عرفنا أن فرنسا وإنكلترا اتفقتا على أن تدعوا الدول إلى عقد مؤتمر في الآستانة لحل الأزمة المصرية، وعرفنا أن القواعد التي وضعتاها لهذا المؤتمر واتفقتا عليها وبلغتاها للدول في ١٢ فبراير هي:

(١) صيانة حقوق الخديوي والسلطان والعهود الدولية والاتفاقات التي نجمت عن تلك العهود، سواء كان مع فرنسا وإنكلترا وحدهما أم مع الدول الأخرى.

(٢) احترام الحريات المخولة لمصر بالفرمانات السلطانية.

(٣) الاستزادة من ترقية الأنظمة المصرية بهوادة وعلى حذر.

على هذه القواعد انعقد مؤتمر السفراء، وقد قلنا إن السلطان رفض الاشتراك بهذا المؤتمر بحجة أن مصر ولاية تركية وله وحده النظر في أمرها، واكتفى بإرسال درويش باشا بناءً على نصيحة ألمانيا التي كانت تؤيد نظريته.

ولما وقعت مذبحة ١١ يونيو وقد ظهر عجز درويش باشا، اضطرب السلطان وأظهر للورد دوفرين في ١٣ يونيو رغبته في إرسال قوة إلى مصر، ولكنه عدل عن ذلك في ١٦ يونيو بدسائس سفراء المحالفة الثلاثية، وبحجة أن تأليف وزارة راغب باشا بمصر وسعي درويش باشا يفرجان الأزمة. وعندما اطلع اللورد غرنفيل على هذا الجواب، صرَّح بأن «إنكلترا تسهر وحدها على مصالحها الخاصة في مصر».

فلم تدرك الآستانة مغزى هذا التهديد، وظل السلطان مصرًّا على رأيه، ورأى أن ينظر إلى من يؤيده، فأرسل إلى الإمبراطور فونسوا جوزيف بشأن الامتياز؛ ولكن دهشته كانت كبيرة عندما بلغه أن السفراء اجتمعوا عند أقدمهم عهدًا في ترابيا في ٢٣ يونيو، وأنهم يتشاورون في الأمر.

وفي ٢٥ وضعوا قرارًا بألا تطلب دولة من الدول غنمًا أو امتيازًا، وفي ٢٧ اقترح سفير إيطاليا بألا تُقدم إحدى الدول على عمل منفرد، فأضاف سفيرا إنكلترا وفرنسا على ذلك استدراكًا هو: «إلا في حالة الاضطرار والضرورة».

وفسر سفير إنكلترا ذلك بقوله: إن من «حالة الضرورة والاضطرار» إرسال السلطان جنوده إلى مصر قبل قبول شروط الدول، وكذلك تعرُّض قناة السويس للخطر أو إذا كانت مصالح إنكلترا الخاصة مهددة بالخطر.

وفي ٦ يوليو عقد السفراء الجلسة السابعة، فقرروا دعوة السلطان لأن يرسل الجنود إلى مصر لسحق العصابة العسكرية فيها، على شرط أن يحترم الحريات الممنوحة بالفرمانات، وعلى ألا يطول الاحتلال إلى أبعد من ثلاثة أشهر، إلا إذا طلب الخديوي إطالته ووافقت على طلبه الدول «أما النفقات فتكون على عاتق مصر».

رُفع هذا القرار إلى الدول الست لتقره، ولكن السلطان ظل لغزًا من الألغاز، فقد كان ينكر في يومه ما قاله في أمسه؛ ففي ٢٤ يوليو ظنوا أنه قرر إرسال حملة لمصر لأنه سأل إنكلترا هل هي مستعدة لإعارته البواخر النقالة، ثم عدل عن ذلك إلى إبلاغها «أنه مستعد أن يخولها حق الرقابة على مالية مصر دون فرنسا». وقابل الإنكليز الدسيسة بمثلها؛ إذ أوهموا السلطان عبد الحميد أن انتصار الثوار المصريين قد تكون نتيجته إنشاء خلافة عربية بمصر، ولكنه لم يكن يجرؤ على مناوأة عرابي الذي كان يمثَّل يومئذٍ بأنه «علَم الإسلام». ولما تلقى من درويش باشا أن الثوار أعلنوا أنهم يقاتلون التُّرك إذا هم نزلوا بأرضهم، زاد جزعه وأبلغ الدول أن المؤتمر لا يأتي بفائدة، فالواجب حله.

ولما تلقى الباب العالي البلاغ الإنكليزي عن التعليمات الصادرة إلى الأميرال سيمور في ١٠ يوليو بأن يضرب حصون الإسكندرية بعد ٢٤ ساعة، عدَّ ذلك حثًّا له على دخول المؤتمر وعلى إرسال الجنود لمصر، وطلب الصدر الأعظم سعيد باشا أن يؤجل الأميرال سيمور تنفيذ التعليمات.

