كان يُقال في قديم الزمان وسالف العصر والأوان: إن من فتح مدرسةً أغلق سجنًا. وكانت هذه الجملة تتردد كثيرًا في أوائل هذا القرن حين كنَّا صبيةً وشبابًا، وحين كان المخلصون الناصحون لهذا الوطن يحضُّون على إنشاء المدارس الحرة، ويشكون من أن الحكومات الخاضعة لسلطان الاحتلال تقتر على الناس في إنشاء المدارس، ولا تنشر التعليم إلَّا بمقدار حاجتها هي إلى الموظفين، لا بمقدار حاجة الشعب إلى المعرفة والثقافة والخروج من ظلمة الجهل إلى نور العلم.

وإذا لم تكذبني الذاكرة، فقد كانت جريدة اللواء — التي كان يصدرها الزعيم مصطفى كامل — أكثر الصحف ترديدًا لهذه الجملة. والشيء المهم هو أن المصريين في أوائل هذا القرن كانوا يعتقدون مؤمنين أصدق الإيمان وأعمقه أن الجهل ظلمةٌ، وأن العلم نورٌ، وأن إنشاء المدارس واجبٌ وطنيٌّ من أعظم الواجبات الوطنية خطرًا، وأبعدها أثرًا في إخراج الشعب من الذلة إلى العزة، وفي تمكينه من مقاومة الاستعمار والتمرد على المستعمرين. ولأمرٍ ما أنشأ الزعيم مصطفى كامل مدرسته تلك التي لم تكن دار تعليم فحسب، وإنما كانت دار تعليم وسياسة ومقاومة للاحتلال.

وكان كاتبٌ معروفٌ — تُوفِّي منذ حين — معنيًا بفتح المدارس، فكان كلما فتح مدرسة أنبأ صديقه مدير جامعة الإسكندرية بالنيابة، الأستاذ حسين فوزي، بأنه أغلق سجنًا.

كان يقول هذه الجملة لصديقه ضاحكًا مداعبًا، ولكنه لم يكن يضحك ولا يداعب استخفافًا بهذه الحكمة الشائعة أو شكًّا فيها، وإنما كان يضحك ويداعب ثقةً بها، وتثبيتًا لها، وابتهاجًا بانتصاره على الجهل في بيئة ما من بيئات مواطنيه.

كذلك كانت الحال في أوائل هذا القرن، وكذلك كانت الحال بين الحربين العالميتين حين ظفرت مصر ببعض حقها، وأقبلت على أمور التعليم تدبرها معنيةً بها، حريصةً على أن تنشئ المدارس الحكومية والحرة ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا.

كانت مؤمنةً بأن التعليم يرد إلى الناس نفوسهم الضائعة، ويشعرهم بحقوقهم المهدرة، ويحبب إليهم الكرامة، ويزينها في قلوبهم، ويكرِّه إليهم الذلة، ويقبِّحها في نفوسهم. ومن أجل ذلك أنشأ المصريون جامعتهم الأولى على كرهٍ من المحتلين، وأنشئوا مدارسهم الحرة الكثيرة على كرهٍ من المحتلين أيضًا. كان ذلك في قديم الزمان وسالف العصر والأوان كما كان القُصَّاص يقولون، فأمَّا الآن فقد تغيرت الدنيا، وأصبح فتح المدرسة شيئًا يوشك أن يكون شرًّا يجب أن يُتَّقى؛ فقد كثر العلم فيما يظهر حتى ضقنا به، وأشفقنا منه. وخير الأمور أوساطها كما يُقال. فالتقتير في العلم شرٌّ، والإسراف في العلم شرٌّ، والخيرُ كل الخير هو أن يكون الأمر وسطًا بين ذلك.

وأنا أعلم حق العلم أن هذا الكلام الذي أمليه مناقض أشد المناقضة لمبادئ الثورة المصرية وأغراضها، والجهود الخطرة التي تبذلها في إنشاء المدارس، وفي تنظيم هذا الإنشاء، بحيث لا تمضي أعوامٌ قليلةٌ إلَّا وقد أُتيح للأطفال المصريين جميعًا أن يتعلموا. وبحيث يصبح النص الدستوري على أن التعليم الابتدائي فرض على البنين والبنات من المصريين مصورًا للحقيقة الواقعة لا كلامًا يُقال ولا يُصوِّر شيئًا.

