لا ينكرها الآن أحدٌ، وإنما يُجمع الناس بدقة على أنها قائمة، وعلى أنها حادة، وعلى أنها قد أخذت من الحدة طورًا عنيفًا حاسمًا منذ أمس حين زار نائب المندوب السامي رئيس الوزراء مع الظهر. الناس كلهم يُجمعون على هذا إلا رئيس الوزراء فيما يظهر، فهو وحده خارج على هذا الإجماع، يقول للناس إن الأمر طبيعي مألوف، وإن نائب المندوب السامي تحدث إليه في مسألة الدَّيْن العام، فلندع رئيس الوزراء يمنح الحياة ابتسامة شفتيه ويعبس لها فيما بينه وبين نفسه حتى تأتي الساعة التي لا يستطيع فيها رئيس الوزراء إلا أن يُوفِّق بين قلبه وبين شفتيه، وأن يؤمن مع الناس جميعًا بأن الأمر ليس طبيعيًّا ولا مألوفًا، وبأن الموقف السياسي قد انتهى من الحرج إلى أقصاه.

ولنلاحظ أن الصحف الوزارية الرسمية قد أخذها وجوم مؤلم وذهول عميق منذ اليوم، فأما «الليبرتيه» فقد آثرت الصمت ولجأت إليه، فلم تقل في السياسة اليوم شيئًا، بعد أن كانت تقول فتطيل. وأما «الشعب» فقد آثرت الصمت أيضًا، فلم تقل في السياسة شيئًا، وإن شتمت المعارضة بعض الشتم. وواضحٌ جدًّا أن ألسنة الوزارة لم تعقد نفسها وإنما عقدتها الحوادث، ولم تسكت مختارة وإنما أكرهتها الظروف على السكوت. ولكن ما عسى أن تكون حقائق هذه الأزمة التي لم يبق في وجودها وحدتها شك. الناس كلهم يصفون أن الإنجليز يطلبون إلى الوزارة أشياء، ولكنهم لا يعلمون علمًا قاطعًا واضحًا بحقيقة هذه الأشياء، والذين يعلمون بحقيقتها لا يستطيعون أن يذكروها أو أن يذكروها في صراحة وجلاء، فهم يُؤثِرُون الصمت كالوزراء وأشباه الوزراء، أو هم يذهبون مذهب التلميح والتعريض، فيثيرون من الريب والشكوك أكثر مما يثيره الصمت، وأكثر مما يثيره الكلام الصريح.

وواضح جدًّا أن هذا الموقف الغريب لا يتَّفق بوجه من الوجوه مع ما يقال من أن هذا البلد حرٌّ مستقلٌّ يخضع للنظام الدستوري الديمقراطي، فليس من الحرية، ولا من الاستقلال، ولا من الديمقراطية، ولا من الدستور أن يستأثر أشخاص لا يكادون يتجاوزون العشرة بأمور شعب يتجاوز الأربعة عشرة من الملايين، وأن يترك هذا الشعب حائرًا يسأل فلا يُجاب، ويبحث فلا ينتهي إلى شيء. وأغرب من هذا كله وأدعى إلى العجب، أن يطلب الوزراء وأنصارهم إلى هذا الشعب أن يمنحهم المعونة والنصر ويختصهم بالحب والتأييد دون أن يُنبئوه علامَ يريد أن يعينهم، وعلى من يريدون أن ينصرهم، وفيمَ يريدون أن ينصرهم؟ كأنهم يؤمنون بأن الشعب مطمئن كل الاطمئنان إلى أنهم معصومون من كل خطأ، مبرَّءُون من كل عيب موفَّقون إلى كل صواب؛ فطاعتهم واجبة وتأييدهم فرض، والتردد في منحهم ما يريدون من الطاعة والتأييد إثم في حق مصر، وتقصير في ذات الوطن!! فإن كانوا يؤمنون بكل ذلك أو بعضه، فقد آنَ لهم أن يفيقوا وأن يتنبهوا وأن يستيقنوا أن الشعب لا يرى فيهم هذا الرأي كله ولا بعضه، ولعله يرى فيهم عكس هذا الرأي، ولعله من أجل ذلك يأبى أشد الإباء أن يمنحهم معونة ويختصهم بتأييد، دون أن يعلم علامَ يريدون منه المعونة وفيمَ يريدون منه التأييد؟