ولما ضرب الأسطول الإنكليزي الإسكندرية، غضب بسمرك وظل الباب العالي يسأل عن «وسائل السياسية لتسوية أزمة مصر».

وفي ١٥ يوليو طلب الباب العالي سحب الجنود الإنكليزية من الإسكندرية؛ لأن الخديوي ودرويش باشا اتخذا الوسائل اللازمة لحفظ الأمن والراحة؛ فرد اللورد غرنفيل أن جنود الملكة لا يقيمون في الإسكندرية إلا للدفاع عن الخديوي والسهر على الأمن ما دام الباب العالي لم يعمل شيئًا من هذا القبيل.

وفي ١٨ يوليو سافر درويش باشا بغتة إلى الآستانة، فقيل إنه سافر خلسة مخافة أن يقبض عليه الإنكليز الذين وقفوا على رسائله «ودسائسه مع عرابي».

وفي ١٢ يوليو أمر اللورد غرنفيل سفير إنكلترا في باريز أن يفاتح رئيس وزارة فرنسا بشأن حماية القناة، فأجاب الموسيو فرسينه أن رأي فرنسا كان دائمًا ولا يزال إلى الآن أنه إذا رفض الباب العالي التدخل لحفظ الحالة كما هي، يَكِل مؤتمر السفراء الأمر إلى دولتين من الدول للقيام بهذه المهمة؛ وهو يرى أن فرنسا وإنكلترا مختارتان بحكم الطبيعة لحماية القناة على أن يترك لهما اختيار الزمن والوسيلة.

وفي ١٩ يوليو عرض الاقتراح على مؤتمر السفراء، وفهم اللورد دوفرين سفير إنكلترا من زملائه أن الدول تود أن تتولى إنكلترا وفرنسا حماية القناة دون أي تشجيع من جانبها.

وفي اليوم ذاته أرسل الباب العالي مذكرة إلى الدول بأنه كان يعتقد أن الوسائل السلمية تغني في مصر عن استخدام القوة، لذلك لم يرسل قوة مسلحة إلى مصر، وهو يعتمد على قرار الدول باحترام حقوق السلطان في مصر، وهو الآن يدخل مؤتمر السفراء للبحث في الوسائل التي تعيد الحالة إلى أصلها في مصر.

فقابلت الدول ذلك بالارتياح، ولكن إنكلترا طلبت من الباب العالي أن يجيب في مدى ١٢ ساعة بالقبول وإلا اعتُبر سكوته رفضًا، وطلبت منه فوق ذلك أن يعلن أن عرابي رجل عاصٍ.

***

هذا ما كان في يوم ١٩ يوليو، وفي يوم ٢٠ منه قامت الحملة من إنكلترا، وفي ٢١ صدر أمر الملكة فيكتوريا بتعيين الجنرال ولسلي والجنرال أدي قائدين، وفي ٢٢ طلب وزير المالية الإنكليزية فتح اعتماد للحملة بمبلغ مليون و٣٠٠ ألف جنيه.

وسلَّم غلادستون بأن تقوم فرنسا وإنكلترا معًا بحماية قناة السويس.

وفي ٢٥ قدم سفير إنكلترا بباريز إلى المسيو فرسينه مشروع مذكرة إلى الدول بأن الجنود الفرنساوية تطوف المنطقة الواقعة شمالي الإسماعيلية وتحتل بورسعيد والقنطرة، والجنود الإنكليزية تحتل الإسماعيلية والسويس والمنطقة الجنوبية، ويحدد الأميرالية التفاصيل ولا يوقف سير السفن وتبطل حماية القناة عندما تزول الأسباب.

وفي ٢٤ يوليو دخل وزير خارجية تركيا سعيد باشا ووزير الأوقاف عاصم باشا المؤتمر، وجلس الأول في كرسي الرياسة، وأبلغا المؤتمر أن حكومتهما توافق على تدخُّل الجنود التركية، وطلبا تعديل الشروط التي عُرضت في ١٥ يوليو واستدعاء الجنود الإنكليزية من مصر أو إصدار الأوامر إليها بالقعود عن أي عمل.

وفي ٢٦ أبلغ سفيرا فرنسا وإنكلترا المؤتمر أن دولتيهما تتواليان حماية القناة مع من تريد من الدول.

بعد هذا أمر قيصر روسيا سفيره بالانسحاب من المؤتمر، فلم يبقَ باستطاعة المؤتمر أن يجتمع.

وفي ٢٨ أرسلت تركيا مذكرة إلى الدول بأنها عزمت على إرسال حملة إلى مصر، وأعربت عن أملها بأن يبطل الاحتلال الإنكليزي عند وصول الحملة التركية، ولكن هذا العرض جاء متأخرًا جدًّا.

وفي ٢٩ يوليو استعفت وزارة فرسينه، وأُصدرت الأوامر إلى الموانئ بإيقاف التجهيزات التي كانت تُعد لحماية القناة، إلى أن تؤلف الوزارة الجديدة.