أنا أعلم هذا كله حق العلم، ولكني أعلم أيضًا أن في مصر قومًا يضيقون بالتعليم، ويشفقون من خطره على الأخلاق، بل على الأمن، بل على النظام كله. ألم يقل بعض القائلين: إن وزارة المعارف مسئولة عن تلك الجريمة المنكرة التي اقترفها بعض التلاميذ في حيٍّ من أحياء القاهرة منذ أسابيع؟ ألم يكتب كتَّاب في بعض الصحف فصولًا يدعون فيها إلى ألَّا يُباح التعليم للناس جميعًا، وإنما ييسر للقادرين عليه المؤهلين له، وتصرف الكثرة الكثيرة من غير القادرين والمؤهلين إلى ما يلائمها من المهن والصناعات والعمل المألوف في كسب الحياة بالأيدي في الحقوق والطرق، وما شاء الله من ميادين العمل بالأيدي.

كُتِب هذا الكلام كله حين كانت مصر تستعد للاحتفال بالعيد الثاني من أعياد الثورة، وحين كان رجال الثورة أنفسهم يتحدثون إلى المواطنين — كلما أُتيح لهم أن يتحدثوا إلى المواطنين — بأنهم قد أزمعوا أن ينشئوا المئات من المدارس في كل عام ليخرج الشعب من ذلة الجهل إلى عزة المعرفة.

وأنا أفهم حق الفهم أن يختلف المصريون في سياسة التعليم، وأن يذهبوا فيها المذاهب، يختصموا حول هذه السياسة، فينكر بعضهم سياسة بعض، ويعرف بعضهم سياسة بعضهم الآخر. ولكن الشيء الذي لا أفهمه ولا أسيغه، هو أن تدفعنا الخصومة إلى أن نرسل الكلام إرسالًا في غير تدبرٍ ولا رويةٍ ولا أناةٍ. فيقول قائل: إن التعليم مسئول عما يتورط فيه بعض التلاميذ من الجرائم والآثام، ويقول قائل آخر: إن التعليم يجب أن يُقصر على المؤهلين له القادرين على احتماله.

وتنقلب الآية في أقل من نصف قرن، فيُصبح من فتح مدرسة كأنه فتح سجنًا بعد أن كان من فتح مدرسة أغلق سجنًا. ما مصدر هذا التحول؟ أهو تحول عميقٌ حقًّا؟ خطيرٌ حقًّا! يجب أن نحسب حسابه في تقدير الحياة المصرية المعاصرة وتدبير أمورها في مستقبل أيامها، أم هو كلام تغري به الخصومة أحيانًا، ويغري به القصور الذهني أحيانًا أخرى، ويغري به البغض والموجدة الذين لم تبرأ منهما بعض القلوب؟

أمَّا أنا فأعتقد أوثق الاعتقاد وأرسخه أن الشعب المصري ما زال مؤمنًا بأن من فتح مدرسة قد أغلق سجنًا، وأن إيمانه بهذه الحكمة قد أصبح في هذه الأيام أكثر شيوعًا ورسوخًا مما كان في أول هذا القرن. وآية ذلك أن المدارس القائمة — سواء أكانت حكومية أم حرة — لا تستطيع أن ترضي حاجة الناس إلى تعليم أبنائهم وبناتهم، وأن الثورة قد أنشأت مؤسسة خاصة للاستكثار من بناء المدارس في كل عام، وأن الثورة تهيب بالمواطنين أن ينشئوا المدارس الحرة الخاصة، وتمدهم بالمعونة والتأييد إن فعلوا.

ولو قد أحست الثورة نفورًا من التعليم أو زهدًا فيه لأراحت نفسها من هذا العناء، ولاقتصرت فيما تنفق من الجهد والمال، أو لاتخذت الوسائل الدكتاتورية لإكراه الناس على أن يعلِّموا أبناءهم وبناتهم، ولكن الثورة تنفق الجهود والأموال، ولا تعمد إلى أي وسيلة من وسائل الإكراه على التعليم، وإنما تعمد إلى الوسائل المختلفة لتُيسِّر التعليم للراغبين فيه والمقبلين عليه. وأخصُّ ما يؤخذ به هؤلاء الذين يقولون أن يعيش فيه المثقفون في هذه الأيام، ولا سيما حين ينهضون بالأعباء العامة، وتوجيه الشعب في حياته إلى ما يلائم منافعه القريبة والبعيدة.

يجب أن يعرف المصريون أن كثيرًا من الحقائق يخفى عليهم، ولا يُجلى لهم، فليست مصر مثلًا هي البلد الوحيد الذي تزدحم فيه المدارس بالتلاميذ ازدحامًا يعرض التعليم للنقص والضعف، وإنما هذه آفةٌ شائعةٌ في كثيرٍ من البلاد، وفي كثيرٍ من البلاد التي يتخذها بعضنا قبلةً وإمامًا. فازدحام المدارس بالتلاميذ آفة يشكو منها الإنجليز، ويشكو منها الفرنسيون، ويشكو منها الأمريكيون أيضًا. وتُبذل الجهود الضخمة في تلك البلاد كما يُبذل في مصر لعلاجها والتخلص منها.

