من المحقق أننا أحرار كأحسن ما يتمنى الناس أن يكونوا أحرارًا؛ لأن الدستور قد كفل لنا الحرية على اختلاف ألوانها وتباين فنونها. نحن أحرار في التفكير؛ لأن حرية الرأي مكفولة في الدستور. وأحرار في القول والكتابة؛ لأن حرية القول والكتابة مكفولة في الدستور. وأحرار في الحركة والانتقال؛ لأن حرية الحركة والانتقال مكفولة في الدستور. نحن أحرار كأحسن ما يتمنى الناس أن يكونوا أحرارًا. ولو عرف المصريون ما يلقاه غيرهم من الناس في بلاد كثيرة من ألوان الاستبداد وفنون الإذلال؛ لما كفَّت ألسنتهم عن الثناء على رئيس الوزراء. وقد كدت أسميه الدكتاتور، ولكني أمسكت؛ لأن دكتاتوريته الفعلية إنما تبتدئ بعد يومين، حين يتفرق البرلمان فتستأثر الحكومة استئثارًا فعليًّا بالتشريع والتنفيذ حتى يعود البرلمان إلى الاجتماع. فهو إذن رئيس الوزراء إلى مساء الخميس، وهو الدكتاتور بعد ذلك. ولو عرف المصريون ما يلقاه غيرهم من استبداد واستعباد لأثنوا على رئيس الوزراء أحسن الثناء، ولكنهم يجهلون ذلك فلا يرضيهم ما هم فيه من النعيم والعزة والسعادة. وأخلق بهم مع هذا البطر والأشر أن يصيبهم ما يكرهون.

أمرهم في الحرية كأمرهم في الرخاء، يحسبون أن في بلادهم أزمة، وقد أخبرهم رئيس الوزراء أن أزمتهم ليست شيئًا يذكر بالقياس إلى أزمات الأمم الأخرى، وأنها أقرب إلى الخيال منها إلى الحقيقة. ويحسبون أن حظهم من الحرية قليل، وقد أخبرهم رئيس الوزراء أن حظهم من الحرية كحظِّ غيرهم من الأمم الحرة المستقلة التي تستمتع بالنظام الديمقراطي الصحيح. والغريب من أمر هؤلاء المصريين أنهم يستمعون لرئيس الوزراء إذا خطب ويقرءونه إذا كتب أو تحدث إلى الصحف، ثم يشكون فيما يقول ولا يطمئنون إليه! يصدقون أنفسهم ولا يصدقون رئيس الوزراء، وحسبك بهذا إثمًا وبغيًا، وحسبك بهذا بطرًا وأشرًا. ماذا؟ ألأنهم يحسون العسر والضنك، وتألم كثرتهم من الخوف والجوع، يعتقدون أنهم مأزومون ولا يصدقون رئيس الوزراء حين ينبئهم بأن بلادهم لم تعرف العسر ولا الضنك بعد، وبأن الخوف والجوع لم يجدا بعد إليهم سبيلًا؟!

اللهم إني أعوذ بك من هذه الفتنة، وأستعينك على هذه المحنة، وأضرع إليك في أن تعفيني مما تورط فيه هؤلاء المصريون الذين يرون أنفسهم أصدق من رئيس الوزراء. اللهم إني أعلن أن رئيس الوزراء صادق دائمًا، صادق حين يزعم لي الحرية وأنا مغلول، صادق حين يزعم لي الرخاء وأنا مأزوم. صادق حين يزعم لي الأمن وأنا خائف. صادق حين يزعم لي الشبع وأنا جائع. صادق في كل ما ينبئني به عن نفسي مهما أجد أنا ومهما أحس ومهما أشعر، ومهما تنبئني نفسي بغير ما يقول؛ ذلك لأنه رئيس الوزراء، ومعاذ الله أن أصيب أنا ويخطئ رئيس الوزراء، أو أصدق أنا ويكذب رئيس الوزراء!

