لن تتدخل بريطانيا العظمى في شئون الشرق الأوسط، ولكنها ستنشئ له مكتبًا خاصًّا يُعنى بأمره؛ ليتحقق التعاون بين أجزاء هذا الشرق من جهة، وبينه وبين بريطانيا العظمى من جهة أخرى. وسيكون هذا التعاوُن شاملًا كاملًا مرنًا يتناول بنوع خاص شئون الاقتصاد التي تحقق الرخاء للشرق، وتصلح حياة الرجل العادي وترفع مستوى هذه الحياة إلى الدرجة التي تلائم كرامة الإنسان.

وبريطانيا العظمى لا تريد سيطرةً ولا استعلاءً، وهي من أجل ذلك لن تتدخل في شئون هذا الشرق، ولن تُقحِم نفسها في مشكلاته، ولن تعرض لشئون الحكم فيه؛ لأن هذه الشئون مقصورة على الشعوب نفسها لا ينبغي للأجنبي أن يعرض لها أو يدخل فيها. إنما تريد بريطانيا العظمى أن يقوم الأمر بينها وبين الشرق الأوسط على أساس من المشاركة التي تعتمد على المساواة لا على التفوُّق، وبهذا كله يتحقق الإنصاف الكامل الشامل وينعم الشرق بالحياة الكريمة القائمة على الحرية والاستقلال.

بهذا كله تحدَّث مستر بيفن إلى مجلس العموم حين نوقشت السياسة الخارجية البريطانية في هذا المجلس أول أمس. وهذا كلام كله مرن لا يشبهه في المرونة إلَّا الاستقلال الذي يُراد أن يُعترف به للشرق الأوسط. ومن قبل ذلك تحدث مستر بيفن عن هذه الشركة التي لا تقوم على السيطرة والاستعلاء، وإنما تقوم على العدل والمساواة، وعلى توفير الرخاء وإصلاح الاقتصاد ورفع مستوى الحياة بالقياس إلى الأفراد. تحدث بهذا كله في غير خُطبة من خُطَبِهِ التي ألقاها هنا وهناك، ولا أكاد أعرف أحدًا منَّا وقف عند هذا الحديث إلَّا الأستاذ محمود عزمي الذي تساءَل ذات يوم عن هذه الشركة: أتشمل شئون مصر وحدها أم تشمل معها شئون بريطانيا العظمى؟

فأمَّا غير الأستاذ محمود عزمي من الكُتَّاب فأهملوا شأن هذه الشركة إهمالًا، ولم يُعنَوْا إلَّا بما قاله مستر بيفن من أن بريطانيا العظمى لا تريد أن تتدخل في شئون الشرق ولا أن تعرض لأمور الحكم فيه، ومع ذلك فلهذا الحديث خطر أي خطر؛ لأنه صريح على مرونته واضح على ما يحاول فيه مستر بيفن من الالتواء، وهو يلقي ويكرِّر حتى يوشك أن يجري مجرى الأمثال السائرة والكلمات الشائعة.

وهو يلقي ويكرر في نفس الوقت الذي يتحدث فيه المصريون عن استكمال الاستقلال، والذي يطمح فيه الشرقيون جميعًا إلى تحقيق هذا الاستقلال. فهذا الحديث رسم للسياسة البريطانية بإزاء هذا الاستقلال في المستقبل من الأيام، رسم للسياسة البريطانية التي لا يريد مستر بيفن أن يخرج عنها مهما تكُن الظروف ومهما يكُن من إلحاح المفاوضين المصريين والشرقيين على السواء.

فوزير الخارجية البريطانية إنما يقول بهذا الحديث للمصريين وغيرهم من أهل الشرق: قد نفاوضكم إذا أردتم المفاوضة، وقد نُتِمُّ لكم الاستقلال إذا أردتم أن نتمه لكم، ولكن هذا كله سيكون في هذه الحدود التي ترونها، لن نتدخل في شئونكم، ولكنا لن نخلي بينكم وبين أموركم تقضون فيها كما تشاءون، ولكنا سنقيم الأمر بيننا وبينكم شركة حرة قوامها العدل والمساواة. فإذا سألنا عن هذه الشركة ما موضوعها، فموضوعها واضح جدًّا: الاقتصاد والمال من جهة والدفاع العسكري من جهة أخرى، الاقتصاد والمال لأن بريطانيا العظمى رفيقة جدًّا بأهل الشرق، لا تريد أن يجوعوا ولا أن يظمَئوا ولا أن يَعْرَوْا، وإنما هي كوزارتنا القائمة تريد أن تكفل لهم الغذاء والكساء وتجنبهم الفقر والضُّر، وإن لم تكفل لهم شيئًا وتجنبهم شيئًا، وهي من أجل ذلك لا تريد أن تترك لنا شئون المال والاقتصاد نستقل بها كما نشاء، ونصرفها كما نحب؛ لأن ذلك قد يعرضنا للبؤس والشقاء، ونحن أحب إليها وآثر عندها من أن تتركنا نتعرض للبؤس والشقاء. وهي في الوقت نفسه حريصة على أن تروج تجارتها ويستقر سلطانها المالي والاقتصادي، ولا بد لها من أن تنتفع كما ننتفع نحن أيضًا. فرواج تجارتها واستقرار سلطانها المالي ينفعها من غير شك، وينفعنا من غير شك أيضًا، وكذلك تتحقق الشركة التي تقوم على العدل والمساواة لا على السيطرة والاستعلاء. فإن خطر لنا أن نذهب في التجارة والاقتصاد مذهبًا غير مذهبها، أو أن نلجأ في التصدير والاستيراد إلى غير أسواقها ومصانعها، فنحن ظالمون معتدون، وليس ينبغي لها أن تقرنا على هذا الظلم أو أن تقبل منَّا هذا الاعتداء. وكذلك تتحقق الشركة التي يريدها مستر بيفن بيننا وبين حلفائنا البريطانيين على أساس من العدل والمساواة لا من السيطرة والاستعلاء، ليس لنا أن نتَّجر مع أمريكا مثلًا إلَّا بالمقدار الذي تسمح لنا به شريكتنا وحليفتنا العظمى، ولها هي أن تتَّجِر مع أمريكا وغير أمريكا كما تشاء بالطبع؛ لأنها شريكة لنا في شئوننا نحن لا في شئونها هي. وقد يسمي الناس هذا النوع من الشركة تحكمًا واحتكارًا، ولكنها هي تسميه عدلًا ومساواةً واستقلالًا، وهذا يكفي. ثم هي بالطبع ستُشرِف على ما يكون من تعاوُن اقتصادي ومالي بيننا وبين جيراننا الشرقيين لتنسقه تنسيقًا عادلًا؛ فهي كريمةٌ جدًّا لا تُعنَى برضائنا وحدنا بل تُعنَى برضاء الشرقيين جميعًا. وهي إذن ستُمسِك بيدها ميزان العدل بيننا وبين جيراننا وإخواننا الشرقيين، وستكون هي الحكم إن شجر بيننا خلاف قليل أو كثير، وكذلك يتحقق الاستقلال الجديد في شئون المال والاقتصاد.