هذه واحدة، وحقيقة أخرى تخفى على المصريين، ولا تجلى لهم، وهي أن مصر ليست وحدها هي البلد الذي يُنهض فيه بأعباء التعليم، قومٌ لم يُهيَّئوا له تهيئة كافية، فقلة المعلمين الأكفاء ليست آفة مصرية أو عربية، وإنما هي آفة عالمية تشكو منها أرقى بلاد العالم وأرسخها قدمًا في الثقافة والحضارة والعلم.

يشكو منها الإنجليز، والفرنسيون، والأمريكيون، وغيرهم من بلاد أوروبا على اختلافها. والسر في هذا ليس عسيرًا، فالديمقراطية تريد أن يتعلم الناس جميعًا لأنها ترى التعليم حقًّا لا هبةً ولا منحةً، ولأنها ترى التعليم في بعض أطواره واجبًا لا خيرةَ للمواطنين في إهماله أو التخفف منه. والديمقراطية في حاجة إلى وقتٍ طويلٍ، وجهدٍ ثقيلٍ، ومالٍ كثيرٍ، وسلامٍ مستقرٍّ مطمئنٍّ لتبني ما يجب أن يُبنى من المدارس، وتُهيئ من يجب أن يُهيَّأ من المعلمين، وتقيم التعليم على أسس متينة ترضي فقهاء التربية وفلاسفة البيداجوجيا جميعًا.

وحقيقة ثالثة تخفى على المصريين ولا تجلى لهم، وهي أن مصر ليست هي البلد الوحيد الذي يقترف التلاميذ والطلاب فيه بعض الجرائم والآثام، وإنما تورط الشباب في الجريمة والإثم قضية عالمية تشكو منه بلاد كثيرة جدًّا سبقت مصر إلى نشر التعليم والوصول به إلى أعماق الشعب.

وقد شهدت هذا العام في باريس إثمًا خطيرًا منكرًا، اقترفته جماعات التلاميذ إثر فراغها من امتحان الشهادة الثانوية. فاعتدت على الكرامات وعلى أجسام الناس وأموالهم، وخربت متاجر كثيرة، وأضاعت على الفرنسيين عشرات كثيرة من ملايين الفرنكات. ولم تُحمَّل وزارة المعارف الفرنسية تبعة هذا الفساد، وإنما ترك أمره إلى النيابة تدرسه وتستقصيه، ثم إلى القضاء يقضي فيه بحكم القانون، وتركت تعليله وتأويله للباحثين في شئون الاجتماع يقولون فيه بعد روية وتدبر واستقصاء.

ولو قد استجبنا لهؤلاء السادة الذين يحمِّلون التعليم تبعات ما يقترفه المتعلمون من الآثام؛ لأُغلقت المدارس في الأرض كلها، ولرُدَّت الإنسانية إلى الجهل الجاهل والظلمة المظلمة، ولحوَّلت الحكومات جهودها وأموالها عن إنشاء المدارس إلى إنشاء السجون؛ فالجهل لا يعفي الناس من الجرائم، وإنما يغريهم بها إغراءً ويدفعهم إليها دفعًا.

وأنا أقرأ في صحيفة الموند الفرنسية تقريرًا لرئيس الشرطة في نيويورك، يؤكد فيه أن الجرائم التي تُرتكب في هذه المدينة لا تُحصى بالأيام ولا بالأسابيع ولا بالشهور … بل لا تحصى بالساعات، وإنما تُحصى بالدقائق، فتُقترف في كل دقيقتين جريمة من الجرائم.

والتعليم في نيويورك أكثر انتشارًا وتغلغلًا في أعماق الشعب منه في مدينة القاهرة أو الإسكندرية، ورئيس الشرطة في نيويورك لا يلقي التبعة على التعليم ولا يطلب تضييقه، وإنما يطلب أن تيسر له الوسائل لحماية الأمن، وتتبُّع المجرمين.

فلنخلص أنفسنا للحق، ولنخلص نصحنا للشعب، ولنستأني فيما نصدر من الأحكام، ولنتجنب ما استطعنا إرسال الكلام في غير تثبت ولا تحفظ ولا احتياط … ولنسأل الله عز وجل أن يؤتينا الحكمة حين نعمل، وحين نفكر، وحين نقول، فإنه عزَّ اسمه يقول: ().

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.