نحن إذن أحرار كأحسن ما يتمنى الناس أن يكونوا أحرارًا، ولو عاش مصطفى كامل رحمه الله في هذه الأيام التي نعيش فيها نحن؛ لكان أسعد الناس وأشدهم اغتباطًا حين يرى أمنيته الغالية حقيقة واقعة. فقد أصبحنا بفضل رئيس الوزراء أحرارًا في بلادنا مكرمين لضيوفنا، أحرارًا نفكر كما نشاء ونقول ما نشاء وننتقل كما نشاء. لا يجتمع البرلمان لينكر علينا ما نفكر أو ما نقول، ولا تطلب مشيخة الأزهر مصادرة كتبنا أو تحريقها. ولا تتعقبنا الشرطة حين نذهب أو نجيء، ولا تبلغ وزارة الداخلية أنباء ما يعترينا من حركة أو سكون. ولا يعدل بقطاراتنا عن الطريق العامة إلى الصحراء، ولا تحفر أمامنا الخنادق، ولا تهيأ لنا المكايد. نحن أحرار نفكر ونقول وننتقل كما نريد نحن لا كما تريد لنا الحكومة. ولا تصدق الأحرار الدستوريين ولا تصدق الوفديين، فأولئك وهؤلاء إنما يتجنون على الحكومة، ويقولون فيها غير الحق. ونحن مكرمون لضيوفنا. وما أشد إكرامنا لهم وسخاءنا عليهم! ننفحهم بالأموال ما أقاموا فينا، فإن رحلوا عنا تبعتهم أموالنا كما كان النظام القديم.

انظر إلى عنايتنا بالأجانب سواء منهم الموظف وغير الموظف. ألسنا نفرض على الموظفين رسم الدمغة؟ فأما المصري فيؤديه صاغرًا وأما الأجنبي فيؤديه شكلًا، ثم يزاد في مرتبه ما يعوض عليه هذا الرسم. فإذا ارتحل الأجنبي عنا تبعته أموالنا في أشكال مختلفة. ألسنا نقرض السودان (أي الإنجليز) ونحن في حاجة إلى من يقرضنا؟! ألسنا ندفع كذا إلى الديلي تلغراف لتصدر ملحقًا خاصًّا عن مصر؟! نحن أحرار في بلادنا مكرمون لضيوفنا بفضل رئيس الوزراء الذي عرف كيف يجعل خيال مصطفى كامل حقيقة لا تتعرض لشك ولا ريب.

ولكن الدستور الذي يكفل الحرية يأبى إلا أن ينظمها، وإذن فلا بد من أن تشرع لها القوانين، وتقام لها الحدود، ولا ذنب لرئيس الوزراء في أن يكون دستورنا كدساتير الأمم الأخرى ليقيم للحرية من الحدود والسدود ما يمنعها من الطغيان والعدوان، وقد جربنا الحرية التي لا يقام لها حد ولا سد، فرأينا نتائج هذه التجربة منكرة مرذولة. رأينا الناس يشكون فيما يقول رئيس الوزراء، فلا يصدقون أنهم أحرار ولا يصدقون أنهم أغنياء. رأيناهم يسيئون الظن بالحكومة فينكرون من أعمالها ويشكون في أقوالها وينقدون البرلمان، وأي إثم يعدل نقد البرلمان؟! وإذن، فلا بد من إقامة الحدود والسدود أمام هذه الحرية الطاغية. يجب أن يقتنع الناس في مصر بما يقتنع الناس به دائمًا في البلاد الراقية التي تعرف الحرية والديموقراطية من أن الحكومة مصيبة أبدًا لا يمكن أن تخطئ، صادقة أبدًا لا يمكن أن تكذب. ومن أن النواب والشيوخ مقدسون، مَن نالهم بالنقد فقد أسرف على نفسه واعتدى على وطنه وعرَّض نفسه لأشد العقاب.

الأحرار في أوروبا يعرفون هذا؛ لأن عهدهم بالحرية والدستور قديم. أما المصريون فحديثو عهد بتلك وذاك، فلا بد لهم من التربية والتأديب، ولا بد من أن تعلمهم الحكومة ما كان ينبغي أن تعلمهم التجربة. ولا بد من أن يقوم التشريع الرسمي مقام الذوق والإحساس والشعور.

