كان من هَمِّ الحكومة الخديوية محاكمة الثوار والمجرمين سريعًا لتستعيد هيبة الخديوي وكرامة حكومته؛ لأن الفلاحين البعيدين عن المدن ما كانوا يصدقون خبر انكسار عرابي، وكان يحوز على عقولهم جميع الإشاعات التي يشيعها الدجاجلة الذين يكثرون في مثل هذه الظروف والأوقات. ومن هؤلاء الدجالين من كان يُدخل في وهم الأهالي قبل واقعة التل الكبير أن عرابي يعمل بوحي من الله وبأمر منه، فكيف كان بإمكانهم أن يدعوا الناس بعد ذلك مجدين بأن الذي اختاره الله للقيام بالعمل الذي عمله يدعه يندحر أو ينكسر؟ فهم كانوا ينتظرون يد الله تنقذه وتنصره على أعدائه. وكان قوم آخرون ينكرون وجود الجنود الإنكليزية لأنهم لم يروها، وفئة أخرى كانت تنتقي من جماعة الدجالين خبر وصول القوة العثمانية قريبًا إلى مصر لتلقي إلى البحر جنود الملكة فيكتوريا. هذه الإشاعات وأمثالها جعلت البلاد تغلي غليانًا شديدًا تُخشى عواقبه، وكان الأجانب الذين عادوا إلى أعمالهم في الأرياف يرفعون العرائض إلى قناصلهم يطلبون حمايتهم، ووقعت بعض الاضطرابات في زفتى والمنصورة وقليوب. فظن النظار أن ذلك كله يحمل الإنكليز على أن يتحولوا عن مناهضة نفوذ الخديوي في قضية الثورة؛ لأن الإنكليز كانوا يطلبون أن يحاكم هؤلاء الثوار بغير قوانين مصر وعلى يد قضاة غير مصريين، وأن يدافع عنهم محامون ليسوا مصريين مع الإطالة والتسويف الذي لا حد له بحجة ترجمة الأوراق والمستندات … إلخ إلخ.

بدأت لجنة التحقيق أعمالها في ٢ أكتوبر، وكانوا يقدِّرون أن عرابي ورفاقه يقدمون للمحكمة العسكرية في ١٤ أكتوبر، ولكن بلنت أثار في صحف لندن زوبعة شديدة يعاونه السير ويلفريد ويلسون والمتطرفون من النواب الذين كانوا يعدون تدخُّل إنكلترا جريمة. إلى أن وقعت واقعة التل الكبير، فتحول الرأي العام الإنكليزي عن الثوار؛ فكانت الإجبيسيان غازت في الإسكندرية تصف عرابي ورفاقه بقطاع الطرق الذين يستحقون أشد العقاب؛ لأن أقل تساهل معهم يُعد خطأً فظيعًا. وكان مراسل التيمس في مصر يقول: إن العدالة والسياسة تتفقان معًا على إنزال القصاص الصارم بالاثني عشر شخصًا الذين كانوا سبب الثورة وهم: عرابي، وعبد العال، وعلي فهمي، وعلي الروبي، ومحمود سامي، ومحمود فهمي، وعبد الله نديم، وحسن موسى العقاد، والشيخ عليش، والشيخ العروسي.

حتى إن السير صموئيل باكر والسير جوليان غولد سميد من كبار رجالهم، كانوا يجهرون بأن الحلم في الشرق لا يؤوَّل إلا بأنه ضعف. وكتب الجنرال ولسلي إلى وكيل وزارة الحرب في ٢٧ سبتمبر: «إن الخديوي ضعيف، فهو من أجل ذلك سيكون ميالًا إلى معاملة عرابي ورفاقه باللين، فإذا هو فعل كان ذلك في نظري خطأ، فكل حِلم مع زعماء الثورة لا يكون سوى مكافأة للخيانة. أما الدرس القاسي فإنه يضمن لمصر الراحة والسكون دهرًا طويلًا.»

ولم يكن رأي الملكة فيكتوريا في هذا الموضوع غير رأيهم، فقد أرسلت إلى وكيل وزارة الحرب تقول: «إذا كان عرابي وزعماء الثورة الذين كانوا السبب في قتل الآلاف من الناس لا يعاقبون عقابًا شديدًا، فإن الثورة والتمرد يشجعان، ولربما كان لنا شأن جديد معهم من أجل ذلك.»

وكانت وزارة غلادستون تتظاهر بترك الثوار وشأنهم.

