يسأل السيد «عبد المجيد أحمد جيزاوي» عن مراجع كتبت فيها منذ عشر سنوات في موضوع «تقاليع» الفوضى، التي يسميها بعض الأدعياء بالمذاهب الفنية وليست هي من الفن في شيء. ويقول الأديب إن إطلاعه على ما كتبناه في هذه الفترة الأخيرة يحفزه إلى متابعة الآراء حول هذا الموضوع من مبادئها الأولى فيما نكتبه نحن، وما يكتبه غيرنا حول مذاهب التجديد في الفنون الجميلة.

ونقول للسيد عبد المجيد: إن ما كتبناه منذ عشر سنوات موزع بين أعداد من الصحف لا تحضرنا الآن تواريخها التي تساعده على طلبها في مواضعها لمراجعتها.

ولكن الموضوع برمته قديم في تعليقاتنا على حركات الفنون المستحدثة، وقد تابعنا هذه المذاهب منذ ظهورها على الخصوص في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وقدرنا لبعضها الزوال قبل أن تزول فعلًا من عالم الفن والثقافة.

ولا نحصي كل ما كتبناه حول هذا الموضوع في حينه. ولكن الفصول التي جمعناها منه في بعض الكتب كافية للتعريف بوجهته ومضمونه، وقد أعيد طبع هذه الكتب ثلاث مرات في بضع سنوات.

ومن الطبعة الثالثة لأحدهما — وهو «ساعات بين الكتب» — نختار هذه الفقرات من مقال نشرناه في عدد (الثاني من شهر مارس سنة ١٩٢٨ من البلاغ الأسبوعي) بعنوان: «المعرض الفرنسي»، مضى على كتابته نحو خمس وثلاثين سنة تحققت في أثنائها جميع تقديراته. وقد يعد ظهور «التقاليع» الجديدة بعده إعلانًا لزوال تلك التقاليع السابقة، وإعلانًا معه لزوال الجديد غدًا على آثارها.

نقول في مقال الثاني من شهر مارس سنة ١٩٢٨ عن الإمبرشنزم أو التأثرية أو الإحساسية:

… فإن الإمبرشنزم الذي لهج به المصورون في هذا العصر يهبط بالفن كلما تمادى إلى حيث يكثر فيه الادعاء ويضعف المرجع المصطلح عليه ويصبح الشذوذ هو القاعدة، والقاعدة هي الشذوذ … ولا نظن أن الفن من هذا القبيل فنًّا إنسانيًّا يصدق في الإبانة عن طبائع الإنسان … ولكنه هو فن النزوة الموقوتة والغرابة التي يوشك أن تضمحل مع الألفة إلا أن تزيدها الألفة من توطد واستقرار … والإحساسية في هذه الحالة هي مجرد المخالفة للآخرين على نمط يستطيعه كل من يبغي الخلاف والشذوذ … وأكثر ما نراه في تحريفاتهم إن هو إلا أزياء لا تفهم لها حجة، كزي السراويل الواسعة بعد زي السراويل الضيقة، أو كزي اللون البنفسجي بعد زي اللون الأزرق أو المرقط، وكلها ذاهبة مع الزمن كما يذهب كل جديد يؤتى به حبًّا للجديد ورغبة في التنويع الموقوت، ولا تبقى إلا الإحساسية المستمدة من الحس الصادق والعلم الصحيح …

وهكذا كان بحمد الله … فأين الآن تلك الإحساسية المشوهة؟ ذهبت كما ذهبت بعدها توءمتها التعبيرية Expressionism التي زادت عليها في أساليب التشويه والإغراب، وذهبت مع التعبيرية تقاليع مثلها كالوحشية والدادية والمستقبلية.

وستذهب بعدها أخوات لها تنقض عنها على التوالي عامًا بعد عام.

وقد يرى السيد صاحب السؤال أننا كنا نسمي تلك التقاليع قبل خمس وثلاثين سنة بالأزياء، ولا نسميها بالموضات، كما نقول عن تقاليع خلفائهم الخنفشاريين في الزمن الأخير؛ لأن تقاليع الزمن الأخير سقطت عن منزلة الزي باللغة الفصحى إلى منزلة «الموضة» بلغة الابتذال، وقد يكثر عليها اسم الموضة حين تصلح الموضة للظهور ولو بضعة أسابيع.

***

وفي الشهر نفسه كتبنا مقالًا آخر بعنوان «الإحساسية في التصوير» قلنا فيه عن الإحساسية المتطورة: إنها «تكميل لنظر الأقدمين مسبوق إليه أو متوقع في آثار بعض الأساتذة الإسبان والفرنسيين … و«ديلكروا» لم يكن إحساسيًّا ولكن أسلوبه في ملاحظة المسافة لا ينكره الأسلوب القديم ولا أي أسلوب صحيح، فلا يعاب عليه أنك حين تدنو من أزهاره لا ترى إلا بقعًا من الألوان يتعذر عليك تمييزها، ثم تبتعد قليلًا قليلًا فإذا هذه البقع ورود وأزهار لا أجمل منها ولا أصدق في رعاية اللون والرسم والمسافة.»

واستطردنا من الكلام على المدرسة الإحساسية إلى الكلام على ما كانوا يسمونه بالمدرسة المستقبلية، فقلنا: إنها تعاب حين تترامى كما ترامى «ناقدها» المتهوس مارنيتي … فقد «زعم أن الفن يجب أن يُعنى برسم الأشياء في الزمان لا في المكان وحده … وفسر ذلك بأن المصور يجوز به أن يرينا ظهر الكرسي من خلال جسم الرجل الجالس عليه؛ لأن ذلك الرجل سيفارق كرسيه في زمن قريب، وأنه يجوز له أن يرسم أذرعًا خمسًا أو ستًّا للرجل الذي يحك رأسه؛ لأنه يؤديه بذلك أداءً صادقًا في أزمانه المتتابعة.» ثم تبحث عن كل هذه الكلمات الخاوية من مستقبلية إلى رسم في الزمان إلى النفاذ المحسوس في خلال المادة إلى غير ذلك من الطبل والطنين، فتلفيه كله لا يخرج عن رسم الحركة الذي عرفه الأقدمون وأدَّوه أجمل أداء، ووصفه شاعرنا العربي ابن حمديس حين قال:

أُسد تخال سكونها متحركًا

في النفس لو وجدت هناك مثيرًا

***

ويرى القراء أن المستقبليين كانت لهم حجج «علمية» لا تقل عن حجج الوعي الباطن واللامعقول التي يهذي بها اليوم جماعة «الخنفشاريين» من دعاة التجريد والتجديد، ولكنها كلها من قبيل الهذيان الذي يسخر منه السامع إذا استمع إليها من مخبول مصاب بالبحران الشديد، فكيف به إذا نطق به مخلوق مفيق يزعم أنه ينير الطريق للمستقبل ويغلق الباب على الفن العتيق؟!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.