ألقى الأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني محاضرة في موضوع الرأي العام المصري، في القاعة الشرقية في الجامعة الأمريكية، قال فيها بعد تمهيد:

لا بد من تنبيه أستهل به الكلام: هو أني أهملت الجانب السياسي في بحثي هذا، وأنا أول من يعترف أن هذا نقص وأنه يضيق مجال الكلام، ويأخذ على الباحث متوجهًا رحيبًا كان يستطيع أن يركض فيه ركضًا طويلًا، ولكنا في زمن حرب، وللحرب مقتضياتها التي لا مفر منها ولا حيلة فيها ولا فائدة من محاولة تجاهلها، والحرب عرض أو مرض إذا شئتم، يعتري الأمم ويقلب الأوضاع فيها، ويعكس الآيات كلها، فهي حالة لا يقاس عليها لأنها الشذوذ والاستثناء، وفتراتها تمر وتترك أثرها ولا شك، ولكن المعول على حياة الأمم في أزمنة السلام، وحياة الأفراد في أوقات الصحة، وإن كانت الحرب أو العلة قد أورثتها ما لا يخفى ولا يتعذر رده إلى أسبابه، في الأغلب والأعم من الآراء والاتجاهات وغير ذلك.

والذي فهمته من العنوان الذي اختاره قسم الخدمة العامة في الجامعة الأمريكية، وهو «الرأي العام المصري» هو أن المراد بيان خصائص هذا الرأي العام، وما يتميز به، وليس الجانب السياسي إلا مظهرًا يتخذه الرأي العام، في حالات وأوقات معينة، والمظهر شيء والخصائص شيء آخر، والعبرة بالخصائص التي تجعل هذه المظاهر ممكنة، كالثمرة تخرجها الشجرة وتطرحها، ولا سبيل إلى ثمرة بغير شجرة، وقد تطيب الثمرة أو لا تطيب، والمرجع في ذلك إلى الشجرة، وإذا أردت أن تجعل الثمرة أطيب وأنضج وأحلى، فإن عليك أن تعالج الشجرة لا الثمرة.

من أجل هذا لا أرى أن إهمالنا الجانب السياسي للرأي العام في مصر، وفي زمن الحرب يضير البحث، وإن كان لا ريب في أنه يترك الحلبة أقل سعة.

***

وقد سبقني إلى الكلام عن الرأي العام وبيان حقيقته والعناصر التي يتكون منها أستاذان جليلان، هما الدكتور إبراهيم بيومي مدكور، والدكتور محمد مظهر سعيد، ولكنه فاتني لسوء حظي أن أسمع محاضرتهما، لعوائق لم تكن لي في تخطيها أو تذليلها حيلة، وكان بحثهما خليقًا أن يكون عونًا كبيرًا لي، ولكني حُرِمته فلم يبقَ لي إلا أن أتوكل على الله وأسأله أن يستر ضعفي وقصوري.

سئل بعضهم عن الرأي العام ما هو؟ فكان الجواب أنه الناس جميعًا ما عدانا نحن، أيْ المتكلم والمخاطب، وهذا الجواب يشي بالرغبة في التظاهر بالاستخفاف بما يسمى الرأي العام، وقد قلت «التظاهر بالاستخفاف» ولم أقل «الاستخفاف»؛ لأن الحقيقة — على قدر ما أعلم — هي أنه ما من أحد في أطواء ضميره يستخف أو يرى من حقه أن يستخف بقوة الرأي العام، وإنْ تظاهر بخلاف ذلك. ولعل أصح التعبيرين أن نقول إن جواب صاحبنا مظهر للرغبة الطبيعية في التميز، أيْ الخروج من العموم، والدخول في الخصوص، فإن كل إنسان يشتهي أن يُعَدَّ متفردًا بمزية تبوِّئه مرتبة خاصة، وتسلكه مع القليلين المتفوقين، وترفعه عن طبقة الأكثرين العاديين الأوساط.

ولجواب صاحبنا — على الرغم مما انطوى عليه — وجه صحيح، هو أن الرأي العام هو رأي الكثرة من الناس، أو الجمهور أو الجماعة الكبيرة، ولكنه ليس رأي الفرد الذي ينتهي إليه فيما بينه وبين نفسه، أو الذي يقنع به ويذهب إليه بعد البحث مع واحد أو اثنين أو عدد قليل محدود من الناس.

