فكِّروا في كل البالغين الذين تعرفونهم، فكِّروا في آبائكم وأجدادكم، فكِّروا في مدرِّسيكم في المدرسة، وأطبائكم وأطباء أسنانكم، والأشخاص الذين يجمعون قمامتكم، والممثلين الذين ترونهم على شاشة التليفزيون؛ فلدى كل هؤلاء الأشخاص — على الأغلب — بضعُ حشرات عث تزحف وتأكل وتنام وتتزاوج على وجوههم.

الدويدية الجريبية.
الدويدية الجريبية.

ثمة أكثر من ٤٨ ألفَ نوع من العث؛ على حدِّ علمنا، نوعان بالضبط من هذه الأنواع يعيشان على وجه الإنسان. وفي حين أن الأنواع القريبة لعُث الوجه تبدو في الغالب كمعيَّنات هندسية لها أرجل طويلة، فإن عث الوجه نفسه أشبه بمسامير الجدار البلاستيكية، بأجساد مخروطية طويلة ذات أرجل قصيرة مكتنزة عند إحدى نهايتيها؛ إنها ليست جميلة المنظر، ومعظمنا لم يسبق له أن فحص إحداها، إلا أن هذه الكائنات الغريبة هي بالتأكيد الحيوانات التي نقضي معظم أوقاتنا معها.

إنها تعيش في جريبات الشعر، رأسها مدسوس لأسفل، وتتغذَّى على الزيوت التي نفرزها، وتتزاوج معًا بالقرب من سطح البشرة، وتتجوَّل بين الحين والآخَر في أنحاء البشرة ليلًا؛ إنها تفعل ذلك على وجهي، وهي على الأغلب تفعل ذلك على وجهك أيضًا. وجدت مجموعة من العلماء بقيادة ميجان ثويمز وروبرت دَن — من جامعة ولاية كارولاينا الشمالية الحكومية — أن كل البالغين الذين تضمَّنَتْهم عينةٌ صغيرة من الأمريكيين كان لديهم عُثٌّ على وجوههم، الأمر الذي لطالما كان محلَّ شكوك إلا أن صحته لم تثبُتْ قطُّ. إذا أردتَ أن تَجِد أقرب رفيق للبشر، فتَغَاضَ عن الكلاب؛ وقُمْ بدلًا من ذلك بأخذ مسحة من مسام وجهك، وضَعْها تحت المجهر.

وكما سبق أن كتبتُ في عام ٢٠١٢، اكتُشِف عُثُّ الوجه في عام ١٨٤١، إلا أنه لم يُوصَف كما ينبغي إلا بعد مرور عام على يد طبيب الأمراض الجلدية الألماني جوستاف سيمون. كان يفحص بِقَاعًا مصابة بحَبِّ الشباب تحت المجهر حين لاحَظَ وجودَ شيءٍ أشبهَ بالدودة برأس وأرجل؛ فتساءَلَ هل من الممكن أن تكون هذه حيوانات؟ فاستخرجها ووضعها بين شريحتين وضغط عليها، فوجَدَ أنها تتحرك، فتأكَّدَ أنها حيوانات. وبعد مرور عام، أطلق ريتشارد أوين على العُثِّ الاسمَ الذي يُعرَف به، من الكلمتين اليونانيتين «ديمو» بمعنى شحم، و«ديكس» بمعنى الدودة الثاقبة؛ ديموديكس (الدويدية): الدودة التي تثقب الشحم. ونحن نَعُول نوعين منها، وهما الدويدية الجريبية (وهي أكبر حجمًا، وذات نهاية مستديرة)، والدويدية القصيرة (أصغر حجمًا، وذات نهاية قصيرة).

الدويدية القصيرة.
الدويدية القصيرة.

منذ ذلك الحين، وجد العلماءُ الدويديةَ في كل جماعة عِرْقية حَرَصوا على دراستها، بدايةً من الأوروبيين ذوي البشرة البيضاء، إلى سكان أستراليا الأصليين، وحتى الإسكيمو الذين يقطنون جزيرة ديفون. في عام ١٩٧٦، كتب اختصاصيُّ العث الشهير وليام ناتنج: «يستطيع الفرد أن يَخلُص إلى أنه أينما وُجِد الإنسان، وُجِد عُثُّ جريبيات الشعر؛ وآلية الانتقال فعَّالة بنسبة ١٠٠٪! (وقد أشار أحدُ طُلَّابي إلى أن العُثَّة كانتْ بلا شك أولَ حيوان لا فقاري يزور القمر!)»

