من هو محمود سامي البارودي الذي قال عنه شاليه لانغ في كتابه الأنبياء الثلاثة «المهدي وغوردون وعرابي»، أنه كان روح الثورة ودليلها من البداية حتى النهاية؟

إن محمود سامي ورث لقب البارودي عن أبيه الذي كان قيِّمًا على مخازن البارود، وكان يزعم أنه من سلالة ظاهر الدين بيبرس؛ ولأجل هذا الزعم كانوا يتهمونه بالطمع بالعرش، وأثبتوا هذه التهمة بشدة دفعه الثورة إلى الأمام، ثم بروز يد الآستانة التي ظهرت بظهور كتابين إلى عرابي: الأول من راتب باشا والذي قابل عرابي بالقطار وهو ذاهب إلى الشرقية، وكان راتب يدعي أنه يقصد الحجاز، والثاني من الشيخ محمد ظافر شيخ السلطان عبد الحميد. وكلا الكتابين سُلم للمحامين عن عرابي ورفاقه إبان محاكمتهم، وقد احتفظ بها المستر بلنت. وتاريخ كلا الكتابين ٢٢ فبراير؛ أي إبان الوزارة البارودية، وفي كليهما العبارة الآتية:

لا يهم جلالة مولانا الخليفة الشخص الذي يكون خديوي مصر، وكل ما في الأمر أن جلالته لا يثق لا بإسماعيل ولا بحليم ولا بتوفيق، ولكنها تُولِي ثقتها للرجل الذي ينظر إلى مستقبل مصر ويوثق العلاقات التي تربطه بمقام الخلافة، ويؤدي لجلالة الخليفة الاحترام الواجب.

إن الرجل الذي يفعل ذلك كله ينال الحظوة في عيني صاحب الجلالة مولانا الخليفة، ويقره في منصب الخديوية.

نقول إن البارودي كان شابًّا ذكيًّا شجاعًا، وكان يشعر بأنه وُلد ليكون كبيرًا، فوضع نُصب عينيه منذ الساعة الأولى الوصول إلى قصده فتذرع لذلك بكل الوسائل، ولما سُئل عنه شريف باشا في محاكمة العرابيين كتب يقول: «إنه محتال مداهن مخاتل كنود.»

كلمة غاضب ناقم بلا شك ولا ريب.

تخرَّج في مدرسة الحربية في العباسية، وبفضل ذكائه ونشاطه رُقي إلى الدرجات العالية، ونال الحظوة في عيني إسماعيل الذي زوَّجه إحدى جواري السراي الخديوية. واتُّهم بأنه نكل بأحد الموسيقيين في داره، وذاع الخبر حتى غضب لذلك إسماعيل، وأراد إبعاد البارودي إلى السودان، ولكن أصدقاءه شفعوا له لدى إسماعيل فقبل الشفاعة، ولكنه أمر بإرساله إلى جزيرة كريت وكانت جنود مصر تطارد الثوار فيها، وقد نظم في ذلك قصيدة ألمح بها إلى أنهم أرادوا موته فأنقذه الله، وأنهم تآمروا على دفعه في الصف الأول فلم يُصب بأذى. وبعد الحملة وصل خبر شجاعته وبسالته إلى إسماعيل، فرضي عنه وقرَّبه منه ورضي بأن يتزوج من إحدى الأوانس اليكنية، وآل يكن أصحاب صلة النسب بالأسرة المالكة. ولما ظهر الثوار انضم إليهم وعاهدهم، وقال اللورد ملنر في وصفه: «أذكى شريك وشرُّ موحٍ إلى عرابي»، وهذا الاتفاق معهم هو الذي أوصله إلى أن يكون ناظر الجهادية كطلبهم بعد مظاهرة أول فبراير، كما مر بك.

***

عُزل شريف باشا بطلب الوطنيين أو بالأحرى الضباط، واختاروا هم أنفسهم — كما قال لهم الخديوي — الوزارة الجديدة، ووكلوا إلى محمود باشا سامي البارودي تأليف الوزارة، وأيقنوا أن أوروبا لا تتعرض لهم بسوء؛ لأن رئيس وزارة فرنسا فرسينه أمر القنصل أن يقف موقف التحفظ الرسمي، وأن يُظهر العطف نحو الحكومة الجديدة وكذلك الحكومة الإنكليزية، ولكن المراقب الإنكليزي السير أوكلند كولفن الذي كانت وزارة الخارجية تعمل برأيه، أخذ ينظر إلى الحقائق وجهًا لوجه.

