لا أعرف شعبًا كهذا الشعب المصري يلقى أشد ما تلقى الشعوب من عناء، ويبذل أقصى ما تبذل الشعوب من جُهد، ويحتمل أثقل ما تحتمل الشعوب من أعباء، مبتسمًا لهذا كله، راضيًا بهذا كله، مُخلِصًا في هذا كله، ثم هو بعد ذلك لا يُكافأ على ما يلقى ويبذل ويحتمل، إلا بالعقوق والجحود، وإلا بالاستهانة والازدراء!

يهبط الأجنبي إلى مصر فقيرًا معوزًا، فما هي إلا أن يغنى بعد فقر، ويُثري بعد عَوَز، ويهبط الأجنبي إلى مصر غنيًّا موسرًا، فما هي إلا أن يضاعف ثروته، ويعظم حظه من اليسار، ويهبط الأجنبي إلى مصر جاهلًا، فما هي إلا أن يصبح عالمًا، أو عالمًا فما هي إلا أن يصبح من كبار العلماء وأفذاذهم. قَلَّمَا ينزل أجنبي أرض مصر فتضيق به سبل الحياة أو تُغلق دونه أبواب الرجاء، أو ترده مصر عنها قانطًا خائب الأمل، والمصري يبذل ما يستطيع وما لا يستطيع ليغني الأجنبي بعد فقر، ويؤمنه بعد خوف، ويرضيه بعد سخط، ثم هو لا يجِد من الأجنبي إلا عقوقًا وجحودًا، وإلا ازدراءً وامتهانًا، هذا الأجنبي يضيق بمصر؛ لأن جوها يؤذيه في الصيف، وإن استمتع به في الشتاء، وهذا الأجنبي يضيق بمصر لأن حاجتها إلى الجمال الصناعي، والزينة المتكلَّفة، والعناية بأمور الصحة، ما زالت شديدة ماسَّة، وإن كان قد استأثر فيها بالخير، وإن كان قد استبدَّ فيها بإدارة الأموال والأعمال وإن كان قد أشرف فيها على تدبير كل شيء، فعليه التبِعة فيما يشكو منه، قبل أن تكون على أي أحدٍ آخَرَ من الناس، وهذا الأجنبي يضيق بجهل مصر وإن كان قد دُعِيَ إلى أن ينهض فيها بأمور التعليم، ومُنِحَ على ذلك أجرًا لم يكن ليحلم ببعضه في بلاده، فلما هبط إلى مصر لم يُخلِص في عمله، ولم يبذل للمصريين من علمه القليل أو الكثير إلا بمقدار، ولم يَكُفَّ في لحظة من اللحظات عن التفكير في أن بذل العلم للمصريين خطر؛ لأنه يزيل عنهم الجهل، ويكشف عنهم الظلمة، ويجعلهم مثله، وقد يغنيهم عنه، وقد يدفعهم إلى أن يضيقوا به ويشعروا بما يتعمد من إهمال وتقصير. وابحث عن حياة الأجنبي في مصر من أي ناحية من أنحائها، وفي أي سبيل من سُبُلِهَا، فستراها قائمة دائمًا على هذه القاعدة: خُذْ من المصريين أكثر ما تستطيع، وأعطهم أقل ما تستطيع. أظهر للمصريين مودةً وعطفًا، وأضمر لهم ازدراءً واستخفافًا، حتى إذا انقطعت حاجتك إليهم فأظهر لهم ما كنت تُضمِر، وأَبِن لهم عمَّا كنت تخفي! وكذلك نلقى الأجنبي في مصر، فتحس منه ظرفًا ومودةً وإيناسًا، ثم تنقطع الصلة بينك وبين هذا الأجنبي، وتسنح له فرصة الحديث عنك، فلن يقول إلا شرًّا …!

كذلك حال مصر مع الأجنبي، وليست حال مصر مع بعض المصريين بخير من حالها مع الأجانب، يُظهر المصري شيئًا من الكفاية والمقدرة، فما أسرع ما تفتن به مصر، وما أسرع ما تحوطه بألوان العناية والرعاية، وضروب التشجيع والتأييد، حتى يصبح رجلًا ذا خطر، وينزل منزلة اجتماعية ظاهرة ممتازة، وإذا هو ينسى الذين رعوه وعُنُوا به، والذين أيَّدوه وشجعوه، والذين رفعوه إلى مكانته الظاهرة، وأنزلوه منزلته الممتازة، وإذا هو يفكر في نفسه قبل أن يفكر فيهم، ويعنى بنفسه قبل أن يعنى بهم، ويصبح أثرًا من الطراز الأول، لا يعرف إلا نفسه، ولا يعمل إلا لنفسه، ولا ينظر إلى الشعب إلا على أنه وسيلة تنبه الخامل، وترفع الوضيع، وتوصل الناس إلى ما يبتغون من المنافع والمآرب والآمال، وإذا هو لا يتحرَّج إن أتيح له شيء من السلطان، من أن يتخذ السلطان وسيلة إلى المنفعة، وإن اضطره ذلك إلى العقوق والجحود، وإذلال الشعب الذي رفعه بعد ضعة، ونبَّه من شأنه بعد خمول. وتستطيع أن تبحث عن حياة كثيرين جدًّا من كبار الموظفين، فسترى أنها تقوم على هذه القاعدة: خادِع الشعب ما احتجت إلى خداعه، فإذا بلغت غايتك وحققت أملك، فأفد لنفسك ما تستطيع من منفعة، وحقق لنفسك ما تستطيع من مآرب، واحذر أن يقوم وفاؤك للشعب عقبة بينك وبين شيء مما تريد …!

