وأنت تحزم حقيبتك للمرة الأولى، وأنت تضع فيها معجونَ الأسنان وديوانَ «سأم باريس» لشارل بودلير وصورًا قديمة تحب أن تصحبها معك، تذكَّرْ أنك ستعود مرة أخرى، تذكَّرْ هؤلاء الذين سافروا قبل أكثر من أربعين عامًا، وكل ما يريدونه الآن هو أن يعودوا ليُدفَنوا في أرض يعرفونها، رغم أنه لا فارِقَ لدى الميت في ذلك؛ هل لأن الغريب هو الميت، والميت في بلاده حي؟ لا أعرف، لكن ما أعرفه هو أنه يجب أن تحافِظَ دومًا على كونك غريبًا، كي تستطيع أن تعود ذات يوم، كي يكون لديك أملٌ بعيدُ المنال لكنه قائم، وربما كي تحافظ على كونك حيًّا.

(١) حافِظْ على غربتك: كُنْ غريبًا كي ترى وطنَك في كل مكان. حافِظْ على لهجتك؛ حتى تتذكَّر موطنك عندما تسمع اللهجات الأخرى، وحتى تُذكِّر مَن يسمع بنفسك، فيسألك «من أي البلاد أنت؟» لا تعقد صداقات مع الشوارع، لا تحفظ أسماءها، لا تتعرف على البنايات. كُنْ ذلك الغريب الذي يسأل دومًا عن العنوان، فيدله غرباء آخَرون على المكان الخطأ، فيعود ليسأل مجدَّدًا، سعيدًا بغربته، كطفل مولود لتوِّه، يتأمَّل وجوهَ مَن حوله في دهشة ويصرخ.

(٢) لا تصنع ذكريات: عندما تتعوَّد على إشارة مرور ستصبح صديقتك؛ تحييها إذا مررتَ من أمامها كل يوم، تنتظر أوبتك من العمل لتلقي عليها تحيةَ المساء. إذا حفظتَ شارعًا، إذا راقبتَ كلبًا يمر من هناك كلَّ يوم، إذا وضعتَ حَبًّا لحَمَام في نافذة غرفتك يوميًّا، إذا استنشقتَ هواء البحر وأردتَ أن تزوره مرةً أخرى، فأنت لم تَعُدْ غريبًا، أصبحتَ صاحب مكان، لديك حكايات وأصدقاء تشتاق إليهم. في هذه الحالة، ستكون قد كسرتَ الحاجزَ الفاصل بينك وبين المدينة التي تسكنها، سيعبر أحدكما إلى الآخَر، وعندها ستذوب غربتك.

(٣) اسمع أم كلثوم: ليس لأن أم كلثوم تغني للحب؛ بل لأن ثمة وطنًا يسكن في صوتها. اسمعها ليلًا وأنت عائد في السيارة إلى بيتك، أنصت إلى المساحات الشاسعة في صوتها وتخيَّلْ نفسَك طفلًا يجري سعيدًا في حقل قمح. عندما تستمع إلى الآهات كُنْ هناك، في المسافة ما بين انطلاق الآهة ونهايتها، واروِ كلَّ همومك. فتِّشْ عن الأصوات الخلفية في الحفل، الرجل الذي يقول «عظمة على عظمة يا ست.» أو التصفيق الحاد، أو صرخة مُعجَب لم تكتمل بسبب وجع الشوق أو بُعْد أجهزة التسجيل. تخيَّلْ نفسك هناك، وسط هؤلاء الأشخاص الذين ينصتون إليها، مبتسمًا، ضاحكًا، لا تشعر بالغربة، وحيدًا كأنَّك الكل، تصفِّق في سعادة.

(٤) لا تنسَ المقهى: المقهى هو الوطن؛ الوطن هو ضجيج المقهى، اصطدام الملعقة داخل كوب الشاي أثناء تقليبه، نداء النادل وهو يسير بجلبابه الواسع، صداماته مع الزبائن، صوت إغلاق لعبة الطاولة مع ضحكات الفائز وغضب المهزوم، وقفة زبون مع صاحب المقهى ليعيد معه حسابَ عدد المشروبات، انتظارك صديقًا أو انتظار صديقٍ لك، الرجل الذي يجلس في الركن دائمًا لا يفعل شيئًا إلَّا أن يقرأ الجريدة، السيدة التي تحضر عصرَ كل يوم لتُطعِم القططَ الجائعة، باعة المناديل ومندوبو المبيعات، الجير المتساقِط من الحائط وكتابة غير ظاهرة بطباشير قديم، صوت المارة في الشارع الذين يهرولون دائمًا كأنهم ذاهبون إلى موعدهم الأخير. المقهى هو تفاصيل الوطن، فلا تَنْسَه، ولا تصادِقْ مقهًى آخَر. ربما من الأفضل أن تتعرَّف على الأنواع الأخرى من المقاهي؛ حتى لا تنفكَّ تذكِّرك بوطنك.

