذهب مثلًا، وليس على من شاء إلا أن يحضر إلى ذهنه طائفة من أمثال العامة، ويتدبرها ليرى إلى أي عمق يصل العامة في التعبير عن حقائق الحياة وفي اختزال حكمة التجارب، وكون هذه الأمثال الحكيمة العميقة تجري على ألسنتهم وتصدر عنهم بلا عمد — لا ينفي أن الذهن الذي ابتدعها وأحسن العبارة عنها قد شُغل بها، وأنها هي قد دارت فيه وظلت تتكون حتى انتهت إلى البروز في صورة تامة يصح إلقاؤها إلى الناس، ويستطيع الناس أن يتلقفوها بسهولة.

فكون رجل الشارع أخصائيًّا في الفقه الدستوري ليس معناه أنه لا يفهم ولا يدرك الأشياء على وجهها الصحيح، ومن ظن غير ذلك فقد خدع نفسه وغشها؛ ومن هنا هذا الامتعاض العام من الدستور الجديد، وهو امتعاض تستغربه الوزارة الحاضرة وتظنه راجعًا إلى فعل خصومها، وتتوهم أن رجل الشارع إذا تُرك وشأنه وبقي بمنجى من تأثير هؤلاء الخصوم، خليق أن يرضى آخر الأمر عما يتسخط الآن من هذا الدستور، ولا شك أن خصوم الوزارة لا يكتمون رأيهم في الدستور الجديد، ولا يحجمون عن بث نقدهم له وإفشاء اعتراضهم عليه، ولكنه لا شك كذلك أن الامتعاض العام راجع في مَرَدِّ أمره إلى ما استخلصه الناس من روح هذا الدستور، وانتهوا إلى الاعتقاد فيه من غير أن يكون لخصوم الوزارة أثر يذكر في إحداث هذا الشعور، والقول بغير ذلك لا يكون إلا عن جهل لروح الجماعات وقلة فهم لطبيعتها وسوء رأي فيها.

ورجل الشارع لا يجد أنه يفيد من هذا الدستور الجديد ذلك الشعور الذي أسلفنا الكلام عليه في مستهل هذا المقال، وقد يشق عليه أن يبيِّن علة بنص الأحكام التي اشتمل عليها الدستور، ولكن هذا لا قيمة له؛ لأنه يَعرف — وحسبه هذا — أن الدستور لا يجعل الأمر إليه حتى يوم الانتخاب، وأنه لم يعد ذلك المرجع الأخير الذي كانه بمقتضى الدستور الذي ألغته الوزارة، فليس في وسعه أن يُحس برضًى أو يشعر باطمئنان على حرياته أو حقوقه، أو أن يتعزى عما يسخطه بأن في مقدوره حين يكر المختلفون إلى الاحتكام إلى إرادته، أن يجعل لهذه الإرادة المظهر الذي يُؤْثره، بنقل ثقته من فريق إلى فريق، وإذا عدم رجل الشارع هذا الشعور فماذا يبقى له؟ وأي فرق يكون عنده بين نظام دستوري وآخر غير دستوري؟

ورجل الشارع كتلة بطيئة ولكنها لهذا وطيدة، وكذلك الحق، وقد يستخف بها الذين يحسبون أنهم من طراز المتفوقين، ولكنهم لا يستطيعون أن يتقدموا خطوة من غير هذه الكتلة، وليس المهم — آخر الأمر — ما يفعله أو يفكر فيه المتفوقون، بل ما تتقبله وترضى عنه وتأخذ به هذه الكتلة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.