كل شيء هادئ وكل شيء مستقر؛ الجو صفو والسماء نقية، والإقليم معتدل، والسفينة تجري باسم الله وبأمره كأنما تنزلق على البحر انزلاقًا، لا يخاف عليها القبطان ولا المسافرون عطبًا ولا اضطرابًا. ورئيس الوزراء مطمئن إلى هذا الهدوء؛ فهو هادئ أيضًا يستشفي أو يستريح في فيشي بعد أن طوَّف في أرجاء مصر واضطرب في أقطار إيطاليا.

كل شيء هادئ وكل شيء مستقر. ولكن من الهدوء ما يريح ومن الهدوء ما يخيف، ومن الهدوء ما يبعث الرجاء ومن الهدوء ما يتقدم اليأس. ولست أدري، أو لست أريد أن أدري، في أي هدوء نحن؟ أفي هدوء يسبق الأمل، أم في هدوء يلد القنوط؟

نعم؛ لست أدري، أو لست أريد أن أدري، أعميق هذا الهدوء أم ظاهر؟ أمتصل هذا الهدوء أم منقطع؟ أطويل هذا الهدوء أم قصير؟ بل لست أدري، أو لست أريد أن أدري.

أمستقر رئيس الوزراء في فيشي أم مضطرب؟ أمستريح هو أم متعب؟ أساكن هو أم متحرك؟

كل شيء يدل في ظاهر الأمر على أن رئيس الوزراء مطمئن البال، يستمتع بالفاتر والبارد من مياه فيشي بعد أن استمتع بما أُدِيرَ على الموائد من أكواب وأقداح في مدينة القياصرة. ولكن هذا الهدوء الظاهر، وهذا الاطمئنان المسرف في الوضوح، ليس من شأنه أن يُهدِّئ، ولا من شأنه أن يُطمئن.

ما أكثر ما اضطرب البرق وكثر وميضه بين القاهرة وروما، حين كان عظيم مصر ضيفًا على عظيم إيطاليا! وما أشد سكون البرق منذ اطمأن رئيس الوزراء في فيشي! وليس رئيس الوزراء من الذين يحبون أن يحيط بهم الصمت، ويُخيِّم عليهم السكوت؛ فما بالنا لا نقرأ في الصحف كيف أصبح رئيس الوزراء ولا كيف أمسى، ولا أين ذهب رئيس الوزراء ولا متى جاء؟!

تقصير تُلام عليه الصحف! فحياة رئيس الوزراء علينا غالية، وصحته علينا عزيزة، وأخباره إلينا محببة، ومن الحق على الصحف أن لا تنساه، فهو ما زال رئيس الوزراء، وهو ما زال خليقًا أن يُذكَر في صحف الصباح وفي صحف المساء.

أما أنا فأرى أن رئيس الوزراء لا يستريح وإنما ينتظر، وأرى أن رئيس الوزراء ليس هادئًا هدوء الحال في مصر، وليس مستقرًّا كما استقر فيها النظام، وإنما هو موزع النفس مفرق الهوى، ينظر وراءه إلى مصر، يريد أن يتبين ما يصنع فيها خصومه المعارضون، وينظر أمامه إلى إنجلترا يريد أن يتبين ما يصنع حلفاؤه المحايدون. وهو يخاف من أولئك ويشفق من هؤلاء، يفكر فيهم جميعًا وجه النهار ويحلم بهم جميعًا إذا جنَّه الليل، وينتظر في قلق واضطراب ما سينتهي إليه أولئك وهؤلاء.

وهو في أثناء ذلك ينظر إلى نفسه وإلى أعوانه وأنصاره وإلى قوته على الثبات وأمله في البقاء، فيرى ضوءًا شاحبًا ضئيلًا تنتقصه الظلمات من أطرافه كما تُنتقَص ظلمة الليل من ضوء الشفق.

هدوء مخيف هذا الهدوء الذي نحن فيه، والذي يُظِلُّ رئيس الوزراء في فيشي، وربما كان الفصل الذي نشرته التيمس لمكاتبها في القاهرة، وأذاعته الصحف بيننا في المساء، من أوضح الدلائل على هذا الخوف الذي يستره ما نحن فيه من هدوء، وعلى هذه الظلمات التي تحيط بما بقي من حياة الوزارة القائمة، وتنتقص من أطرافها شيئًا فشيئًا.