ولكن ذلك كله لم يفِلَّ من عزيمة بلنت، ففي ١٩ سبتمبر كتب إلى رئيس الوزارة الإنكليزية: «إن أعضاء المحكمة العسكرية الذين اختيروا من الضباط المخلصين للخديوي لا يمكن أن يكونوا قضاة عادلين، وإن الشهود الوطنيين الذي يسهل تخويفهم واستمالتهم لا يستحقون الثقة بهم، وإن الضباط الإنكليز الذين لا يعرفون اللغة العربية ليسوا قادرين على رقابة القضية؛ لذلك هو يطلب اتخاذ وسائل خاصة لضمانة العدالة، وهو يقدم للمتهمين محاميًا إنكليزيًّا ويتعهد مع بعض أصدقائه بدفع أجرته، وأنه سيرافق هذا المحامي إلى القاهرة ليعاونه على جمع أدلة الدفاع، ويتعهد بأنه لا يتدخل أقل تدخُّل بالسياسة، وله الأمل بأن الوزارة الإنكليزية تسهِّل عليه مهمته.»

ثم اتفق مع رئيس تحرير التيمس على أن تنشر هذه الجريدة «أن كبار المتهمين سيدافع عنهم محامون إنكليز من ذوي الشأن»؛ ليُكره غلادستون على قبول اقتراحه. ثم أخذ يبحث عن المحامي، فأرشده اللورد دلاوار من المعجبين بعرابي إلى المستر برودلي المقيم في تونس؛ وكان هناك مشهورًا لمساعدة العرب ضد الأوروبيين، فضلًا عن أنه كان يعرف الشريعة الإسلامية واللغة العربية.

وفي ٢٢ كتب بلنت إلى عرابي أن يرسل إليه تفويضًا، وسأل سكرتير غلادستون عن الطريقة للوصول إلى هذا الغرض، فأجابوه أن إذن الخديوي والقائد العام في مصر لازمان للاتصال بالمتهمين، وأشاروا عليه بأن يوجه طلبه إلى السير مالت. ولما لم يظفر بطائل عاد إلى غلادستون يسأله: هل المحامي الذي تعهدنا معه للدفاع عن عرابي يُقبل في الدفاع أم لا؟ فرد عليه بأن الموضوع مطروح على وزارة الخارجية. وكان اتفاق بلنت مع برودلي أن يدفع له ٣٠٠ جنيه، ثم صعد المبلغ إلى ٨٠٠ جنيه أُضيف إليه مكافأة ٢٠ ألف فرنك.

ولم يشأ اللورد غرنفل أن تكون من أجل ذلك مراسلة رسمية، فأفهموا المستر بلنت أن الخديوي لا يعارضه في أن يمنح المتهمين كل التسهيلات، على شرط ألا تفضي هذه التسهيلات إلى التأخير والإطالة بلا فائدة.

فأخذ بلنت يبحث عن محامٍ صغير يكون مساعدًا للمحامي برودلي، فوجد مارك نابيه ابن أحد السفراء، فرضي أن يسافر إلى مصر في الحال. وارتكب بلنت تزويرًا ثابتًا، فكتب في التيمس أن اللورد غرنفل كتب إليه أن كل التسهيلات ستقدم للمتهمين وأصدقائهم ليجدوا لهم من يدافعون عنهم؛ وبناءً على ذلك أرسلوا تلغرافًا إلى برودلي بأن يسافر في الحال إلى مصر، فطلب اللورد غرنفل تكذيب هذا الخبر.

وفي ٤ أكتوبر نُقل عرابي إلى السجن، فكتب إلى بلنت وغريغوري ليعينا له محاميًا من أبناء الدولة المنتصرة، وظنت الحكومة المصرية أنها تستطيع دفع ذلك بقرار تقول فيه: إن لغة المحاكمة والدفاع ستكون العربية دون سواها.

ولكن نابيه أشرك معه بعد وصوله ريشارد إيف وهو يعرف العربية، وتقدم معه للسير مالت الذي وجههما إلى السير ويلسون المراقب في المحكمة العسكرية وأعطاهما كتابًا إلى رياض باشا الذي أبى مقابلتهما.

