يقول أبو العباس ثعلب إن عنوة صفة من صفات الأضداد … وقد وقع في يدي الكثير من صفات الأضداد هذه … فما هو معنى دلالة الكلمة على الضدين؟ وهل لهذه الأضداد ضابط أو رابط؟

محمد عبد الواحد حجازي، مدرس، الزقازيق

من مراجعة أسماء الأضداد يظهر أنها لم تكن موضوعةً — في أصل وضعها — للدلالة على الضدين، ولكنها تحوَّلت إلى الدلالة عليها لأسباب عارضة لا تزال تعمل عملها في لغة «التخاطب» الدارجة بيننا إلى اليوم.

(١) فمن هذه الأسباب حب التفاؤل بالخير، فيقال عن الجماعة الراحلة إنها «قافلة» — أي راجعة — تمنيًا لعودتها، ويقال لمن لدغته الحية إنه «سليم» تمنيًا لسلامته. (ونحن اليوم نقول للفنجان الفارغ إنه «ملآن» وللمريض إنه «بعافية» من هذا القبيل.)

(وتنشأ الأضداد إذا نظرنا إلى المعنى الواحد من وجهتين … فالناهل الذي يذهب إلى مورد الماء ليشرب يقال عنه إنه ظمآن وهو صحيح … وكذلك يقال إن الرجل نهل فهو ناهل؛ أي عائد من مورد الماء، وهو في هذه الحالة ريان، ولا يقال عنه إنه ظمآن كما يقال عنه وهو قاصد إلى المورد.)

وقد سألنا مرة اثنين في طريق قنطرة على النيل: هل القنطرة مفتوحة؟ فقال أحدهما: مفتوحة، وقال الآخر: مقفلة … وكلاهما مصيب.

ولكن الأول أراد أنها مفتوحة للسفن، والآخر أنها مفتوحة للمارة، فهي مفتوحة ومقفلة بمعنى واحد على الضدين.

(٢) وبعض أسباب الأضداد أن الكلمة توضع لوصف العمل ثم تنتقل من العمل إلى مظاهره المختلفة.

فكلمة «الجون» تطلق على الأبيض كما تطلق على الأسود، وعلى الأحمر، وعلى الأخضر من النبات … وليست هذه الألوان مما يلتبس على أحد، ولكن الأصل فيها جميعًا هو الطلاء؛ إذ يقال عن النقاش إنه «تجون» الجدار أو «تجون» الباب أي طلاه، ثم يقال بعد ذلك إن الجدار جون «أي مطلي»، سواء كان لونه أبيض أو أسود أو أحمر أو أخضر … ومثل هذا في لغتنا الدارجة كلمة «اللميع» التي تطلق على الجلد من جميع الألوان للتشابه في اللمعان.

(٣) وللتهكم شأنه في تسمية الأشياء بأضدادها، كما يقال عن المحيط بين القارتين الآسيوية والأمريكية إنه المحيط «الهادئ» وهو أعنف البحار، وكما نقول نحن عن القطار المشهور إنه «المستعجلة» وهو أبطأ القطارات.

وللأضداد أسباب غير هذه قد نلاحظها في أحاديثنا اليومية ونفسر بها ذلك الاختلاف المضحك بين الكلمات في اللهجات الشائعة بين الأقطار العربية، فالمبسوط — مثلًا — هو المضروب المهان بلهجة العراق، ولكنه بلهجتنا القاهرية وغير القاهرية هو المسرور المبتهج، وربما أطلقوه على الشارب الذي يجاوز حد السرور الهادئ إلى الغناء والصياح.

والغالب أن الأضداد في اللغة تنقرض بالإهمال كما تنقرض المترادفات بالتخصيص والتمييز أو بالاختصار والاكتفاء. ولا بدَّ لهذه الظواهر الطبيعية في اللغة أن تجري في مجراها إلى مستقرها، ولعلها من علامات حياة اللغة؛ لأنها تسجل للألفاظ كلَّ موضع معقول يصح أن توضع فيه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.