وليس يعنينا الآن من هذا الفصل ما يقوله المكاتب عن الوفد والأحرار الدستوريين؛ فنحن نعرف مذهب الإنجليز في التحدث عن المعارضين وعن الحكومات القائمة، فما داموا لم يقلبوا للحكومة القائمة ظَهْرَ المجنِّ بالفعل، وما داموا لم يعلنوا إليها العداء الصريح ولم يشهروا عليها الحرب الواضحة الشعواء؛ فهم يظهرون نصرها ويظهرون أفكارهم لخصومها وتألبهم عليهم، وهم يأبون إلا أن يكرروا أن المعارضة ضعيفة لا حظ لها من قوة، وأنها قد فشلت فلا نصيب لها من التوفيق، يعيدون هذا ويبدونه في غير سأم ولا ملل، حتى يأتي اليوم الموعود؛ فإذا الضعف قوة، وإذا الإخفاق نجح، وإذا الفشل فوز وتوفيق.

لِيَقُلْ إذن مكاتب التيمس في خصوم الحكومة ما يشاء؛ فنحن نعلم ما يريد ونفهم معنى ما يقول، ولا نشك في أن رئيس الأحرار الدستوريين قد أخطأ أشد الخطأ حين قال الحق في رئيس الوزراء وأذاعه، بينما يقول رئيس الوزراء فيه الباطل ويذيعه. ونعلم أن قد كان من الحق على رئيس الأحرار الدستوريين إذا أراد معارضة صدقي باشا أن يهدي إليه باقة من الزهر منسقة أحسن تنسيق، ليس فيها إلا ما يسره ويروقه ويرضيه. نعم؛ أخطأ رئيس الأحرار الدستوريين حين أنكر وطلب إلى الأمة أن تنكر معه ألا يُولَّى أمر هذه البلاد خيارها وأبناؤها الذين يعرفون كيف يرفقون بها، ويشفقون عليها، ويتوخون منفعتها، ويجعلون أنفسهم قدوة صالحة، وأسوة حسنة في السياسة والإدارة، وفي السيرة والأخلاق.

نعم؛ وأخطأ رئيس الأحرار الدستوريين كل الخطأ حين رفع إلى جلالة الملك؛ وهو صاحب الحق الشرعي في إبقاء الوزارات وإقالتها، وهو الحريص على مصلحة شعبه، الأمين على منافعه، الممثل لكرامته وعزته. أخطأ رئيس الأحرار الدستوريين حين رفع إلى جلالة الملك كتابًا يلتمس فيه باسم حزبه إقالة هذه الوزارة؛ لأنها عجزت عن حل الأزمة الاقتصادية، ولم تقدم البلاد أصبعًا نحو استكمال استقلالها، ولم تستطع أن تصلح الإدارة بل أفسدتها.

ونشأ عن هذا كله فساد عام شامل، ينذر بفساد أعم منه وأشمل إذا لم تُوكَل أمور البلاد إلى وزارة قومية لا تحكم بالهوى ولا تتعصب للشهوة الحزبية، وإنما تحكم مصر لمنفعة مصر، وتعتمد في حكمها على حب الشعب لها وثقته بها وتأييده إياها، لا على ما تعتمد عليه هذه الوزارة من الترغيب حينًا والترهيب أحيانًا، ومن الضعف المهين لبعض النواحي، والقسوة العنيفة على بعضها الآخر.

أخطأ رئيس الأحرار الدستوريين حين طلب هذا كله إلى جلالة الملك؛ لأنه لم يرفع إلى جلالته الأدلة، على ما وصف به الوزارة من ضعف وعجز، ومن تقصير وجور. كأن هذه الخصال لم تصبح واضحة كشمس النهار، وكأن جلالة الملك، لا يستطيع أن يعرف من أمر الحكومة ما يعرفه الناس جميعًا ومكاتب التيمس من بينهم، وكأن جلالة الملك لا ينبغي أن تُرفَع إليه العرائض الموجزة المقنعة، وإنما يجب أن تُرفَع إليه المجلدات المطوَّلة والأسفار المفصَّلة.

لِيَقُلْ مكاتب التيمس في المعارضين ما شاء؛ فهم يعرفون ما يريد كما يعرفه هو، ولكن أي شيء أراد حين كتب عن الوزارة ورئيسها صدقي باشا؟ أأراد مدحًا أم أراد ذمًّا؟ أأراد تأييدًا وتثبيتًا أم أراد تشنيعًا وتشهيرًا؟

أمَّا أن مصر هادئة منذ نهض صدقي باشا بأعباء الحكم فواضح لا شك فيه، ولكنها كانت هادئة قبل أن ينهض صدقي باشا بأعباء الحكم وكانت هادئة عن حب الهدوء ورغبة فيه، وهي الآن هادئة لما يسجله مكاتب التيمس من أن صدقي باشا قد أسكت المعارضة وقيدها؛ فهي لا تستطيع أن تنطق، وهي لا تستطيع أن تتحرك، وزعماؤها يحيط بهم الجند وأنديتها ترابط حولها الشرطة.