وهذه وزارات لم يكُن أعضاؤها شيئًا قبل أن تُلقَى إليهم أَعِنَّةُ الحكم وأَزِمَّتُه، فما هي إلا أن يختلف أعضاؤها هؤلاء إلى مكاتبهم، ودواوينهم، حتى يتبيَّن ماضيهم القريب، ومستقبلهم المحتوم، ويُلهيهم المنصب عن كل شيء إلا لذة المنصب والجاه والسلطان، وإذا هم ينعمون بهذه اللذة، ويتهالكون عليها، ويُضَحُّونَ في سبيلها بأشياءَ كثيرة، أيسرها منافع هذا الشعب الذي إنما رفعهم إلى مناصِبِ الوزارة ليكونوا له خُدَّامًا لا أكثر ولا أقل.

وكذلك يريد الله لهذا الشعب الهادئ الوادع في نشاط وقوة، أن يكون ألعوبة للذين يحسن إليهم، ويُسدي إليهم الصنيعة والمعروف، وهو يحس هذا العقوق أحيانًا فينكره ويضيق به، ثم لا يلبث أن ينساه ويُعرِض عنه، وهو حين ينكر رفيق في الإنكار، وهو حين يضيق متسامح في الضيق، فلا يحفل بإنكاره ولا بضيقه هؤلاء الذين يعقونه ويجحدون فضله ويجزون إحسانه إليهم بالإساءة إليه، وهو حين ينسى مُغرِق في النسيان، قَلَّمَا يتذكر وقلما يتفكر، ويستغل خصومه قِصَرَ ذاكرته وسعة مغفرته، فيَغْلُون في الإساءة إليه، ويُغرِقون في ازدرائه وإهماله والانصراف عن التفكير فيه.