وفي ٨ أغسطوس تألفت وزارة دوكلرك وارثة إفلاس السياسة الفرنساوية في مصر عن فرسينه، فلم يكن باستطاعتها إصلاح الماضي، ووفقت إنكلترا فوق ذلك بأن رفضت إيطاليا الاشتراك معها في حماية القناة.

***

بعد أن تخلصت إنكلترا من فرنسا وإيطاليا أخذت تعالج مسألة اشتراك تركيا معها، فطلبت منها اعتبار عرابي عاصيًا حتى تزيل عن قتاله ومحاربته صفة الاعتداء على الإسلام؛ فكان جواب تركيا أنها تعلن ذلك حالما تصل جنودها إلى مصر. ولكنه حدث ما أغضب إنكلترا، وهو أنهم وجدوا مع علي راغب القبطان الثاني للباخرة دقهلية — من البواخر الخديوية المصرية — رسائل تدل على التخاطب بين سراي السلطان والثوار؛ فأجابت إنكلترا بعد هذا الاكتشاف الباب العالي أنها لا تسمح بإرسال الجنود التركية إلى مصر، إلا بعد أن يعلن الباب العالي عصيان عرابي. وكُلف اللورد دوفرين أن يُبلغ مؤتمر السفراء أن الحوادث بمصر تضطر إنكلترا لأن تتخذ الاستعدادات اللازمة لتعيد إلى مصر الحكومة المشروعة المنظمة، فهي بذلك لا تستطيع استدعاء جنودها ولا إيقاف الاستعداد بعدما حمَّلها جمود السلطان عبد الحميد مسئولية تحملتها حبًّا بالمصلحة العامة، وهي لا تقبل معاونة تركيا إلا إذا قدمت الضمانات اللازمة، ومتى بلغت الغاية تدعو الدول لتقرير الوسائل لضمانة الأمن والحكم في المستقبل. وهكذا انفردت إنكلترا بالعمل برضا الدول أو سكوتها.

بقيت مسألة حماية القناة فخطر لبسمرك أن تشترك فيها الدول جميعًا، فرد غرنفيل بأن حماية القناة في السلم من شأن مصر وحدها، ولا مسوِّغ للتدخل الأجنبي إلا في حالة كالحماية الحاضرة، ولا تدري حكومة الملكة كيف تكفي الأساطيل لحماية القناة دون إنزال الجنود. فأحيل الأمر إلى مؤتمر السفراء، ورضي قيصر روسيا أن يعود سفيره إلى المؤتمر. وفي ٢٠ أغسطوس عادوا للمناقشة، وفي اليوم ذاته احتلت الجنود الإنكليزية السويس، وأخذت تركيا بإعداد حملتها، ولكن المال كان يعوزها فأجَّلت روسيا دفع قسط الغرامة سنة. وكانت قد غادرت الآستانة في ٤ أغسطوس أربع نقالات لتحمل فِرقة من سلانيك إلى رودس أو خليج السوداء، ومن هناك تسير القوة كلها إلى مصر. فأبلغت إنكلترا تركيا أنها لا تسمح لجندي تركي واحد بالنزول في مصر إذا لم يتم الاتفاق على إعلان عصيان عرابي وعلى الترتيب العسكري، وأبلغ الباب العالي المؤتمر أن تركيا تنفذ الاقتراح الذي عُرض عليها في ١٥ يوليو. وكانت الحملة مؤلفة من ٥ آلاف جندي بقيادة درويش باشا وببلوكات من جميع الأسلحة.

ولكن السفراء رأوا أنه لم يتبقَ عمل لمؤتمرهم، ما دام التباحث قد انحصر بين الباب العالي وإنكلترا.

أما مسألة حماية القناة فترك المؤتمر أمرها للدول، ولكن هذه المسألة أيضًا انتهت؛ لأن الجنود الإنكليزية احتلت بورسعيد والإسماعيلية في ٢٠ أغسطوس.

كان الجدل بين التُّرك والإنكليز على إعداد الحملة وشروطها وقيادتها، وأبى الإنكليز أن تنزل في الإسكندرية وبورسعيد وعرضوا نزولها في دمياط، وأظهرت إنكلترا غضبها لأن الترك يمنعون أخذ البغال من بلادهم، وكذلك استئجار رجال حملة النقل حتى حجزوا في أزمير ٧٠٠ بغل. فاعتذر الباب العالي واقترح أن تكون الحملة من ألف إلى ألفي رجل، وأن تنزل بالإسكندرية، وأن يكون القائد الثاني أحد الضباط الإنكليز. وأصدر السلطان منشورًا بإعلان عصيان عرابي، وظل الأخذ والرد إلى أن انتصر الإنكليز في واقعة التل الكبير، وانتهى الأمر من هذا الوجه ولم يبقَ لإنكلترا مزاحم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.