ولما أخذ البارودي بتأليف وزارته لقي بعض الصعوبة؛ لأنه عرض نظارة المالية على إسماعيل باشا أيوب، فرفض بحجة أن المراقبين وقناصلهما هددوا بمبارحة البلاد إذا ما تسلمت الوزارة الجديدة الحكم، فذعر محمود سامي باشا لهذا القول وهرع إلى الخديوي الذي طلب القنصلين الفرنساوي والإنكليزي، فأجاباه بأن لهما وحدهما تحديد الخطة السياسية التي تتبعها حكومتاهما. والظاهر أن إسماعيل باشا أيوب الذي كان حاكمًا للسودان، وقد كان حكمه فيها وإصلاحاته مضرب المثل في أوروبا، أدرك بفطنته مصير الأمور فتذرع للرفض بتلك الحجة؛ لأنه لم يكن هو ولا سواه قادرًا على إسداء النصيحة في ذاك الحين بما يخالف عقيدة الجمهور.

***

حفظ البارودي لنفسه الرياسة والداخلية، وولى عرابي الحربية، ومحمود بك فهمي الأشغال، وهو مهندس مشهور تولى إنشاء القلاع والحصون، واستمال الجنود البعيدة عن القاهرة إلى الثوار، وعيَّن مصطفى فهمي ناظرًا للخارجية والحقانية، ومصطفى فهمي اشتهر بينهم بالميل مع القوة، وعيَّن اثنين من النواب في هذه الوزارة التي صدر الأمر بتأليفها في ٤ فبراير، وهما عبد الله فكري وحسن شريعي. وفي ٢١ فبراير أنشئوا وزارة جديدة أسموها نظارة السودان؛ لأن ثورة المهدي كانت قد تفاقمت، فظنوا أن اسم المنصب يَزيد هيبة الحاكم في تلك البلاد، ولكن هذا الناظر رءوف باشا لم تكن له يد في شئون مصر، وولي شئون أعمال السودان بمصر وكيل الناظر علي بك الروبي أقدم أصدقاء عرابي وأقدم شركائه.

أعلنت الوزارة برنامجها في المونيتور المصري في ٥ فبراير، وقالت في هذا البرنامج إن همها الأول أن تطلب من المجلس إقرار القانون الأساسي، ووعدت بأن تحترم جميع الحقوق والواجبات سواء كانت فردية أو دولية، وجميع العهود المقطوعة بشأن الدين والأعباء التي يلقيها الدين على عاتق الميزانية.

وبعد أن تولى البارودي الحكم زار القناصل، فقال السير مالت عن هذه الزيارة إنه تلقى رئيس الوزارة الجديد ببرود؛ لأنه كان ضعيف الثقة به، ولم يَقُل قنصل فرنسا شيئًا.

ولكن المراقبين كولفن ودي بلينير أرسلا إلى حكومتيهما أن الحادث الذي وقع قضى بسقوطهما؛ لأن كل ما كان لهما من الحقوق قد أصبح نسيًا منسيًّا أمام الوزارة التي اختارها النواب والجيش. ولم يسقط شريف إلا لأنه لم يشأ إهمال معارضة إنجلترا وفرنسا، فالتسليم بأن يقر المجلس الميزانية هو التسليم بالواقع أو بالأحرى الموافقة على المساس الشديد الذي حاق بنفوذ إنكلترا وفرنسا.

وفوق هذا أنه لا يجوز الذهاب مع […] الأهم؛ فإن العمل الذي تم الآن هو فاتحة أعمال لا تُبقي على شيء من الإصلاحات التي أُدخلت في السنين الأخيرة.

تلك مذكرة المراقبين التي لم يكن لها صدى في باريز ولندره.

***

ولما اجتمع مجلس النظار لأول مرة كان اجتماعه لدرس مشروع القانون الأساسي، فعارض المراقبان الفرنساوي والإنكليزي في أن يكون للمجلس حق في إقرار الميزانية. وبعد هذه الجلسة الأولى دعا محمود باشا زملاءه للاجتماع في مكان آخر، ولم يدعُ المراقبين لحضور الاجتماع كالعادة، وأقروا المشروع الذي وقعه الخديوي في ٧ فبراير، وقد جاء في البند ٣٤ منه أن يخرج من مناقشة المجلس الجزية للباب العالي وجميع الأعباء الناجمة عن الدين، ونتيجة التصفية والاتفاقات المبرمة بين الحكومة المصرية والدول.

وجاء في البند ٣ أنه بعد أن يدرس المجلس الميزانية تقرها لجنة مؤلفة مناصفة من الوزراء ومندوبي المجلس، وإذا اختلف الفريقان ولم يتوصلا إلى الحل؛ فإن الحل يكون برأي برلمان جديد يُنتخب.

