هي شجاعة من نوع خاص هذه التي تتصف بها وزارتنا القائمة. شجاعة تشرف المصريين، وترفع رءوسهم بين الناس، وتُعلي شأنهم في أقطار الأرض، شجاعة أقل ما توصف به أنها نادرة. كأن القدماء المحافظون يرونها عيبًا، فأصبح المحدثون المتطرفون يرونها كرامة وفخارًا. شجاعة ذات وجهين، تظهر للمصريين وزراء شدادًا، وأنيابًا حدادًا، وسهامًا تخترق الصدور، وبأسًا لا يُعرف له حد ولا قرار، وتُظهر للأجانب لينًا ورفقًا ومودة وعطفًا وإشفاقًا وخوفًا.

شجاعة تخيل إلى المصريين أنهم لا يعيشون في قطر من أقطار الأرض الهادئة الوديعة التي يستمتع الناس فيها بالأمن والسلم، وإنما يعيشون في غابة من الغابات الموحشة، التي يَكْثُرُ فيها الشر، ويشتد فيها البأس، وتنبع فيها الكوارث من الأرض، وتهبط عليها النوائب من السماء، وتخيل للأجانب أنهم لا يعيشون في بلد أجنبي لهم فيه حقوق الضيف، وعليهم فيه واجبات الزائر المُلِم، وإنما يعيشون في بلاد أحب لهم وأحدب عليهم وأرأف بهم من بلادهم التي نشَئوا فيها، وعاشوا بها، وعاشوا لها، ووقفوا عليها ما يملكون من قوة وجهد وحياة شجاعة طريفة حقًّا لا يرى المصريون من آثارها إلا نُكرًا، ولا يرى الأجانب من نتائجها إلا خيرًا.

انظر إلى شجاعة الوزارة حين تعامل خصومها من المصريين، وحين تعامل أصدقاءها من الأجانب، فأما أولئك فيرون البأس كل البأس ويشقون بالجهد كل الجهد، ويحتملون العناء كل العناء، وأما هؤلاء فيرون الابتسام المُطمِع، ويسمعون الكلام المُرضِي، ثم يلقون بعد الابتسام والكلام خير ما يحبون، وأجمل ما ينتظرون.

يسيئون إلى الوزارة فتُحسن إليهم الوزارة، يعبسون للوزارة فتبسم لهم الوزارة، يتجاوزون معها حدود المجاملة جهرًا، فترد عليهم في رِفق وأناة، وفي ظُرف ولطف، سرًّا وعلى استحياء، يأبَوْن عليها إلا أن تدفع الدَّيْنَ ذهبًا فتُطاول وتستعطف، وتفاوض وتتلطف، وتمضي معهم في ذلك إلى القضاء، يأبَوْن عليها أن تلين أو ترق في أمر الأزمة العقارية، فتُظهر للمصريين لينًا ورقة، وتأبى أن تحقق من هذه الرقة أو ذلك اللين شيئًا؛ لأن الأجانب لا يريدون، وإذا لم يريدوا فالوزارة لا تستطيع أن تريد. يأبَوْن على القضاة المصريين أن يرأسوا الدوائر في المحاكم المختلطة وأن يكتبوا الأحكام بلغة البلاد، فتُظهر الوزارة غضبًا وإباء، وتضمر الوزارة طاعة واستسلامًا وتمضي الأمور على ذلك، ترضى الوزارة عن الأجانب ويرضى الأجانب عن الوزارة، فأما المصريون فويل للمصريين، ماذا يعني الوزارة من أمرهم، رضاهم وسخطُهم عندها سواء، أمنُهم وخوفُهم عندها سواء، قلقُهم واطمئنانُهم عندها سواء. هم قوم لا يحفلون بأنفسهم، فلا ينبغي أن يحفل بهم الوزراء، هم أهون من أن تفكر فيهم الوزارة أو تحسب لهم حسابًا، هم خلقوا ليُستغَلوا، ويُستذَلوا وتجري فيهم أحكام القضاء بما يحبون وما يكرهون لا ينبغي أن يكون لهم في ذلك رأي، أو أن يُسمع لهم في ذلك كلام، فإن أَبَوْا فما أيسر ما تُشرع القوانين، وما أسرع ما تُحشد الشرطة، وما أسرع ما تُعمل العصي والسياط، وما أسرع ما تُفتح أبواب السجون، وما أسرع ما يُسلط عليهم الشر من كل مكان!

شجاعة نادرة باهرة هذه التي تتصف بها وزارة الرجل الطيب، شجاعة ذكية لا تخلو من حيلة واسعة، وفطنة بارعة، ونظر بعيد، ولعل قصة المحامين تمثل أروع مظهر لهذه الشجاعة الذكية التي تمتاز بها وزارتنا القائمة. أراد المحامون أن يكونوا أحرارًا، وأن ينتخبوا نقيبهم كما يُنتخب النقباء في حرية وكرامة، وكرهت الوزارة ذلك؛ لأنها تكره النقيب الذي يريده المحامون، فأنذرتهم، وأعذرت إليهم، ولكنهم لم يحفلوا بالإنذار ولا بالإعذار، فانتخبوا النقيب كما يريدون هم لا كما تريد هي.

