أزمة الثقافة تكاد تنحصر في الأدب، ولهذه الأزمة أسباب عالمية وأخرى محلية، فعلى المستوى العالمي قد أثَّرَ التليفزيون وغيره من وسائل التعبير الحديثة في القراءة فضيَّق من رقعتها، وامتد إلينا هذا التأثير بصورة أشد لضعف مناعتنا في مقاومته، ولكن ما زاد الطين بلة كما يقولون هي الأسباب المحلية، وعلى رأس تلك الأسباب حال التعليم في ربع القرن الأخير، وما حمل من تبعات قصر الاستعداد عن ملاحقتها، فامحت التربية الثقافية والذوقية في المدارس، التي تمثَّلت قديمًا في مدرس مؤهل مقتدر، ومكتبة، ومجلة، ونشاط تمثيلي وموسيقي، بالإضافة إلى الضعف المؤسف في تحصيل اللغة العربية، مما أخرج أجيالًا من الشباب لم تتشرب قلوبهم حبَّ الكتاب والثقافة الرفيعة، ثم كان ما كان مما ابتُلِينا به من حروب متلاحقة وفقدان للحرية، وما انقضَّ عليها بعد ذلك من غلاء وتضخم، فحاصَرَنا القلقُ، وشغلتنا مطالب الحياة الأولية عن ضروراتها الروحية. هكذا استشرت الأزمة في الجمهور نفسه برغم تعدُّد المواهب ووفرة الإنتاج كمًّا وكيفًا، هذا الجمهور — الضحية — هو المسئول عن كساد الكتاب الأدبي، وتراجع المسرح الجاد، وندرة الفيلم الجيد، ولا ذنب للناشرين أو النقاد، ومن هنا نعلم أن الإصلاح على المدى الطويل يجب أن يبدأ في وزارة التربية والتعليم، وفي الوزارات المسئولة عن نجاح التنمية الشاملة.

أما عن المدى القصير فعلينا أن نمحو العوائق التي تعترض تصدير الكتب، وعلينا أن نيسِّر الكتاب بالمجان في فروع دار الكتب وقصور الثقافة ونوادي الشباب، وبهذه المناسبة أذكر بالشكر ما يقوم به المسئولون عن الثقافة من مبادرات مخلصة، مثل: تهيئة المكتبة الثقافية بأقل الأسعار، والمعرض الدائم للكتب، وسيارات الثقافة المتنقلة، وإصدار مجلتَيْ فصول وإبداع، ومجلة ثالثة تصدر قريبًا خاصة بالكتاب، ولكن سيظل الإصلاح الجوهري معتمدًا على إعادة خلق الجمهور من جديد، وتهيئة المناخ الحضاري الصالح له.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.