أرأيت فرنسيًّا ينكر ما يقول هريو أو يسخر من البرلمان؟ أرأيت إنجليزيًّا يشك فيما يقول مكدونلد أو ينقد مجلس العموم؟ لا تصدق الصحف الفرنسية ولا الإنجليزية إذا نقلت إليك ما يقوله ترديو أو هندرسون أو أنصار هذا وذاك. فإن هؤلاء الفرنسيين والإنجليز قوم مكرة، يصدرون من صحفهم طبعتين مختلفتين: إحداهما صادقة تنشر في فرنسا وإنجلترا وتمثل المعارضة في صورتها الحقيقية مذعنة للحكومة، مؤمنة بها مصدقة لها، تمنحها كلَّ نصر وتأييد. والأخرى كاذبة مضللة ترسل إلى مصر خاصة وإلى الشرق عامة؛ لتفسد العقول والذوق والشعور. وهي تصور المعارضة مناوئة للحكومة وللكثرة البرلمانية. تنقدهما أشد النقد وتنكر عليهما أقبح الإنكار. وهل تنتظر من هؤلاء الأوروبيين أن يرسلوا إلينا من صحفهم ومجلاتهم وكتبهم إلا ما يفسد العقول ويعلمنا نقد الوزراء والنواب والشيوخ، والشك فيما يقولون ويفعلون. نحن إذن مسرفون على أنفسنا. وحكومتنا مخلصة في حبنا ناصحة لنا حين تؤدبنا بأدب الأمم الراقية، فتضع أمام حريتنا الطاغية من الحدود والسدود ما يعلمنا كيف نصدق رئيس الوزراء إذا قال، ونطيعه إذا أمر، وكيف نقدس النواب والشيوخ ونؤمن لهم بأنهم معصومون من الخطأ مضطرون دائمًا إلى الصواب.

لقد شرعت لنا الوزارة شرعًا جديدًا. يعلمنا كيف نكون أحرارًا حقًّا، وقد أقر مجلس النواب هذا الشرع الجديد منذ أيام، وما أرى إلا أن مجلس الشيوخ سيقره الليلة. فليست غيرة الشيوخ علينا بأقل من غيرة النواب، وإذن فمنذ اليوم سنكون أحرارًا حقًّا. ومنذ اليوم سيعرف الكتاب والخطباء — إن كان للمعارضة أن تخطب — والصحفيون ما أقيم أمامهم من الحدود والسدود؛ ليوجهوا الشعب نحو الحرية الصحيحة والديمقراطية الصادقة.

ولعل الكاتب الفرنسي بومارشيه قد صور هذه الحدود والسدود أحسن تصوير حين انتطق بطله فيجارو بها في قصته المشهورة «زواج فيجارو». فللصحفي حريته في القول والكتابة بشرط ألا يمس السلطة، ولا الدين، ولا السياسة، ولا الأخلاق ولا الأشخاص الذين يشغلون مكانات ممتازة، ولا الهيئات المحترمة، ولا الأوبرا، ولا التمثيل بوجه عام، ولا أي شخص يتصل بأي عمل. فإذا تجنب هذا كله وخضع لاثنين أو ثلاثة من المراقبين بعد ذلك فله أن يقول ما يشاء.

أيها الكُتاب والخطباء والصحفيون، هذه الحدود قد رسمت لكم منذ اليوم، فاعرفوها واحذروا أن تتجاوزها، وقولوا بعد ذلك فيما تريدون. صفوا جمال الطبيعة وصفاء الجو واعتدال الإقليم، واحذروا أن تشكُّوا في أنكم أحرار! فأنتم أحرار كأحسن ما يتمنى الناس أن يكونوا أحرارًا. بذلك يخبرنا رئيس الوزراء، وإذا قال رئيس الوزراء، فقوله الحق مهما تحسوا ومهما تشعروا ومهما تعتقدوا.

تعلموا منذ اليوم كيف تكون الكتابة الحرة والخطابة الحرة والصحافة الحرة. فمن اعتدى بعد ذلك فإنما يعتدي على نفسه، ومن أحسن فإنما يحسن إليها. أما أنا فقد عرفت طريقي فلن يسمع مني رئيس الوزراء منذ اليوم إلا الحمد والثناء، وأي الناس أحق بالثناء من رئيس الوزراء؟! أليس قد ضمن لنا الحرية الصحيحة والديمقراطية الصادقة في ظل دستوره الجديد؟!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.