كأنما كانا على ميعاد، فالأم الحَنون وهي فرنسا — كما تُسمَّى في بعض البيئات اللبنانية — ثائرة في غرب البحر، وهي تشغل العالم بثورتها تلك، والابن البارُّ — وهو لبنان بالطبع — ثائر في شرق البحر الأبيض المتوسط، وهو يشغل العالم بثورته أيضًا.

ومظهر الثورتين مختلف فيما ترى العين وتسمع الأذن، ولكن الغاية من الثورتين واحدة، وستتكشف الأيام عن عواقب هاتين الثورتين. أما في غرب البحر الأبيض المتوسط، فالجيش هو الذي بدأ الثورة في الجزائر مطالبًا بأن ينهض شارل دي جول بأعباء الحكم، ونهوض شارل دي جول بأعباء الحكم معناه وقف الحياة الدستورية، وصرف النواب والشيوخ إلى شئونهم الخاصة يدبرونها كما يشاءون أو كما يستطيعون، وصرف رئيس الجمهورية إلى شئونه الخاصة يدبرها كما يشاء أو كما يستطيع، واستئثار الجنرال دي جول بشئون الحكم كلها يأخذها بالقوة ويديرها بالقوة ويسيطر على الشعب الفرنسي سيطرة الحزم والعزم؛ ليعلمه كيف تكون الطاعة وكيف يكون الإذعان، وليوجهه بعد ذلك إلى قمع الثورة في الجزائر، وإلى أخذ ما بقي لفرنسا من المستعمرات بالشدة التي تُعلِّمها كيف تذعن وتطيع وكيف تيأس من الحرية وتكف نفسها عن الطموح إلى الاستقلال، ثم ليعيد إلى فرنسا — فيما يزعم — بأسها وهيبتها، ويفرض إكبارها وإجلالها على العالم كله، ويؤدب تلك الأقطار التي كانت خاضعة لسلطان فرنسا ثم ظفرت بالاستقلال في أيام الضعف والفتور، يؤدبها أدبًا يصدها عما تطالب به من جلاء الجند الفرنسيين عن تونس ومراكش، وأدبًا يُعلِّم دول الهند الصينية كيف تؤمن بأن الحياة في ظل فرنسا أجدر بها وأنفع لها وأجدى عليها من الحياة في ظل الاستقلال.

كذلك يظن الجنرال دي جول ويظن دعاته وأتباعه ومعاونوه، فطبيعة الأشياء وقوانين التقدم والرقي وهذه الأصول التي تدعو إلى أن يكون للشعوب المستضعفة حقها في شيء من العزة والقوة وتقرير المصير.

كل هذه الأشياء لا تثبت أمام الجنرال دي جول، وهو الذي لم تثبت أمامه قوة مهما تكن. أليس قد خلق فرنسا خلقًا جديدًا، ورد إليها الإيمان باستقلالها والثقة بنفسها، وأجلى عنها جيوش هتلر. ولا عبرة بما يقول التاريخ ولا بما يتحدث به الناس من أن الجيوش الأمريكية والإنجليزية هي التي أجلت الألمان عن الأرض الفرنسية، وأن فلول الجيش الفرنسي لم تعد إلى المشاركة في الحرب إلا متأخرة، ذلك أن الجنرال دي جول قد استقر في نفسه أنه الرجل القوي الذي لا يشبهه أحد في قوة العزيمة وسداد الرأي ومواجهة المشكلات وحل المعضلات والنفوذ من الخطوب، وهو من أجْل ذلك لا يزيد حين يتولى الحكم على أن ينفذ ما كلفته الأقدار من إنقاذ فرنسا من نفسها وإخراجها من ضعفها وردها إلى ما كانت عليه أو إلى خير مما كانت عليه قبل أن تدركها الهزيمة. ولكن الشعب الفرنسي نفسه لا يريد هذا الإنقاذ ولا يحب إلا أن يظل كما هو، وأن يخلص من هذه المشكلات الخارجية السخيفة التي تُسفك فيها دماء أبنائه وينفق عليها حر أمواله، لا يحب إلا أن يعيش خالصًا لحياته التي يرضاها، حياة الدعة والرخاء والاستمتاع بطيبات الحياة ما وجد إلى هذا الاستمتاع سبيلًا.

فالجيش إذن ومعه الجنرال دي جول ثائران على الشعب لا على هذه الحكومة أو تلك من حكومات فرنسا، هما ثائران يريدان أن يقويا هذا الشعب على رغمه وأن يردا إليه بأسًا وقوة قد زهدا فيهما وانصرف عنهما.

والشعب يريد أن يقاوم وأن يدافع عن حياته الهادئة الراضية المطمئنة، ولكنه لا يملك من وسائل المقاومة إلا الصياح والجلبة والاحتجاج والإنكار والمظاهرات والتجمع في شوارع باريس.

