لست صاحب هذا العنوان، وإنما أستعيره من كاتب فرنسي معروف جعله عنوانًا لمقال له في صحيفة الفيجارو. وهذا المقال يصوِّر أروع تصوير وأبرعه نفوس المحافظين من أنصار الاستعمار، وعقولهم وضمائرهم وقلوبهم أيضًا، فهم لم يسيغوا ولن يسيغوا آخر الدهر هذه الظاهرة التي يمتاز بها العصر الذي نعيش فيه، وهي ظاهرة الطموح إلى الحرية والجد في سبيل الظفر بها والوصول إليها آخر الأمر. وهذه الظاهرة، كارثة بالقياس إلى هؤلاء المحافظين من أنصار الاستعمار؛ ذلك أنهم يؤمنون في أعماق نفوسهم بشيئين خطيرين: أحدهما المال والآخر السلطان، وما يكون له من بُعد الصوت وعلو الكلمة وارتفاع المكانة. فكل غني من هؤلاء المحافظين مستثمر لماله كله أو بعضه في مستعمرة أو في غير مستعمرة من المستعمرات التي يسيطر عليها وطنه، فإذا تحررت هذه المستعمرة أو طالبت بحريتها واشتدت في هذه المطالبة فهي مؤذية لهذا الغني في ماله أولًا، وفي سلطان وطنه ومكانته بعد ذلك. وكل فقير من هؤلاء المحافظين يغنيه سلطان وطنه، وارتفاع مكانته بين الأوطان، وبُعد صوته في أقطار الأرض عن المال، أو قل يعزيه عن المال ويثير فيه كثيرًا من الكبرياء، ويغري به الغرور ويخيل إليه أنه شارك من قريب في هذا السلطان المنتشر وفي هذا الصوت البعيد وفي هذه المكانة الرفيعة.

فكل مستعمرة تتحرر أو تطالب بالحرية وتلح في هذه المطالبة؛ تؤدبه في كبريائه، وتطاطئ من غروره، وتلقي في روعه أن وطنه قد أخذ يضعف قليلًا أو كثيرًا، وأن له حظه من هذا الضعف، وأنه منتهٍ غدًا أو بعد غد إلى أن يرى وطنه قد انحط من مكانته الرفيعة إلى مكانة أدنى منها، وأنه يشارك في هذا الانحطاط من قريب جدًّا. وهو من أجل ذلك كزميله الغني، مبغض لتحرر المستعمرات، مبغض لمطالبتها بالحرية، ضيق بوطنه حين لا يملك القوة على سحق هذه المستعمرة المتمردة وردها إلى الذل والهوان وإكراهها على أن تؤمن بأنها خُلقت للذل وخُلق الذل لها، وبأنها خُلقت للطاعة وخُلقت الطاعة لها، وبأنها فُطرت على الاستعباد، وكُتب عليها أن تجدَّ وتكدَّ وتذوق ألوان البؤس والشقاء؛ ليزداد الغني غنًى وليزداد حظ المستكبر المستعلي من الكبرياء والاستعلاء والغرور. وليس أسهل على نفوس هؤلاء المستعمرين من أن تعكس حقائق الأشياء وتردها إلى أضدادها، فليس المستغل المستذل الذي يسخر الناس لتحقيق منافعه هو الذي يظلم هؤلاء الناس ويدفعهم بظلمه إلى أن يبغضوه ويثوروا به حين تُتاح لهم الفرصة للثورة به، وإنما الشعب الذي طال استذلاله واستغلاله ثم أحس وجوده وشعر بحقه في الحياة الكريمة وطالب بهذا الحق، هو الظالم وهو الباغي وهو المعتدي؛ لأنه يُنقص ثراء الأغنياء وكبرياء السادة ويطاطئ من مكانتهم الرفيعة، وهو يغري الشعوب التي شاركته في الذل والاستعباد بأن تثور كما ثار وتطالب بحقها في الحرية والكرامة كما طالب بهما.

فهو إذن ناشر للظلم والبغضاء، وهو من أجل ذلك مفسد في الأرض، وكل من أقره على مطالبته بالحرية أو أعانه على بعض أمره بعد ظفره بهذه الحرية مشاركٌ له في الظلم ومفسد مثله للأرض.

ومن أجل هذا كله أنشأ ذلك الكاتب الفرنسي المعروف مقاله، ومن أجل هذا كله نشرت صحيفة الفيجارو له هذا المقال؛ ذلك لأن هذا الكاتب في أكبر الظن من الذين أسهموا في استغلال المستعمرات، ومن الذين أسهموا في استغلال قناة السويس حين كانت قناة السويس خاضعة لسلطان تلك الشركة البائسة، وهو من أجل ذلك ساخط كلما تحررت مستعمرة وساخط كلما أقرَّ وطنه استقلال هذه المستعمرة، سواء أكان هذا الاستقلال صريحًا أم مدخولًا، وهو من أجل هذا يُسمي دعاة الحرية في المستعمرات وفي البلاد التي خضعت خضوعًا ما لسلطان الأجنبي رُسلَ البغضاء.