وأي هذين النوعين من الهدوء أحب إلى مكاتب التيمس وإلى الإنجليز؟ أهذا الذي يصدر عن الرضا وهو خليق أن ينمو ويدوم أم هذا الذي يُرغَم الناس عليه إرغامًا وهو خليق أن يتحوَّل إلى ما لا خير فيه للمصريين ولا للإنجليز؟

إذن؛ فقد نجح صدقي باشا عند مكاتب التيمس في إقرار النظام، ولكن بشرط أن يظل الجند والشرطة على ما هم فيه يراقبون ويرابطون، لا ينامون الليل ولا يهدءون في النهار. ونجح صدقي باشا في شيء آخر عند مكاتب التيمس؛ نجح في الاستكثار من الأولياء والأعوان والأنصار بهذا الترهيب من جهة وبما يسجله مكاتب التيمس نفسه من رشوة المأزومين وإغرائهم من جهة أخرى؛ فهم بين الإفلاس إن احتفظوا بآرائهم السياسية، واليسر إن أنكروا هذه الآراء وانضموا إلى صدقي باشا.

وأي فوز يشبه هذا الفوز الذي يصل إليه صاحبه بالعنف والعسف، ويبلغه بالرشوة وإفساد الأخلاق؟!

ونجح صدقي باشا عند مكاتب التيمس في الاحتفاظ بتوازن الميزانية، وإن كان مكاتب التيمس نفسه يسجل أن الموارد الأساسية للدولة قد نقصت نقصًا عظيمًا، وأن صدقي باشا سيضطر إلى تعويض هذا النقص لا بالاقتصاد والتدبير، ولكن بفرض الضرائب الجديدة وإرهاق الشعب الذي لم تَدَعْ له الأزمة شيئًا إلا أَتَتْ عليه!

وأي فوز مالي يشبه هذا الفوز الذي لا يبلغه صاحبه بالاقتصاد والاعتدال في النفقات، وإنما يبلغه بالمضي في الإسراف والغلو في إرهاق دافعي الضرائب. ونجح صدقي باشا في أنه لم يفرض على الموظفين إلى الآن تضحيات شاقة، ولكنه سيضطر إلى فرضها عليهم بعد حين.

ونجح صدقي باشا — وما أبدع ما نجح! — نجح في المفاوضات؛ فقد كان أول العام مستعدًّا للتحدث عنها والتهالك عليها، فلما انتصف العام أصبح حريصًا على ألا يذكرها، وأصبح يرى الخير في ألا يفكر فيها؛ حتى يثق بأنه يستطيع أن ينتهي بها إلى غايتها.

ماذا؟! هو إذن غير واثق بأنه يستطيع أن ينتهي بالمفاوضات إلى غايتها! وما الذي يمنعه من هذه الثقة؟! أيمنعه منها فوزه بإقرار النظام عسفًا وعنفًا؟! أم يمنعه منها كسبه للناس بالرشوة والإغراء؟! أم يمنعه منها إقامته للميزانية على أساس الإسراف في الإنفاق والغلو في إرهاق الشعب؟! أم يمنعه منها أنه لم يُوفَّق في شيء مما تطمع الحكومات أن تُوفَّق فيه؟!

أهو الذي لا يثق بنفسه، أم الإنجليز هم الذين لا يثقون به؟! أم الأمر مشترك بينه وبين الإنجليز؟! فلا هو يثق بنفسه، ولا الإنجليز يستطيعون أن يطمئنوا إليه، وهم يعلمون من أمره أكثر جدًّا مما قال مكاتب التيمس.

أما أنا، فأعترف بأني قرأت هذا الفصل، فوجدت في قراءته خير ما يجد القراء من اللذة والمتاع في فصل قوامه السخرية والعبث. وليس في ذلك شيء من الغرابة؛ فربما كانت السخرية أظهر ما يمتاز به النقد الإنجليزي، والناس جميعًا يعرفون خطبة أنطوان في قصة يوليوس قيصر. وهم حين يقرءون فصل مكاتب التيمس عن صدقي باشا مضطرون إلى أن يسألوا أنفسهم: ألم يتخذ مكاتب التيمس هذه الخطبة مثالًا يحتذيه، فيمدح صدقي باشا كما مدح أنطوان بروتسن؟!

أما بعد، فلست أشك في أن مكاتب التيمس وكثيرًا من الصحفيين الإنجليز في مصر وإنجلترا إذا خلوا إلى أنفسهم تحدثوا إليها في أمر وزارتنا القائمة بما أتحدث به أنا إلى نفسي وإلى الناس، وهو أن وزارتنا قد بلغت في حياتها الأصيل، وأن الأمد بينها وبين الغروب ليس بعيدًا، وأنها تجد مشقة وعناءً في الاحتفاظ بهذا النَّفَس الضئيل الذي يحتفظ لها بالحياة، وأن احتفاظها بهذا النَّفَس الضئيل رهين بسياسة الحياد الإنجليزي، وكل شيء يدل فيما يظهر على أن سياسة الحياد هذه قد آذنت بزوال.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.