وعسى أن يسأل سائل: هل معنى هذا أن رأي الفرد وهو وحده في أمر ما يخالف رأيه حين يكون في جماعة كبيرة؟ وهل وجوده في جماعة كبيرة يدفعه إلى غير ما كان خليقًا أن يذهب إليه وهو خالٍ بنفسه؟

وجوابي أن أسوق عبارة للباحث المشهور ماكس نورداو بمعناها لا بلفظها، وهي من فصل له في كتابه «الأكاذيب المقررة في المدينة الحاضرة» وفي هذا الفصل يتكلم عن المجالس النيابية وجدواها، وقد فرض أن مجلسًا نيابيًّا كل أعضائه من طبقة العظماء والعباقرة في كل باب، مثل: شكسبير، وبيكون، وجوتيه، وكانت، وداروين، وبيتهوفن، ونابليون، والإسكندر الأكبر، وهومر، وسقراط، وأفلاطون، وأرسطو، وأضراب هؤلاء من جميع الأمم والعصور.

وقال لنفرض أن خمسمائة من هذه الطبقة التي لم تنجب الإنسانية أرفع منها اجتمعوا في صعيد واحد، فماذا تكون النتيجة؟ وقال في جواب ذلك: إن كل واحد من هؤلاء العظماء الذين يعيي الزمان مكان أندادهم ينفرد بمزية، ويشبه الآخرين فيما عدا ذلك مما يُعَدُّ صفات أو طباعًا إنسانية عامة مشتركة، فلشكسبير شاعريته، ولكانت فلسفته، ولبيتهوفن نبوغه في الموسيقى، وللإسكندر عبقريته الحربية، وكل واحدة من هذه المزايا أو المواهب قائمة بنفسها مستقلة عما عداها، لا تشبه الأخريات ولا تماثلها أو تقاربها أو تأتلف معها، ولكن هؤلاء جميعًا على تفاوت مواهبهم خلق واحد، فطرته واحدة، فإذا رمزنا إلى العنصر الإنساني المشترك بحرف (ع) وإلى كل موهبة ينفرد بها واحد منهم ويتميز بحرف خاص مستقل، اجتمع عندنا خمسمائة (ع) وأَلِفٌ واحدة وبَاءٌ واحدة وجِيمٌ واحدة وهكذا. والقاعدة الحسابية التي تعلمناها في المدارس هي أن المختلفات لا تُجمَع لأنها لا تأتلف، وإنما يُجمَع ما هو من نوع واحد، وكما أنك لا تستطيع أن تقول عندي خمس برتقالات إذا كان عندك برتقالة واحدة وتفاحة واحدة إلى آخره، كذلك لا تستطيع أن تجمع هذه المواهب المتفاوتة، فالنتيجة إذن هي أن خمسمائة عين مجتمعة، مؤتلفة، تتكون منها كتلة أو قوة تقابل وتواجه وتقاوم مواهب متنافرة لا تتساير، ولا تتعاون، ولا تتجمع، ولا تتألف منها قوة واحدة متآزرة، ومؤدى هذا أن العنصر الإنساني المشترك بين هؤلاء العظماء المحشورين يتغلب بقدرته على الائتلاف على المواهب المتفرقة المختلفة التي يتميز بها كل منهم، فلا يبقى لهذه المواهب فعل أو تأثير فيما يسفر عنه اجتماعهم من رأي، وإنما يكون الفعل والأثر للعامل الإنساني المشترك.

ولا داعي إلى مسايرة ماكس نورداو إلى غايته، وهي أنه لا فرق بين مجلس نيابي من الأوساط العاديين، ومجلس آخر من العظماء إذا اعتبرنا النتيجة، وهذا بحث آخر لا يعنينا هنا فلا نستطرد معه إليه، وحسبنا الحقيقة الثابتة، وهي أن الجماعة تتأثر بقوة العوامل الإنسانية المشتركة لا بالمزايا والمواهب الفردية؛ لأن هذه لكونها مفردة لا تستطيع أن تقاوم ما اجتمع من تلك، ومن هنا ما يسمونه روح الجماعة، وقد لا يرضى الفرد عنها وهو بمعزل، ولكنه وهو في الجماعة ينساق معها عن رضًا واختيار، أو بقوة اندفاع التيار الذي لا يملك وحده صده.