وفي ١٩ كتب أيضًا إلى رياض باشا يخبره بحضور المدافعين عن المتهمين ويطلب الاتصال بهم، فكتبت النظارة المصرية الرد إلى السير مالت لوثوقها بأنه كان متواريًا وراء نابيه، وقالت في ردها: «إن القانون يُحرِّم نشر المرافعات، كما بأنه يأبى تعيين مدافعين عن المتهمين، ولكن الوزارة تبر بوعدها بتعيين محامٍ وطني للمتهمين.» وفي الوقت ذاته أبلغت لجنة التحقيق المتهمين بأنهم سيتقدمون للمحكمة العسكرية في ١٦ أكتوبر، وهم يدعون لهم الحرية في أن يختاروا محاميًا لهم من الثمانين محاميًا وطنيًّا مسجلة أسماؤهم أمام المحاكم المصرية.

فلم يرُق ذلك في عيون أصدقاء المتهمين.

واصل بلنت والكونت دلاوار حملتهما في صحف لندن وسواها من صحف إنجلترا، حتى قام في وهم الإنكليز الذين يثقون بأقوال صحافتهم أن عرابي ورفاقه أسرى حرب، ومن طبع الإنكليزي — كما يقولون — الشدة والقسوة على من يحاول أن يخلع نيره، ولكنه حليم لطيف معاون لمن أراد أن يحاول خلع نير سواه؛ لذلك يعذر الثائر ويحب أن يعين متهمًا، على شرط ألا يكلفه ذلك شيئًا، فهو لذلك أبى أن يسلِّم لعدالة سيد قام خادم حكومته في وجهه. وكان هَمُّ دعاة الثوار أن يصفوا ضروب العذاب التي يلقاها المسجونون في سجونهم، وأن يلجئوا إلى عطف رجال المدنية والحضارة فيهزون أوتار قلوبهم.

فمنذ أول أكتوبر أخذ فرع النقابة الأرلندي الزراعي ينذر غلادستون بأن ينقذ عرابي من انتقام الباشاوات وأصحاب الألقاب، وعقد الفَعَلَةُ الاجتماعات للاحتجاج على معاملة الوطنيين المصريين، ونادت الجمعية العلمية في لندن ضد فكرة كل عقاب يحل بالمغلوبين.

ونهضت صحف إيطاليا التي كانت إبان الثورة تشبِّه عرابي بغاريبالدي تعد على وزارة الأحرار الإنكليزية تسليم الثوار لقضاء حكومتهم عيبًا وعارًا، وأخذ بعض صحف باريز يضرب على هذا الوتر، حتى إن فيكتور هوجو زعق بصوته العالي في جريدة الرابل ضد عقاب الموت الذي هو ملاك المدنية القديمة، ولكنه اليوم فزاعة العصر الحاضر. وأرسل أحد كبار محاميهم جرمان ريش كتابًا إلى عرابي على يد الجنرال ولسلي يأسف فيه كل الأسف؛ لأنه يجهل اللغة العربية، فلا يستطيع أن يطير للدفاع عنه أمام المحكمة العسكرية، ونشرت الطان هذا الكتاب.

وفي ١٣ أكتوبر أرسل اللورد غرنفل إلى مالت بأن يلحف في الطلب ليختار عرابي المدافعين عنه، وأبلغ السير ويلسون المراقب في المحكمة العسكرية الخبر إلى نابيه، ولكن شريف باشا ورياض باشا أدركا خطورة هذا الطلب وقدَّرا ما يكون من ورائه من المس بكرامة الخديوي، فعرض الأمر على مجلس النظار. فلاحظ مجلس النظار الضرر من وراء إضاعة الوقت والشر الذي ينجم عن إدخال السياسة في القضاء، وهذا ما اعترف به اللورد دفرين بعد مجيئه إلى مصر.

ولكن حكومة لندن ظلت تلح في طلبها لأسباب مجهولة كانت تكسوها حُلة إرضاء الرأي العام الأوروبي؛ فكتب مجلس النظار مذكرة قوية الحجة ضد طلب الإنكليز ختمها بقوله: «إذا ظلت الحكومة الإنكليزية مصرة على طلبها الذي ورد في مذكرة ١٣ أكتوبر، فإن الحكومة المصرية التي تصبح محرومة من تطبيق قوانينها وتقاليد محاكمها، يصبح من المستحيل عليها مواصلة التحقيق ضد الثوار.» فلما تلقَّى السير مالت هذه المذكرة، خرج من جلد الجمل الذي كان يلبسه، وأبلغ النظار المصريين أنه ليس أمامهم إلا الخضوع، وألمح السير مالت أن عرش الخديوي يكون في خطر؛ وأدرك رياض باشا مما نقله إليه مكاتب التيمس موباري لُب الحقيقة، فاضطر إلى التسليم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.