(٥) فتِّشْ عن وطنك: عن المطاعم التي تقدِّم وجباته، عن المقاهي التي تحمل اسمه، تابِعْ قناةً تعرض الأفلام الأبيض والأسود القديمة؛ فستسقيك ما تريد من الحنين. اضحك مرة أخرى على «غزل البنات» و«المليونير» و«سكر هانم» حتى لو شاهدتها كلَّ يوم. لا تتابِعِ الأخبارَ السياسية أو تتناقش فيها. فتِّشْ عن لهجتك في الشارع، قِفْ في محطة الباص بجوارها، وأنصت إليها. غُصْ في الحروف والتفاصيل، تعلَّقْ بالضحكات والحروف المترابطة. ابحث عن شوارع تحمل اسمَ رموزٍ تاريخية في بلادك، واقطع الشارعَ من أوله إلى آخِره بحثًا عن مَعْلَم آخَر، فإذا لم تجد، فلا تيأسْ، كرِّرِ البحثَ. اشترِكْ في منتديات الإنترنت والتواصُل الاجتماعي؛ لا تعلِّقْ ولا تتدخَّلْ ولا تناقِشْ. أنت لستَ في حاجة إلى التورُّط، أنت في حاجةٍ فقط إلى المراقَبة وإمعان النظر، وصيْدِ المشاعر الطائرة والفائرة.

(٦) صادِقِ الغرباءَ: والغرباء وحدهم، الذين يشبهونك، الذين لا يفتأ كلُّ واحد منهم يحلم بوطنه، بمكانٍ نشأ فيه، وحارة هروَلَ فيها عاريًا وهو طفل. الغرباء سيُذكِّرونك طوالَ الوقت بوطنك؛ لأنهم لا يتذكرون إلا أوطانهم. انظر في ملامحهم، وابحث خلف التجاعيد والثنيات والابتسامات المرهقة عن الحقيقة والحكايات التي تبهت مع مرور الزمن، أو تتوهَّج مع عذابات الحياة اليومية وألم الفراق؛ عن المرارة المختزنة في ابتسامة غير مكتملة، عن طعام لا تستسيغه وتزعجك رائحةُ احتراقِه على البوتاجاز، لكنه يذكِّرك بأن هناك مَن ينتظر على الضفة الأخرى. لا تصادِقْ أحدًا؛ أنت فقط تريد أن تتعرف، أن تتمسك بيدٍ تنتشلك من القاع، بقدمٍ تسير بجوار قدمك إلى آخِر الطريق حيث لافتة الحدود.

(٧) لا تقع في الحب: لأن الحب وطن، بيت وأهل وسكن، هو اشتياقٌ للمحبوب وتعوُّدٌ على المكان وحبٌّ له؛ لأنه صار جزءًا من الحكاية الجديدة، لأن الحب يصنع الذكريات التي تربطك بالمكان، والذكريات هي الوطن؛ لأن المحبوب سيصبح هو الوطن الجديد، بحكاياته وأماكنه وشوارعه ومقاهيه. الحب للمقيم، للساكن، لصاحب الدار، وأنت تمر من أمام النافذة، محاذِرًا من أن تقع عينُك على ما في داخل البيت.

(٨) كن قَلِقًا: تذكَّرْ دائمًا قولَ المتنبي: «على قلقٍ كأن الريح تحتي.» فالريح حولك في كل مكان، تضربك من كل اتجاه، تزعزعك وتحركك من مكانك، الريح جنوبية، تأخذك إلى حيث جئتَ. اذهب معها ثم عُدْ؛ كلَّ يوم اصحبها إلى الأماكن التي تعرفها؛ فقط أغمض عينَيْك وسافِرْ، أغمض عينَيْك وعُدْ.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (3)

  • default avatar
    Falahun ·٢١ مايو ٢٠١٦، ١٢:٥ م

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاتهنشكركم كثيرا على هذه الكتب الرائعة التي كنت قد قمنا بتسجيل العدد منها بنقل المعرفة خارج مصر من مصر تأتي المعارف كما أقول دائماأهلا بكم في مكتبة جامعة الفلاح وشكرا لمؤسسة همداوي التي أثرت مكتبتناhttp://library.afu.edu/

  • default avatar
    Ghada ·١١ مايو ٢٠١٥، ١٥:٤٤ م

    رائع جدا ما اصدقك

  • default avatar
    Hossam Costa Rabee ·٩ مايو ٢٠١٥، ١:٧ ص

    لأن الحب وطن، بيت وأهل وسكن، هو اشتياقٌ للمحبوب وتعوُّدٌ على المكان وحبٌّ له؛ لأنه صار جزءًا من الحكاية الجديدة، لأن الحب يصنع الذكريات التي تربطك بالمكان، والذكريات هي الوطن؛ لأن المحبوب سيصبح هو الوطن الجديد، بحكاياته وأماكنه وشوارعه ومقاهيه. الحب للمقيم، للساكن، لصاحب الدار، وأنت تمر من أمام النافذة، محاذِرًا من أن تقع عينُك على ما في داخل البيت.روعة التعبير