ويجوز لنا الآن أن نقول إن الرأي العام هو مظهر روح الجماعة لا روح أفرادها كل على حدة، أو هو التيار الذي تحدثه الخصائص المشتركة بين الشعب، وقد لا يكون هذا تعريفًا علميًّا مضبوط الحدود، وما أظن أن في الوسع تعريف الرأي العام على وجه الدقة، ولكني أظن أن ما وصفته به — وإن خلا من الدقة والإحكام — كافٍ في التعريف به وبيان المقصود منه.

وأعود إلى جواب مَن سئل عن الرأي العام فقال: إنه الناس جميعًا ما عدانا، فأقول: إنه لا سبيل إلى إسقاط هذا الرأي العام من الحساب؛ لأنه يسيِّرنا برغمنا ما دمنا مخلوقات اجتماعية بالطبع، وليس في وسع أحد أن يحيا في عزلة تامة، ومهما بلغ من استقلال الفرد فإنه مضطر أن يحسب لهذا الرأي العام حسابه، في كل ما يصدر عنه من قول أو عمل، وليكن المرء منا أديبًا أو سياسيًّا أو محاميًا أو طبيبًا أو معلمًا أو عالمًا، فإن للرأي العام حسابه عنده، سواء أعترف بذلك أم أنكره وكابر فيه.

وليس من الضروري أن يكون الرأي العام مخطئًا في كل حال، أو مصيبًا في كل حال، فإنه يخطئ ويصيب، ويضل ويهتدي، ولا ضابط لهذا ولا قاعدة، ولكنه، أخطأ أم أصاب، يفرض علينا اتجاهات عامة يتعذر التعرج عنها، ولا معزى لنا عن مراعاتها إلى حدٍّ ما إذا أردنا أن تكون حياتنا محتملة، ودَعْ عنك النجاح فإن رضا الرأي العام شرط ولا سبيل إليه بغيره.

والآن نستطيع أن نقول كلمة في رأينا العام المصري، فكيف هو، وما هي خصائصه؟

وأبدأ فأقول إن خصائص الشعوب معظمها موروث، وليس في وسع شعب أن يتخلص من أثر التاريخ الطويل والعقائد والتقاليد التي يتلقاها جيل عن جيل، وما خلفته في نفسه أطوار الحكم المختلفة التي تعاقبت عليه، ولا شك أن للتعليم والتربية أثرهما في التهذيب والصقل، ولكن الصقل لا يغير الأصل ولا يعدل بالطباع عن متوجهها.

والذي يعرف المصريين معرفتهم يستطيع أن يفطن إلى اتجاه الرأي العام في كل حال، فلا تخطئ فراسته، وهذا كلام يصدق على كل أمة في الحقيقة، ومن أجل هذا نرى كثيرين يستطيعون أن يعرفوا سلفًا هل يقبل الرأي العام هذا الأمر أو لا يقبله، وماذا عسى أن يكون مبلغ رضاه عنه أو تسامحه فيه.

والمصري بطبيعته ليِّن العريكة، شديد التسامح، طويل الأناة، عظيم الصبر، ولكن فيه عنادًا شديدًا، ولجاجة قوية فيما يأخذ فيه، وله قدرة عجيبة على الاحتمال، وفيه فكاهة يركب بها كل شيء، وروح فنية واضحة وإيمان عميق، وسوء ظن تركته في نفسه — وكادت تطبعه عليه — حقبٌ طويلة من الحكم الظالم المتعسف.

وليس في الوسع بطبيعة الحال أن يرتب الإنسان الخصائص القوية على نحو ما تُرتَّب الكتب على رفوفها، فإنها تتزاوج وتتفاعل ويتسرب بعضها في بعض كما تتسرب الموجة في الموجة، ويكون أثر بعضها أوضح وأبرز في حالات أخرى، ولكني أعتقد أن ما ذكرته من الخصائص الكبرى هو أبرز ما يتميز به المصريون ويختلفون به عن غيرهم من الشعوب، ولست تعدم هذه الصفات في أمم أخرى، ولكنها في المصريين معرقة في القِدَم.

وعناد المصريين وقدرتهم على الاحتمال إلى حدٍّ حَمَلَ البعض على وصفهم بالبلادة، وعادتهم في تهوين الأمور بالفكاهة، وركوب ما يكرهون بها — هذا فيما أعتقد هو الذي حماهم أن يندمجوا في الأمم الأخرى التي فتحت بلادهم وحكمتهم أزمنة مديدة، وصان عليهم شخصيتهم، بل أفنى فيهم الأمم الفاتحة، وذلك على الرغم من عظم تسامحهم وفرط اللين في عريكتهم.