فكرر المراقبان الاحتجاج، فرد عليهما محمود سامي بما فُهم منه أن الحزب الوطني عزم على أن تكون الرقابة من ضمن صندوق الدين. واتفق المراقبان على السكوت حتى لا يعرقلا سياسة حكومتيهما، وكتب مالت في ٢٠ فبراير يقول: لم يبقَ من المراقبة الحالية سوى الاسم.

أما الدول فإنها كانت تشهد هذا المنظر بكل ارتياح؛ لأنه منظر انهدام الحالة الممتازة لإنكلترا وفرنسا، حتى قال قنصل روسيا إنه لم يبقَ أمام فرنسا وإنكلترا إلا الاعتراف بقانون ٧ فبراير وأن تكتفيا بمساواة الدول الأخرى. أما قنصلا ألمانيا والنمسا، فإنهما قالا إنه لا مندوحة عن عرض المسألة المصرية يومًا ما على الدول، فإذا ما عُرضت على جمعية من الدول يقرر بالغالب إلغاء المراقبة وإحالتها إلى صندوق الدين، ونصح قنصل إيطاليا بإبقاء المراقبة معدلة بالقانون الأساسي.

ولاختلاف المراقب الفرنساوي مع رئيس وزارته قدم استعفاءه الذي قُبل، فاحتج اللورد غرنفل على ذلك؛ لأنه يدل الوطنيين على ضعف الدولتين وضعف الرقابة، وقال: إن عرابي وإخوانه طلبوا من الحكومة الإنكليزية استدعاء كولفن ومالت، فأبت إجابة هذا الطلب.

وقبل أن يغادر المراقب الفرنساوي مصر وقَّع تقرير الرقابة السنوي، وقد جاء فيه: إن ميزانية نظارة الجهادية تضاعفت في سنة واحدة عما قررها قانون التصفية، ولو أن الذين تولوا تصفية الديون نظروا إلى مثل هذا العمل، لما كلفوا أصحاب الديون أن يضحوا بشطر من فوائد ديونهم حبًّا بالتخفيف عن الميزانية المصرية المهددة بأن تتحمل في أقل من سنتين أعباء ديون سائرة جديدة. فكتب محمود سامي ردًّا على هذا التقرير نشره في الجريدة الرسمية بتاريخ ٣١ مارس قال فيه: إنه ليدهش لمثل هذا التشاؤم وهو يحتج باسم الحكومة المصرية العاقدة النية والقصد على أن تؤيد بكل إخلاص الهيئات المؤلفة لضمان خدمة الدين، وفي مقدمة هذه الهيئات الرقابة …

ولكن الرقابة كانت في النزع.

***

هذا النصر على الرقابة ضاعف في حماسة الجمهور، وانبث الخطباء في كل مكان يثيرون تلك الحماسة، وكان أكبر اجتماع عُقد بعد ذلك بحضور محمود سامي وعرابي، هو اجتماع إعانة الحجاج عند عودتهم من الحج. فقد حمل الخطباء على الأوروبيين وسياستهم حملات شديدة، واجتمعت جمعية العمال الطليان في الإسكندرية، واتخذت قرارًا تذم فيه عمل المراقبين وعمل رجال المال، وتؤيد الحزب الوطني الداعي إلى الحرية وإلى دك صرح الاستبداد.

واحتفل الوطنيون بعيد مولد جورج واشنطون منقذ أميركا، وأعدوا وليمة في فندق «نيو أوتيل» لمائة وعشرين مدعوًّا، ولم يحضر هذه الوليمة قنصلَا فرنسا وإنكلترا، ولكن القناصل الأخرى لبوا الدعوة، وخطب فردينان دي ليسبس حافر قناة السويس، فوصف الوطنيين في خطابه بقوله: «دعاة الوطنية ورسلها الحكماء أعلام الحرية التي انبثق فجرها في مصر.»

ففي أسبوعين اثنين أُعدت ست ولائم ضخمة. وكانت الصحافة وأهمها الطايف لعبد الله نديم تَزيد في حماسة الجمهور وإثارة نفسه، حتى قاموا يطلبون إزالة كل سيطرة أوروبية حتى إلغاء المحاكم المختلطة.

فأمام ذلك كله صدرت التعليمات إلى قنصلي فرنسا وإنكلترا بألا يتدخلا في أمر من الأمور، وأن يحتفظا بخطة الحياد مع كل حكومة تحافظ على النظام وعلى المعاهدات الدولية.

واتجهت الحملة ضد محمود باشا سامي رئيس الوزراء؛ لأنه لا يُظهر الإقدام والحزم اللازمين للخلاص من كل سيطرة أوروبية، حتى كان يدور على الألسن أنه سيضطر إلى الاستعفاء، ولكن حادثًا فجائيًّا حوَّل الأنظار عنه إلى ذلك الحادث العسكري، وهو حادث تسمم الميرالاي عبد العال.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.