إلا أنه من العسير دائمًا أن نُحدِّد مَدَى انتشارها بدقة. جاء أول التقديرات من دراسة أُجرِيت عام ١٩٠٣، وَجَدَتْ هذه الكائناتِ في ٤٩ جثة فرنسية من أصل ١٠٠ جثة؛ أما الإحصاء الثاني، الذي يرجع إلى عام ١٩٠٨، فوجَدَها في ٩٧ جثة ألمانية من أصل ١٠٠ جثة، ومعظم الدراسات التي أُجرِيت منذ ذلك الحين كانت تَقَع في النطاق ما بين ١٠ و٢٠ بالمائة.

لكن هذه الإحصائياتِ كانتْ تقوم جميعًا على العدِّ البصري؛ حيث كان يضع الباحثُ شريطًا من السيلوفان على الجلد لانتزاع العُثِّ، أو يَفرُك جزءًا دهنيًّا من الوجه بملوق صغير، أو ينتف شُعيرات من الرموش أو الحاجب، إلا أن هذه الكائنات تعيش في مسامِّ الوجه ونزْعُها ليس سهلًا، كما أنها ليست موزَّعة بنحوٍ متساوٍ؛ فلربما تكون ثمَّةَ جماعةٌ من العثِّ تعيش على الوجنة، وربما تكون مجموعة منها تعيش على الجبهة، فإذا لم تقُمْ بفرْك الوجه كلِّه، أو لَصْق شريط السيلوفان على الوجه كله، أو نتف الشعر من كل أنحاء الوجه؛ فقد تُخطئ في حساب عدد حشرات العث بالوجه.

ومن ثَمَّ، قامتْ ميجان ثويمز بشيء مختلف؛ فبحثَتْ في الحمض النووي للعثِّ. تتميز العُثة بعادة مجدية؛ إذ إن أجسادها لا تحتوي على فتحة شرج، ولا تقوم بعملية التبرُّز أبدًا، لكنها — عوضًا عن ذلك — تُطلِق ما اختزنتْه على مدار عمرها من فضلاتٍ عندما تموت، وهذه الفضلات تحتوي على حمضها النووي، الذي يكشف عن وجود العث حتى حين يتعذَّر الوصولُ إلى تلك الكائنات بدرجة كبيرة.

طَوَّرتْ ثويمز اختبارًا للحمض النووي للدويدية، واستعانَتْ بمتطوعين راغبين في فعاليات جمع العينات من الوجوه تحت اسم «تَعرَّفْ على العثِّ الذي يعيش في وجهك». تقول ثويمز: «لقد وصلَتْنا استجاباتٌ جيدة حقًّا. في البداية تصرَّفَ الناس باشمئزازٍ، لكن بعد ذلك شعروا بالحماس حين رأَوا العُثَّ تحت المجهر.» لقد استعانتْ ثويمز ﺑ ٢٥٣ متطوعًا، ورأتِ العثَّ الحقيقي على ١٤ بالمائة منهم، وهو ما يتوافَق مع الإحصائيات السابقة. هذه النتائج منشورة الآن في مجلة بلوس ون، لكن ثويمز تُخبِرني أن الفريق قد استمرَّ في عمله، وزاد حجم العينة لأكثر من الضعف، لكنه لم يتوصَّل إلَّا إلى النتائج نفسِها.

من الواضح أن هذه العينة صغيرة وغير معبِّرة، إلا أنها تُظهِر بوضوح أن الحسابات البصرية تستهين إلى حدٍّ كبير بنسبة الأشخاص الذين يَعُولون عُثًّا على وجوههم. وهذه الدراسة — إلى جانب الدراسات الأخرى التي أُجرِيتْ على مدار أكثر من قرن — تُرجِّح بقوة أن العُثَّ يرتبط بالوجه كارتباط الدخان بالنار.

