كيف — تُرى — سيكون عالمنا بعد الحرب؟ أحسب أن من الشطط في الأمل، والإغراق في الأحلام أن يتصور أحد أن الدنيا ستنقلب فردوسًا تسعد فيه الأمم والأفراد ولا يشقى فيه مخلوق، ولكن تعذُّر هذه السعادة الشاملة في الأرض لا يمنع أن تفوز الجماعات والأفراد بحظوظ جزيلة من الخير المنشود، وليس إدراك ما دون السعادة القصوى بالقليل الذي يُزهد فيه، ولا داعي على الحالين لليأس من بلوغ الأمل الأبعد، فما سعى الناس جادين مخلصين وخابوا حتى يقنطوا، والدنيا لأهلها يجعلونها كما يشاءون وعلى النحو الذي يقدرون عليه، فليس يمنعهم مِن جعْل دنياهم أصلح، وآمن وأرغد إلا جهلهم أو قصورهم، أو قلة إخلاصهم في الرغبة في ذلك والسعي له.

وقد وصف الناس قديمًا ما يحلمون به من صور العالم المثالي، وليس هذا محل القول في ذلك وبيان ما صوره أو دعا إليه وحض عليه المصلحون المختلفون، وكل ما نريد أن نقوله أن هذه أول مرة نرى فيها الذين في أيديهم أزِمَّة الأمور في الأمم يقولون إنهم ينوون أن يعالجوا الفساد في الدنيا، وأن يقيموا الحياة فيها للجماعات والأفراد على قواعد أرشد وأنفى لهذا الفساد؛ حتى ألمانيا تزعم أنها ابتدعت نظامًا جديدًا تُبنى عليه حياة الأمم وعلاقاتها، أما الديمقراطيات أو الأمم المتحدة فلا تزعم هذا، وإنما تقول إنها تمهد له بالدرس والبحث والمشاورة، حتى إذا وضعت الدول السلاح وخمدت نيران الحرب المندلعة، أمكن الشروع في التنظيم الجديد الذي يُرجى أن يُعفي العالم من مثل هذه النكبة، وأن يقيم علاقات الأمم على حدود السلام والتعاون، وأن يجعل حياة الفرد أشبه بما ينبغي أن تكون.

وليس هذا بالمسعى الهين؛ فإن من العقبات أن عالمنا هذا ينطوي على عوالم شتى، وأن كل أمة فيه تفكر على نحو خاص، وشبيه بهذا ما يكون بين أسلوبَي تفكير الكثرة والقلة في أمة واحدة من الاختلاف والتفاوت، ولسنا نحتاج أن نبين أن عقلية القلة في كل جماعة غير عقلية الكثرة فيها، فإن هذا بديهي، وكذلك الدول والأمم تختلف أساليب تفكيرها وتتعدد أنحاؤه، وتتفاوت عقلياتها ووجهات نظرها ومراميها؛ فتفكير دولة كألمانيا — مثلًا — تَنشُد السيطرة والغلبة لا يُعقل أن يكون مطابقًا أو مشاكلًا لتفكير أمة كتركيا لا تبغي إلا السلامة والأمن، ولا تتطلع إلى غزو أو فتح، ولا تطمع في بسط سلطانها على ما حولها؛ وعقلية دولة كبريطانيا رقعة إمبراطوريتها لا تغرب عنها الشمس، وحياتها كلها رهن بما وراء البحار — لا تكون حرة آمنة، فإذا مدت بصرها فأقصى ما تتطلع إليه أن يكون الأمر بينها وبين جاراتها وذوات قرباها على حد التعاون والتآزر وجمع الكلمة، لا للعدوان بل رغبة في السلامة وطلبًا للاطمئنان.

وعقلية دولة كالولايات المتحدة لا طمع لها في أرضٍ غير أرضها، ولا رغبة لها في استعمار، وإنما تريد تحرير الأمم والأفراد ليتسنى لها أن تحيا حياتها الخاصة وتدرك غاياتها منها — هذه العقلية لا تماثل عقلية دولة كإيطاليا تتجاهل أمم البحر المتوسط وحقها في التصرف — بل في الوجود المستقل — وتذهب تقول: «إن هذا بحرنا.»

وقد يتيسر أن تُجمِع الأمم على أغراض واحدة عامة، بل لقد تسنى أن تُجمِع الأمم المتحدة على غايات معينة، وليس هذا بالعسير في ذاته، وإنما العسير في التطبيق وإنصاف بعض الأمم لبعض بعد الحرب، وتوخِّي روح الإيثار في التنظيم الجديد، والإنسان إنسان وهو ليس بمعصوم، وليس من السهل أن ينزل المرء عما في يده أو ما يَنعم به من مزايا، أو أن يغمط نفسه ومجهوده في الحرب وما حمل من أعبائها واحتمل من رزاياها، وقد يكفي أن تغتر أمة مفردة أو تغالي في مطالب السلامة، أو غير ذلك ليفسد الأمر ويضطرب الحال أو يزداد الإصلاح المنشود تعذُّرًا، وإذا كان الخطر الجسيم المشترك قد سهَّل توحيد الجهود وتصافق الأيدي وتساند الأكتاف، فقد يجيء انتفاء الخطر وحصول الاطمئنان إلى زمان غير قصير بالخلاف، وهذا ما ينبغي اتقاؤه، وأنه لمَّا تسعَ الأمم المتحدة أو كبراها من الآن لدفعه والحيلولة دونه.

وقد يُطمئن الأمم الصغيرة أن الحرب علَّمت الأمم الكبيرة أن الطمع والنهم مجلبة للشر، وأن التحول إلى التعاون على تبادل المنافع أَولى وأجدى، وأن دولة كبريطانيا لم تبقَ بها حاجة إلى استعمار جديد، أو احتياط بعد النصر على المحور من مثل ما احتاطت له فيما مضى وكانت فيه بعيدة النظر من ناحيتها، وأن دولة كالولايات المتحدة لا تبغي أن تستعمر وإنما تبغي أن تعيش آمنة في عالم آمن، متعاونة مع الأمم الأخرى.

وقد جربت بريطانيا سياسة الحرية التامة والتكافؤ في الحقوق مع الأملاك المستقلة؛ فوُفِّقت فيها وجنت ثمراتٍ ما كانت لتُجنى بغير ذلك، وصارت في هذا الباب مثلًا يُحتذى، وتنادي الولايات المتحدة بألسنة زعمائها أنه ينبغي أن يؤدي الانتصار إلى تحرير جميع الشعوب ومحْو الفوارق بينها؛ فقد انقضى عهد الاستعمار.

وأعتقد أنه ليس من الإسراف في الأمل أن يجيء تطبيق هذه المبادئ بعد الحرب والانتصار فيها أعدل وأتم من تطبيق مبادئ ولسون في أعقاب الحرب الماضية، فقد نفضت أمريكا يدها من أوربا وغيرها بعد الحرب الماضية وكرَّت راجعة إلى عزلتها، أما في هذه الحرب فقد آلت أن تتقي هذه الغلطة، وراح ساستها — على اختلافهم — يجهرون بأن بلادهم ستساهم بأوفر نصيب في تنظيم العالم وتمكين الأمم من الأمن والسلام والرغد.

فلعل وعسى، فإن هذا مناط الأمل.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.