فرئيس حكومة الكنغو البلجيكي سابقًا رسولٌ من رسل البغضاء؛ لأنه يطالب بحرية وطنه ووحدته وحقه في الكرامة، ورئيس الجمهورية العربية المتحدة من رسل البغضاء؛ لأنه أجلى البريطانيين عن مصر وحرر قناة السويس وردها إلى أصحابها، والذين ثاروا بملك العراق ونوري السعيد من رسل البغضاء؛ لأنهم أرادوا أن يحكم العراق نفسه.

وكل من أعان هؤلاء على ما طلبوا أو على ما يطلبون لترقية بلادهم والترفيه على شعوبهم، مشاركٌ لهم في رسالة البغضاء ومعين لهم على نشر الفساد في الأرض. فالاتحاد السوفييتي مثلًا مشارك في نشر البغض وإظهار الفساد في البر والبحر؛ لأنه يقر الشعوب المتحررة ويؤيدها، والولايات المتحدة الأمريكية ناشرة للبغضاء معينة على الإفساد في الأرض؛ لأنها تعترف باستقلال الشعوب المتحررة ولا تشن عليها الحرب الاقتصادية.

ولو قد صدر مثل هذا المقال عن رجل من الذين يحترفون السياسة ويعيشون بها ولها لهان أمره، فلأصحاب السياسة مذاهبهم ولهم حياتهم على ما يكون فيها من خير وشر. ولكن صدور هذا المقال من كاتب أديب لا يشارك في السياسة العاملة وإنما ينظر في الحياة ويقوِّمها ويحكم عليها بعقل المفكر الأديب لا بعقل السياسي المحترف، هو الذي يدعو لا أقول إلى العجب — فكل شيء ممكن في هذه الحياة الحديثة — بل إلى التفكير. فلولا أن لهذا الكاتب وأمثاله مشاركة في المنافع التي تغلها المستعمرات، لَما فكر تفكيره هذا، ولما رد حقائق الأشياء إلى نقائضها ولا اطمأن ضميره إلى أن من الحق أن تشقى الملايين بالذل والبؤس والجوع وألوان العناء؛ لتنعم قلة من الناس لا تكاد تُحصى إلا بالمئات، ولَما رضي ضميره أن يكون الناس في هذا العصر الحديث فريقين: أحدهما مستمتع بكل ما يحب من طيبات الحياة المادية والمعنوية، ليس له إلا أن يريد فيتحقق كل ما يريد، والآخر يُحرم كل طيبات الحياة المادية والمعنوية ليس له أن يريد ولا أن يفكر في الإرادة، بل ليس له من حقائق الإنسانية إلا صورتها الظاهرة، وليس بينه وبين الأدوات التي يعمل بها فرق ذو بال، إنما هو أداة مثلها مسخر مثلها لتلك القلة التي أُتيح لها أن تستمتع بكل شيء بشرط أن تكون في الأرض ملايين كثيرة قد حُرمت كل شيء.

إنما هي المنفعة وحدها التي تفسد ضمائر الأدباء والمفكرين، وتبلغ بهم هذا الحد من اعوجاج النظر في الأشياء والحكم عليها.

والحمد للَّه على أن في الغرب كُتابًا آخرين لم يُفسد ضمائرهم الجشع إلى المال، ولا الحرص على الثراء، ولا الرغبة في الترف الذي يُفسد النفوس ويميت القلوب.

كُتَّاب ينظرون إلى الأشياء كما هي، لا يغيرون حقائقها ولا يعكسون طبائعها ولا يؤثرون أنفسهم بالخير من دون غيرهم من الناس، وإنما هم يستبشرون بكل دعوة إلى الحرية ويبتهجون بكل ظفر بالحرية ويسعدون حين يرون أن نور الحق ينتشر في الأرض شيئًا فشيئًا، ويوشك أن يعمرها كلها، وأن يحقق المساواة بين الشعوب، وأن يحقق هذه المساواة بين أبناء هذه الشعوب، وأن ينشر العدل فلا يكون في الأرض سيد ومسود، وإنما تكون الأرض كلها حرة تعيش فيها وتستثمرها شعوب حرة. وقد يكون هذا المثل الأعلى بعيدًا بعض الشيء، ولكنه كغيره من المُثل العليا يدنو قليلًا، ويرقى الإنسان إليه قليلًا قليلًا، حتى إذا بلغه الإنسان ظهرت له مُثل عليا أبعد منالًا وأرفع مكانًا وأجدر أن يطلبها الإنسان ويجدَّ في طلبها حتى يبلغها ويطمح إلى مُثل أرقى منها.

فحياة الإنسان طموح متصل ورقي متصل وآمال تتحقق؛ لتظهر مكانها آمال أخرى تدفع الإنسان إلى الجد والكد والعمل. والشيء الذي ليس فيه شك هو أن رسل البغضاء الذين يذكرهم الكاتب الفرنسي؛ سيسجل التاريخ لهم في يوم من الأيام أنهم كانوا رسل الحب والسلام ورسل الحرية وكرامة الإنسان ورسل العدل الذي لا يتيح للأغنياء أن يترفوا بشقاء البائسين المستذلين.

كل ظواهر الحياة الحديثة تدل على أن مصير الشعوب المستضعفة إنما هو إلى الحرية والكرامة والعزة والمساواة، وإن رَغِم أنف المستعمرين سواء منهم الجهلاء والمثقفون.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.