هذه حال الأم الحنون. أما الابن البار في شرق البحر الأبيض المتوسط، فأمره مختلف في مظهره، وهو في حقيقته مشبه لأمر أمه الحنون الرءوم، ظاهر أمره أن الشعب ثائر بالحكومة يريد أن يزيل رئيس الجمهورية ووزراءه عن مناصبهم.

وهو من أجل ذلك يجمع الجموع ويأخذ المدن والقرى ويكاد يحصر رئيس الجمهورية ووزراءه في العاصمة، وقد يتحدث بالزحف على العاصمة. والحكومة تدافع عن نفسها بما تملك من قوة وبما تستمد من عون العاطفين عليها والمؤيدين لها في الشرق العربي وفي الغرب الأمريكي البريطاني والفرنسي أيضًا، لولا أن الأم الحنون الرءوم مشغولة بنفسها لا تملك أن تسعف ابنها بالقوة، فهي تسعفه بالرأي والمشورة، ولكن واقع الأمر في لبنان لا يختلف عن واقع الأمر في فرنسا.

والثورة في لبنان لا تأتي من الشعب في حقيقة الأمر، ولكن تأتي من رئيس الدولة ووزرائه؛ ذلك أن الشعب لم يرد أن يغير الدستور ولا أن يبدل شيئًا من شئون الحكم، وإنما الرئيس والوزراء هم الذين همُّوا به وكادوا ينفذون ما أرادوا.

والسؤال الذي يجب أن يُلقى وأن يكون الجواب عليه صريحًا لا لبس فيه ولا غموض، هو: مَن الذي يملك تغيير الدستور وتبديل الأوضاع، أهو الشعب الذي هو مصدر السلطات والذي وُضِع الدستور له وصدر باسمه، والذي ليس مصدر السلطة التشريعية وحدها بل هو مصدر السلطة التنفيذية والقضائية أيضًا؟

والأصل كذلك أن الشعب هو السيد وأن رئيس الجمهورية ووزرائه خدام لهذا الشعب. فإذا أراد الخدام أن يطغوا على سيدهم وأن يغيروا حياته على رغمه، فحق الشعب في المقاومة وحقه في إزالة المعتدين عليه ومحاكمتهم وعقابهم على ما هموا به — هذا الحق واضح لا يجادل فيه إلا المحمقون.

وأغرب ما في الثورة اللبنانية أن الخدام الثائرين بالشعب الكائدين له المعتدين على حقه في السيادة يستنجدون بغيرهم من الحكومات؛ فتسرع إلى إنجادهم وترسل إليهم الرجال وأدوات القتال والفتك دون أن يجد هؤلاء المنجِدون من الشرقيين والغربيين حرجًا في أنفسهم من نصرة الجور على العدل والباطل على الحق والظالم على المظلوم.

ولا يجد خدام لبنان في أنفسهم حرجًا من هذا التدخل الأجنبي بينهم وبين سيدهم الشعب، فإذا لزمت الجمهورية العربية المتحدة الحياد وآثرت موقف الحق والعدل وأبت أن تدخل في شئون بلد مستقل؛ شكاها خدام لبنان إلى مجلس الأمن أولًا وإلى الجامعة العربية ثانيًا. ذلك لأنهم يؤمنون بأن من ليس معهم فهو عليهم، ولو قد أسرعت الجمهورية العربية المتحدة إلى نجدتهم وأرسلت إليهم رجالًا وسلاحًا، لحمدوا لها ذلك أصدق الحمد، وشكروا لها ذلك أجمل الشكر، وأثنوا عليها من أجل ذلك أذكى الثناء. ولست أدري لِمَ لَمْ تصنع الأم الحنون صنيع الابن البار، فتشكو الجمهورية العربية المتحدة إلى مجلس الأمن، فمن يدري لعل رئيس هذه الجمهورية أن يكون قد أغرى الجيش الفرنسي في الجزائر والجنرال دي جول في فرنسا بالثورة، أو لعله أن يكون قد أغرى الشعب الفرنسي بمقاومة هذه الثورة؛ فهذه الجمهورية ورئيسها هما الأصل في كل مشكلة تُثار أو يمكن أن تُثار في أي مكان من الأرض في الشرق والغرب.

وكم كنت أود أن تصنع الأم صنيع ابنها فتشكونا إلى مجلس الأمن، فحياة الناس في هذه الأيام محتاجة إلى ما يُضحك. أو أن يصنع الابن صنيع أمه فيكف عن هذا السخف ولا يجمع مجلس الأمن ومجلس الجامعة في غير طائل.

ولكن عقول الناس ليست في أيدينا ولا في أيديهم، وإنما هي في أيدي هذه الأهواء المختلفة المتناقضة.

فلنضحك الآن من صنيع الابن، فعسى أن تُضحكنا الأم بمثل هذا الصنيع أو بشيء أدعى منه إلى الضحك والتسلية.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.