ونستطيع أن نقول إنه لا تناقض هنا، فإن شدة تسامحه مرجعها إلى شعوره الباطني بقوته الكامنة وقدرته على المقاومة إلى ما شاء الله بغير عناء، ولين عريكته راجع إلى الذكاء الفطري الذي يحول دون المغالاة بشيء، ويعين على أخذ الأمور مأخذًا سهلًا، وركوب الحياة بالفكاهة يوسع الصدر، ويهون الأمور، وييسر الاحتمال، ومتى أطلقت على عدوك نكتة تجعله موضع استهزاء ومضغة في الأفواه، فإنك تشعر له باستخفاف ولا تشعر بغضب يحتدم ويدفعك إلى النزق والعمل الأخرق.

ومن هنا نرى الرأي العام المصري يظهر بعاطفته — أيْ بالإعجاب أو الحب، أو المقت والنفور، أو الاحترام أو الاحتقار، وبحكمه على الأمور ورأيه فيها — أكثر مما يظهر بعمله، أيْ أن الرأي العام المصري يجتزئ في الأغلب والأعم بالعاطفة يظهرها، والرأي يبديه، والحكم يتجلى من موقفه، ويندر جدًّا أن يجاوز ذلك إلى فعل يفعله.

وقلما تتغير عاطفته؛ لأنه يألفها ويحبها، ولأنه ينفر من التحول عما اعتاد كما يدل على ذلك تاريخه الطويل الحافل، ويصعب أن يغير رأيه لهذا، ولأن فيه كما أسلفت عنادًا ولجاجة، ثم لأنه سيئ الظن يتلقى كل جديد أو طارئ بنظرة المستريب غير المطمئن.

وقد قيل فيه إنه سريع النسيان، وقد يكون هذا من التسامح، أو لعله من الإهمال أو الجهل، أو لأنه يشغل بالحاضر عن الماضي، على أني أشك في نسيانه، وأردُّ ما يبدو من ذلك إلى الكسل العقلي، وعسى أن تكون التربية القومية كافية في علاج ذلك.

وتمتاز سيرة المصري بعمق إيمانه بالقضاء والقدر، وقد طوفت في بلاد كثيرة، وخالطت أقوامًا كثيرين من غير المصريين، فلم أرَ مثل إيمان المصري بالقضاء والقدر، وأحسب أن هذا هو الذي يُكسِبه هذا الجَلَد الذي لا نظير له، ويحمي صبره أن ينفد، ويهوِّن عليه كل ما يعاني، ويُعِينه أيضًا على التغلب على ما يكره.

وفكاهته مضرب المثل في البراعة وإصابة المحن، وفي سرعة الخاطر بها، ولا أظن أن بي حاجة إلى كلام في هذا، وما أكثر ما محا المصريون أثر عمل، بل ضيعوا رجالًا بنكتة، والفكاهة كما تعلمون مظهر لصحة الإدراك، ودقة الفطنة، ولتعدد جوانب النفس، وكثير من فكاهة المصريين لفظي، أيْ أن مداه على اللعب بالألفاظ المتشابهة أو المتقاربة، ولكن كثيرًا منها معنوي، ينفذ إلى الصميم، ومن ولع المصريين بالفكاهة أنهم اتخذوا من النكتة فنًّا، وكانوا يتساجلون فيها ويتنادرون، وكانوا يعقدون لذلك حلقات، وأكثر ما كانت تُشاهَد هذه المساجلات في الأفراح التي كانت تقام في الجيل الماضي، ولا تزال لهذا بقية في الأرياف، وقد انحط هذا الضرب من النكتة حتى صار محفوظًا لا فضل فيه للابتكار أو سرعة الخاطر وحضور الذهن، ولكن النكتة المصرية ارتقت بعد أن خرجت من هذا النطاق التقليدي، وعادت من وحي الفطرة وإلهام السجية، ومن اشتهار المصريين بالفكاهة قال فيهم قائل: إنه لو كانت الحرب بالنكتة، لفتح المصريون لندن.