بهذا وحدَه تستطيع أن تفسر هذه الحياة المنكرة التي نحياها، والتي يسعى إلينا الشر فيها من كل سبيل، وتهجم علينا الكوارث فيها من كل وجه، فلو أن الذين إليهم أمورنا السياسية يقدرون أنهم حين نهضوا بأمورنا السياسية، لم ينهضوا بها لأنفسهم وإنما نهضوا بها للشعب، وإنهم بحكم مناصبهم ومكانتهم ليسوا سادتنا وإنما هم خُدَّامنا، وإنهم بحكم مناصبهم ومكانتهم لا ينبغي أن يستذلونا ولا أن يستغلونا، وإنما ينبغي أن يستذلوا أنفسهم لمصلحة أمتهم، وأن يستغلوا جهودهم لمنفعة بلادهم، لو أن الذين إليهم أمور سياستنا يقدرون هذا لَمَا طغى منهم طاغٍ، ولا بغى منهم باغٍ، ولما أُهدِرَت حقوق، وامتُهِنَتْ كرامات، ولقيت الحرية ما تلقى في هذه الأيام، ولو أن ذاكرة الشعب لم تكن قصيرة، ولو أن تسامُح الشعب لم يكن مسرفًا، لاضْطُرَّ هؤلاء الساسة أن ينكروا الشعب، ويحسبوا له حسابًا، فيردوا نفوسهم عن شهواتها، ويضطروها إلى القصد، والعدل، والإنصاف، والاعتراف بالجميل. ولو أن الأجانب الذين يَفِدُون إلى مصر يقدرون حقهم وواجبهم في مصر كما يقدرونهما في بلادهم، ويستمعون لضمائرهم في مصر كما يستمعون لضمائرهم في بلادهم، لما لقيت منهم مصر ما تلقى من هذه المودة الظاهرة والعقوق الخفي، ولو أن مصر لم تكُن مُغرِقة في التسامح، ولا مسرفة في النسيان، ولا غالية في التهاوُن بحقها وكرامتها، لما طمع فيها الأجنبي، ولا وجد إلى خداعها والمكر بها سبيلًا. ولو أن مصر إذا جاعت أَمَضَّهَا الجوع، ولو أن مصر إذا ظمئت أضناها الظمأ، لما كانت فيها هذه الحوادث التي أخذت الأزمة الاقتصادية تحدثها، والتي أخذت تبدو الآن يسيرة، ولكنها على ذلك مروعة مخيفة، تُنذِرُ بِشَرٍّ لا يعلم نتائجه المنكرة إلا الله. هذه الأعراض الخطرة للجوع والبؤس، قد أخذت تظهر في القاهرة بشكل مفزع مخيف، هذه حُمَّى التيفوس تسعى بين الفقراء المعدمين بشرها ونكرها، وهؤلاء الفقراء المعدمون يسعون بهذه الحمى فيحملونها إلى أطبائهم في القصر العيني ليردوا عنهم شرها، فإذا الشر أقوى من الأطباء، وإذا الأطباء أنفسهم يسقطون في شباك هذه الحمى، وينقلون إلى المستشفى مع مرضاهم، وإذا طلاب كلية الطب لا يخلصون من هذه الحمى، فيسقطون في شباكها أيضًا، هذا هو المرض يغزو قلعة الطب ويَضطرها إلى الدفاع، وكان يجب أن تكون هذه القلعة هي الغازِيَة، وكان يجب أن تكون هذه القلعة هي التي ترسل جيوشها إلى أحياء الفقراء والمعدمين، لتكافح فيها الشر والضُّرَّ، وترد عنها جيوش الأوبئة والأمراض، ولكن أين السبيل إلى ذلك والذين إليهم تدبير ثروة الشعب لا يفكرون في الشعب؟ أين السبيل إلى ذلك والذين إليهم حماية صحة الشعب لا يفكرون في الشعب؟ وإنما يفكر أولئك وهؤلاء في مناصبهم أولًا، ثم في تمكُّنهم من هذه المناصب ثانيًا، ثم في استمتاعهم بلذَّات هذه المناصب وجاهها، ثم في الشعب بعد هذا وهذا وذاك، كيف السبيل إلى ذلك والمصري قد تعوَّد أن يجوع فيحتمل الجوع وأن يظمأ فيحتمل الظمأ، وأن يعدم فيألف الإعدام، تقصير من أولي الأمر في ذات الشعب، وتقصير من الشعب في ذات نفسه، والحمى تستفيد من تقصير أولي الأمر، ومن تقصير الشعب فتفتك بالفقراء، وتغزو الأطباء، كما يستفيد الأجنبي من تقصير أولي الأمر في ذات الشعب، ومن تقصير الشعب في ذات نفسه، فيعبث بحقوق الشعب وحرياته وثروته، ومقومات حياته الوطنية كلها، ويسخر بعد ذلك من المصريين جميعًا …!

فكرت في هذا كله حين قرأت في الصحف صباح اليوم أن رئيس الوزراء المريض قد حدَّد موعد سفره للاستشفاء، فسيسافر في منتصف الشهر المقبل فيقضي في أوروبا أربعة أشهر أو نحوها، ومن قبل ذلك مرض رئيس الوزراء شهرين، لم يعمل فيهما شيئًا، وبين مرض الرئيس وسفره أخذ يختلف متباطئًا متثاقلًا بحكم المرض إلى ديوانه، فلا يكاد يعمل شيئًا، ومن قبل هذا كله أقام في أوروبا ثلاثة أشهر أو نحوها مستشفيًا متروِّضًا، وهو في أثناء هذا كله يحتفظ برياسة الوزارة، ويقبض مرتب رياسة الوزارة، ويعطل مصالح البلاد لأنه مسافر يتروَّض، أو لأنه مريضٌ، أو لأنه في دور النقاهة، أو لأنه مسافر يستشفي.

لو قدر رئيس الوزراء حق بلاده عليه لما أذن لنفسه أن يحتفظ بمنصبه هذا، وهو عاجز عن النهوض به، ولو قدر المصريون حقهم على أنفسهم لما قبلوا من رئيس وزرائهم أن يحتكر رياسة الوزراء، ولا يعمل فيها إلا ثلاثة شهور أو أربعة في سنةٍ كاملة، ولكن مصدر الشر كله في مصر أن الشعب متسامح مسرف في التسامح، وأن حكام الشعب يغلون في استغلال هذا التسامح، فلا يحفلون بالشعب ولا يلتفتون إليه …!

متى يتنبه الشعب إلى حقه، فيَجِدَّ في المطالبة به والحرص عليه؟ ومتى تتنبه ضمائر الحكام فتردع أصحابها عمَّا يتورطون فيه من اعتداءٍ أو إهمالٍ؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.