إنهم يذكرون التدخُّل الأجنبي ويدعون المصريين إلى مقاومته، ولكنهم يعلمون أن التدخل الأجنبي قائم متغلغلٌ في الشئون المصرية كلها منذ نهضت وزارتهم بأعباء الحكم، يقدم عليه الإنجليز فلا يجدون من الوزارة مقاومة، وقد لا يقدمون عليه فتدعوهم الوزارة إليه دعاء، وتحرضهم عليه تحريضًا. هم يدخلون في أعمال الوزارات، فلا ينكر الوزراء عليهم ذلك، وهم قد يبطئون في العناية ببعض الأمر فتستعين بهم الوزارة على ذلك كما استعانت بهم في مسألة الدَّيْن، وفي مسألة المحاكم المختلطة.

وإذن فما بالُ التدخل الأجنبي يحب ويرضى عنه، ويسكت عليه وقد يرغب فيه، حينما يمس مصالح الناس، وحياتهم، وأموال الدولة وكرامتها، فإذا مس هذا التدخل زكي الإبراشي باشا أو فلانًا غيره من الوزراء والموظفين الذين يؤثرهم الوزراء، أصبح بغيضًا ممقوتًا، يجب أن ينكره الشعب، ويؤيد الوزارة لأنها تنكره وتأباه.

إن التدخل الأجنبي بغيض كله ممقوتٌ كله، ينكره الشعب مهما يكن ويجب أن ينكره الوزراء مهما يكن، ولن يبخل الشعب بتأييده على وزارة ترى في ذلك رأيه وتذهب في ذلك مذهبه، فأما الوزارة التي تؤمن ببعض التدخُّل وتكفر ببعضه الآخر؛ فلا ينبغي أن يكون لها من الشعب عون ولا تأييد.

الشعب المصري أكرم من أن يَرضَى تدخُّل الإنجليز حتى لإنقاذه من الذين يظلمونه، ويُذيقونه ألوان العذاب، ولكن الشعب المصري أكرم على نفسه من أن يرضى من الوزراء وأشباه الوزراء أن يتخذوه هزؤًا ولعبًا، وأن يسوموه الخسف، ويسلطوا عليه العذاب، ويُعمِلُوا في أجسامه السياط وفي رءوسه العِصِي، ويصوبوا إلى صدره الرصاص، حتى إذا تعرض أحدهم لفقدان منصبه، قيل لهذا الشعب أسرِعْ إلى حماية الاستقلال، فإن الاستقلال في خطر، وإلى الذود عن الحق فإن الحق يوشك أن يضيع!

كلا، إذا كان الاستقلال في خطر فالوزارة هي التي عرضته للخطر؛ لأنها قبِلت تدخُّل الإنجليز منذ ارتقت إلى مناصبها، وإذا كان الحق يوشك أن يضيع فالوزارة هي التي عرضته للضياع؛ لأنها أطمعت فيه الإنجليز، وما كان الشعب المصري ليحب قومًا كانوا وما زالوا يعاملونه معاملة القطعان، يستأثرون من دونه بكل شيء، ولا يمنحونه إلا الذلة والهوان.

إذا كان الاستقلال في خطر حقًّا، فيجب أن يتنحى هؤلاء السادة عن ميدان الجهاد؛ لأنهم لا يصلحون لميدان الجهاد. وإذا كان الحق معرضًا للضياع فيجب أن يترك هؤلاء السادة موقف الدفاع عن الحق؛ لأنهم لا يقدرون على الدفاع عن الحق.

إنك لا تجني من الشوك العنب، وما ينبغي للشعب المصري أن ينتظر الخير من قوم لم يلقَ منهم إلا شرًّا، وما ينبغي للشعب المصري أن يمنح نصره قومًا لم يمنحوه إلا الخذلان، فليقم هؤلاء السادة في مكانهم حتى تجتاحهم العاصفة إن شاءوا، وليؤثروا أنفسهم بالعافية إن أشفقوا من الرَّوع؛ فإن في مصر والحمد لله قومًا آخرين يستطيعون أن يحملوا راية الجهاد مظفرة وأن يدافعوا عن الحق موفورين منصورين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.