والفكاهة المصرية مظهر لروح الفن الأصيلة العريقة في المصريين، وقد ينكر البعض أن المصريين مطبوعون على روح الفن، لقلة ما يرون من مظاهرها في عصرنا هذا، ولكنك لا تستطيع أن تنكر على مصر روح الفن وهذه آثار أجدادهم الأقدمين ما زالت قائمة، وليس من المعقول أن ينعدم روح الفن في أمة هذه براعات أسلافها الباقية على الزمن.

وتأملْ طرب المصري للغناء، وكيف يستخفه الصوت والشدو الجيد والإيقاع الحسن، بل تأملْ كيف يؤثر الأصوات المرتجلة على الأصوات المصوغة المعدة، ويفضل المغني الذي يستطيع أن ينتقل من نغمة إلى نعمة على البديهة وارتجالًا، أليس هذا من روح الفن التي طُبِع عليها المصريون؟ وليس معنى هذا أن غير المصريين لا يطربون، فإن هذا يكون هراء، ولكن حب المصريين للارتجال وتفضيلهم ذلك على الأصوات المحضرة التي يلتزمها المغني ويتقيد بها ولا يخرج عنها، دليل على ما أذهب إليه من انطباعهم على روح الفن.

وقد يُعلَّل تفضيل الارتجال بأن الموسيقى ما زالت عندهم فنًّا لم يرتقِ إلى مرتبة العلم المضبوط، كما صارت في الغرب على قول أهل العلم بذلك، وقد يكون هذا صحيحًا أو غير صحيح، فما أدري، فإن مبلغ علمي بالموسيقى أن أسمع فأطرب، ولكن الذي أعلمه أن موسيقانا وإن كانت لا تزال فنًّا، مضبوطة القواعد والأصول وليست فوضى، وإني على جهلي أشك في أن تستطيع الموسيقى أن تصبح علمًا محكمًا كالحساب والجبر، وأن تحتفظ بقيمتها الفنية ووقعها البالغ في النفس إذا خرجت من الفنون وانتظمت في سلك العلوم من أمثال الكيمياء والطبيعة وما إلى ذلك.

وقد تكون مظاهر الفن في حياة المصريين قليلة، ولكن هذا من الجهل والفاقة، والعبرة على كل حال ليست بما عسى أن أقتني في بيتي من صور وتحف، وأنسق هنا وهناك من زهر وورد، وأقتني من أثاث جميل، فقد يتيسر لي كل هذا إذا كنت صاحب مال، ولا يكون هذا دليلًا على إدراك لقيمتها الفنية، والعبرة بالإدراك والشعور ونزعة النفس، وقد تكون مظاهر ذلك ساذجة أو في نطاق ضيق، غير أن الذي عليه المعول هو وجود الإدراك وحصول الشعور، أما المظاهر فقد تكون راجعة إلى الطاقة والقدرة.

وكل هذا يبدو أثره في الرأي العام؛ لأن الرأي العام مرجعه إلى الخصائص القومية، والمزاج الذي هو أغلب.

وقد لوحظ على رأينا العام أنه طويل اللسان، ولست أرى هذا مستغرَبًا أو بدعًا، فإن مثله يمكن أن يقال في كل رأي عام آخر، وطويل اللسان خير من طويل اليد، على أن الأمر طبيعي لأن الجماعة أجرأ، والمعهود أن الجماعة تكون أيضًا أحطَّ مستوى من الفرد، وفي كل أمة أفراد ممتازون بسمو الأخلاق والآداب وعلو النزعة، والأفراد هم الذين يرتقون بالجماعات، وليست الجماعات هي التي ترتقي بالأفراد.

وقد يكون هذا البحث غير ما كنتم تتوقعون، ولكن الحقيقة أن الرأي العام ليس شيئًا ماديًّا تستطيع أن تتناوله وترفعه قِبَل العيون وتديره أمامها وتعرض جوانبه عليها، وإنما هو تيارات من العواطف والآراء تصدر عن الخصائص التي فُطِرت عليها الأمة أو اكتسبتها على الزمن، وتؤثر بمجردها أو بما تدفع إليه من عمل، وأرجو أن لا أكون قد أخطأت خطأ كبيرًا حين حاولت أن أرد الرأي العام المصري إلى هذه الخصائص، ولا أستطيع أن أدعي أن هذه هي كل خصائص المصريين من موروثة ومكتسَبة، فإن الإحاطة عسيرة والاستقصاء شاقٌّ، ولكنها حسبنا كمثال يقاس عليه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.