وواضح جدًّا أن هذا الاستقلال يجب أن يُحمى، ويجب أن يُصان، ويُردَّ عنه العدوان. فنحن سنظفر بشيءٍ كثيرٍ من الرخاء، وقد يطمع الطامعون في هذا الرخاء ليشاركونا فيه أو ليزاحموا حليفتنا عليه، ولا ينبغي أن يُتاح للطامعين من تحقيق المآرب وإرضاء المنافع؛ لأن ذلك يؤذي الشريكين أحدهما أو كليهما، وكما أننا سنشترك في هذا الرجاء فسنشترك في الدفاع عنه أيضًا، فإذا أضفت إلى ذلك أننا لحسن الحظ نقع في طريق الإمبراطورية ونكوِّن جزءًا خطيرًا من طرق المواصلات بين حليفتنا ومستعمراتها؛ أصبح واضحًا كل الوضوح أن الشركة العسكرية بيننا وبين الحليفة العظيمة ليست أقل لزومًا من الشركة في شئون المال والاقتصاد.

هذا هو كل ما تريده بريطانيا العظمى من مصر ومن الشرق، لا تريد أن تتدخل ولا أن تسيطر، وإنما تريد أن تشارك في ترقية الحياة المادية اليومية، وفي حماية هذه الحياة من عدوان المعتدين. فأمَّا السياسة وشئون الحكم فهي زاهدة فيها كل الزهد، مُعرِضَة عنها كل الإعراض. وما أعرف جوابًا معقولًا لهذا الذي يعرضه علينا وزير الخارجية البريطانية إلَّا أن يغرق الشعب المصري في ضحكٍ عريض لا يكاد ينقضي، فأقل ما يوصف به هذا الكلام هو أنه ساذج لا يقنع أحدًا ولا يخدع أحدًا إلَّا من يريد أن يتعمد الغفلة ويتكلف الاقتناع والانخداع؛ فهذه الشركة التي يريدها مستر بيفن قد نريدها نحن وقد لا نريدها، فإذا رفضناها فما عسى أن يكون رأي مستر بيفن في هذا الرفض، أيرضاه أم يأباه، وإذا قبلناها فقد يكون لنا رأي في تنفيذها تنفيذًا شاملًا أو تنفيذًا منقوصًا، وقد يكون لنا رأي في توقيتها بأجل طويل أو قصير، وقد يكون لنا رأي في موضوعها، فقد نحب أن نشارك البريطانيين في بعض الأمر والأمريكيين أو غيرهم مثلًا في بعضه الآخر. فما عسى أن يكون رأي مستر بيفن في هذا كله، أيرضاه أم يأباه؟ وحماية هذه الشركة أنستقل بها نحن فلا يكون لحلفائنا أي تدخل عسكري في هذه الحماية من قُرب أو من بُعد أن نشترك في هذه الحماية؟ وإذن فأي فرق بين ما سنصل إليه في المستقبل وما نحن مضطرون إليه الآن؟ أيبقى في مصر أو في الشرق جيش بريطاني قليل أو كثير لحماية هذه الشركة أو للمعونة على هذه الحماية؟ وإذن فأين الجلاء؟

وبعد، فهل من الحق أن هذه الشركة إن وجدت تكفل الاستقلال السياسي وتمنع من التدخل في شئون الحكم؟ وكيف السبيل إلى الاستقلال السياسي إذا شارك حلفاؤنا في الحياة الاقتصادية وفي حماية هذه الحياة؟ أليس هذا كله كلامًا إن دل على شيء فإنما يدل على أن وزير الخارجية البريطانية ما زال ينظر إلى الشرقيين على أنهم أطفال يمكن أن يُخدعوا بهذه الألفاظ الحُلوة التي لا تغني شيئًا. فهل يريد الشرقيون وهل يريد المصريون خاصةً أن يكونوا أطفالًا، وأن يُخدعوا بهذه الألفاظ؟ أم هل يريدون أن يكونوا رجالًا وأن يقولوا لوزير الخارجية البريطانية إنهم لا يحبون شيئًا كما يحبون التعاوُن الذي يقوم على الاستقلال الصحيح في شئون المال والاقتصاد وفي شئون السياسة والحرب، وإنهم لا يبغضون شيئًا كما يبغضون هذه الشركات التي يعرفون كيف تبتدئ ولا يعرفون كيف تنتهي.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.