أو هذا على الأقل لدى البالغين. أخذت ثويمز أيضًا عينات من عشرة مراهقين في سن الثامنة عشرة، ووجدت الحمض النووي للدويدية في ٧٠ بالمائة فقط منهم، وهذا يتناسب مع ما أظهرَتْه الدراسات السابقة؛ حيث يبدو أن حشرات العث تصبح أكثر انتشارًا مع التقدم في السن؛ إنها نادرة لدى الأطفال الرضَّع، وشائعة لدى المراهقين، ومتفشية بين البالغين، وما من أحد يعرف يقينًا مِن أين نُصابُ بها؛ فالكلاب تُصاب بعُثة الوجه خلال فترة الرضاعة، وربما الأمر نفسه ينطبق على البشر، فبالرغم من كل شيء، وَجَدَتْ إحدى الدراسات الكثير من عثة الدويدية يعيش في نسيج حلمة الثدي، إلا أن خلوَّ وجوه بعض المراهقين من العُثِّ يُرجِّح أن هذه الكائنات تنتقل إلينا على مدار حياتنا.

كذلك قارَنَ الفريق بين الحمض النووي للعُثِّ الذي لديهم بتسلسلات الحامض النووي من أجزاء أخرى من العالم؛ فوجدوا أن الدويدية الجريبية لا تتَّسِم بقدْر كبير من التنوُّع الوراثي؛ فالدويدية الجريبية التي تعيش في بشرة شخص من الصين تتشابه على الأغلب مع تلك التي تعيش على وجه شخص أمريكي، أما الدويدية القصيرة — على الناحية الأخرى — فإنها أكثر تنوُّعًا إلى حدٍّ كبيرٍ، والوجه الواحد يمكن أن يعول سلالاتٍ مختلفةً كثيرة منها.

ربما تعكس هذه الاختلافات أساليبَ حياة هذين النوعين من العُثَّة؛ فالدويدية القصيرة تستقر في أعماق مسامنا وتعيش هناك، وبينما كنَّا ننتقل عبر أقطار العالم، كانت تنتقل معنا متطفلةً، وشاركتْنا التطوُّرَ، لتُخرِج لنا كثيرًا من السلالات المختلفة؛ أما الدويدية الجريبية فتقطن على مستوًى أكثر ضحالةً، وكثير منها يتنقل بين الأشخاص بسهولة أكبر. وبينما تُضرَب الدويدية القصيرة مثلًا على العزلة، فإن الدويدية الجريبية ترمز إلى العوْلَمة؛ تقول ثويمز: «إنها أحد أنواع مفصليات الأرجل التي تعيش على أجساد جميع الناس على الأغلب. إنه أمر مثير للاهتمام حقًّا؛ فباستطاعة هذه الكائنات أن تروي قصصًا مشوِّقة حول انتشار البشر في جميع أنحاء العالم.»

بالأخذ في الاعتبار مدى انتشار هذه الكائنات، نجد أن ثمة كثيرًا من الأمور التي لم نعلَمْها عنها بعدُ؛ فنحن لا نعرف مِن أين يأتي نوعَا العُثة اللذان يعيشان على وجوهنا، أو ما هي الأنواع الأقرب لهما، كما أننا لا نعرف عدد عُثِّ الوجه الأخرى الموجودة، ويبدو أن كل نوع من الدويديات يلتصق بعائل ثديي واحد بعينه، فيما يعول كلٌّ من البشر والكلاب والقطط أكثرَ من نوع واحد. وبما أن هناك أكثر من ٥٠٠٠ نوع من الثدييات، فإن من المحتمل أن يكون ثمة ١٠ آلاف نوع من الدويديات التي لم تُكتَشَف بعدُ.

You Almost Certainly Have Mites on Your Face by Ed Yong. Not Exactly Rocket Science. August 28, 2013.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    شيفوــــــخلوناحبايب ·٢٨ أكتوبر ٢٠١٥، ١٩:٥٥ م

    مقالة رائعةولكن ماهو الحل لتخلص من هاذة الحشرات العث عن وجه الانسان؟