فانتقلت من الإنذار إلى البطش، ومن الوعيد إلى العقاب، فشرعت قانونًا وأصدرته، وانتظرت أن يُذعِن المحامون، ولكنهم لم يُذعِنوا، وكانت الوزارة شُجاعة كل الشَّجاعة، قوية كل القوة فعجزت عن تنفيذ القانون، وقصرت يدها عن أن تمس المحامين بأذًى، ومن الشجاعة أن تصبر على الضيم، وتحتمل المكروه حتى يأذن الله بالفرج، وكذلك قال المحامون للوزارة إن قانونها يخالف الدستور؛ فليس عليهم أن يقبلوه ولا أن ينفذوه. فسكتت على مضض، وصبرت على كُره، وهيَّأت قانونًا أو قانونين وجَدَّتْ في عرضهما على البرلمان، ثم تباطأت، ثم جَدَّتْ، ثم أَحَسَّتْ من المحامين مقاومة ومن البرلمان معارضة، ومن الشعب إنكارًا، فانهزمت ماكرة، وأحجمت ماهرة، وأَسَرَّ أعضاؤها أمرَهم بينهم، حتى إذا أقبل الصيف وتفرق البرلمان، وهدأت الأعمال وسافر كثير من المحامين، وانصرف الناس إلى الراحة والاصطياف، قال بعض الوزراء لبعض: لقد أمكنت الفرصة وحان إصدار القانون. فأقر مجلس الوزراء فيما أقر قانونًا أو قانونين بحل نقابة أو نقابتين. ولمَّا يمضِ على تفرق البرلمان أسبوع. فإذا كانت هذه الشجاعة لا تعجبك ولا تبهرك، فليس إلى إرضائك من سبيل!

وأنت تذكر الدستور، وتذكر البرلمان، ولكن من الذي زعم لك أن احترام الدستور واجب، وأن احترام البرلمان مفهوم، هذا كلام يُقال وقد يُكتب أيضًا، وأما أنه ينفذ، وأما أن يسيطر على سيرة الوزارة فذلك شيء تستطيع أن تبحث عنه في بلدٍ آخر غير هذا البلد الديمقراطي الحر المستقل العظيم.

ولكن الوزارة على شجاعتها وذكائها وعلى مهارتها وبراعتها نسيت ما كان ينبغي أن تذكر، وأهملت ما كان ينبغي أن لا تهمل، فالمحامون الذين أَبَوْا قَبول القانون الأول وإنفاذه لأنه كان يخالف الدستور، خليقون أن يأبَوْا قبول القانون الثاني وإنفاذه لأنه يخالف الدستور؛ فليس للوزارة أن تتولى سلطة التشريع في غيبة البرلمان إلا في حدود مرسومة واضحة، والوزارة تتجاوز هذه الحدود في هذا القانون الذي لا يمكن أن يوصف بأقل من أنه لون من ألوان الحيلة على الشعب وعلى البرلمان وعلى المحامين الذين لا تجوز عليهم الحيلة. وإذا كانت الوزارة لم تدهش لعصيان المحامين في المرة الأولى، فأكبر الظن أنها لم تدهش لعصيان المحامين في المرة الثانية؛ ذلك لأنها شجاعة، عليها أن تصدر القانون ولا بأس عليها أن يرفضه المحامون.

وإذا كان المحامون قد أَبَوْا أن ينفذوا قانونًا أَقَرَّهُ البرلمان لأنه مخالف للدستور، فأكبر الظن أنهم سيأبَوْن أن ينفذوا مرسومًا بقانون أقره مجلس الوزراء وحده لأنه يخالف الدستور. وكذلك يريد الله لمصر أن تكون ملعبًا من ملاعب الفوضى والاضطراب وفساد النظام، على حين ينهض فيها بالأمر قوم يزعمون أنهم رسل النظام، وحماة القانون والدستور.

وزارة تصدر القوانين في غير مراعاة للدستور، ومحامون يرفضون القوانين لأنهم يحترمون الدستور، والإنجليز ينظرون ويبسمون ويسجلون، والأجانب يرون ويضحكون ويطمعون، والمصريون يشهدون وينتظرون أن تتكشف هذه الفوضى المنكَرة عن شيء من النظام تستقيم له الأمور.

لِيصدُقْنا الرجل الطيب؛ فإنا مخلصون كل الإخلاص حين نهنئه بما تُوَفَّقُ إليه وزارته من الخذلان، فلو أن خصوم الوزارة جَدُّوا في الكيد لها والائتمار بها لما استطاعوا أن يدفعوها إلى موقف شر من هذا الموقف الذي تدفع نفسها إليه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.