عنوان هذه المقالة مأخوذ من عنوان لكتاب جديد لمحمد العريان، وهو كتاب نزل إلى الأسواق منذ فترة وجيزة وأصبح أحد أكثر الكتب مبيعًا في الولايات المتحدة. ومحمد العريان هو، ربما، أشهر وألمع الاقتصاديين المصريين والعرب على المستوى العالمي. ويتمتع محمد العريان بسجل مُبهر من الإنجازات على المستويين الأكاديمي والمهني؛ فبعد أن تخرَّج بدرجة البكالوريوس في الاقتصاد من جامعة كمبردج حصل على الدكتوراه من جامعة أكسفورد، ثم عمل في صندوق النقد الدولي حيث تولى منصب مدير إدارة الشرق الأوسط كأصغر من يشغل هذا المنصب. وفي عام ١٩٩٧ ترك المؤسسة الدولية ليعمل في أحد أهم بنوك الاستثمار في لندن قبل أن ينتقل رئيسًا تنفيذيًّا لأحد أكبر صناديق الاستثمار في العالم (بمكو) المتخصصة في الاستثمار في الاقتصاديات الناشئة، وحيث يدير محفظة تجاوز ٧٠٠ مليار دولار، وبعدها تولى إدارة محفظة جامعة هارفارد (أكثر من ٣٤ مليار دولار)، وذلك قبل أن يعود من جديد إلى وظيفته السابقة في بمكو. وهو بالإضافة إلى ما تقدم يجلس في العديد من مجالس الإدارات والمجالس الاستشارية لأكبر المؤسسات، كما أنه معلق دائم في كبريات الجرائد والمجلات العالمية (بدءًا من الفايننشتال تايمز ومرورًا بالنيوزويك ويوروماني، فضلًا عن معظم المحطات التليفزيونية العالمية). وهو يتمتع والحال كذلك بأساس أكاديمي صلب وخبرة عملية هائلة في السياسات الاقتصادية والمالية عبر المؤسسات الدولية، فضلًا عن تجربة عميقة في أهم الأسواق المالية العالمية.

وبرغم أن الكتاب قد انتهى إعداده في يناير ٢٠٠٨ وقبل أن تتفجر الأزمة المالية بصورة علنية، إلَّا أن المؤلف — ومن خلال معايشته للأسواق المالية وما أظهرته من مقدمات لهذه الأزمة — تعرَّض بشكل مباشر لمختلف مظاهرها؛ وبذلك فإن الكتاب يعتبر أهم ما صدر حتى الآن عن الأزمة.

وكما ينبئ عنوان الكتاب فإنه يتحدث عن التصادم بين أسواق «الأمس» وأسواق «الغد»، فرسالة الكتاب هي أن الاقتصاد العالمي المعاصر قد تغيرت معالمه بشكل جوهري، في حين أن اللاعبين وكذا المؤسسات المالية القائمة والأدوات المستخدمة فضلًا عن السياسات المطبقة ما زالت تنتمي إلى عصر مضى وانقضى، فنحن إزاء قوًى اقتصادية جديدة، ولكننا نتعامل معها بأدوات قديمة صُمِّمت لظروف اقتصادية مختلفة؛ ومن هنا مظاهر القلق والاختلال أو حتى الفوضى، فما زلنا نتعامل مع ظروف جديدة بردود فعل مستمدة من واقع قديم انتهى أو بسبيله للانتهاء، فنحن كمن يعالج مرضًا جديدًا وغريبًا بأدوية قديمة صُمِّمت لأمراض مختلفة، ومن ثم فليس من الغريب أن نشاهد ظواهر شاذة وغير متوقعة. وهذا ما أطلق عليه محمد العريان «الصخب» Noise، وهو ما نراه من مظاهر متعارضة ومتناقضة يصعب تفسيرها، «فالصخب» الذي نشاهده الآن في الأسواق هو دليل على تغير الظروف والحيرة أمام ظواهر جديدة غير مألوفة. وإذا كان هذا «الصخب» هو نتيجة للتناقض أو التعارض بين المرض الظاهر والعلاج المستخدم فلا غرابة، كما لاحظ جرينسبان مثلًا في ٢٠٠٥ أن أسعار الفائدة على السندات طويلة الأجل تنخفض في الوقت الذي يرفع فيه بنك الاحتياطي الأمريكي أسعار الفائدة قصيرة الأجل، أو أن أسعار الأسهم في السوق الأمريكية تأخذ مسارًا مختلفًا عن مسار أسعار السندات، أو أن تستمر موازين مدفوعات الدول النامية محققة للفوائض رغم الأزمات المالية للدول الصناعية.

ويرى محمد العريان أن ما نراه من «صخب» وتناقض في الظواهر ينبغي ألَّا يمنعنا من محاولة استخلاص بعض «المؤشرات» العامة التي يمكن أن تساعدنا على فهم «أسوق المستقبل»، وهو يرى أن هناك، على الأقل، ثلاثة عناصر جديدة تعبر عن «أسواق الغد»، وهي:

  • لم يعد الاقتصاد الأمريكي أو الاقتصادات الصناعية الغربية بصفة عامة هي اللاعب الوحيد والمؤثر في الاقتصاد العالمي؛ فالاقتصادات الناشئة في الصين والهند وجنوب شرق آسيا والعديد من الدول الصناعية الناشئة قد أصبحت هي الأخرى لاعبًا مؤثرًا، وأنها بدورها سوف تلعب دورًا أكثر تأثيرًا مع زيادة أحجام أسواقها الوطنية.
  • أصبحت الفوائض المالية الهائلة أو ما أطلق عليه «صناديق الثروة»، وهي المملوكة للدول، في الصين وفي دول الخليج وسنغافورة وغيرها من دول الفائض، أصبحت عنصرًا رئيسيًّا في الاقتصاد العالمي. ورغم نظرة الارتياب حولها فقد لعبت هذه الصناديق دورًا إيجابيًّا في دعم الاستقرار المالي الدولي. وهو يعتقد أنها مؤهلة للعب دور أكبر في المستقبل.
  • الأدوات المالية الجديدة والمتطورة: فرغم أن أحد أسباب الأزمة المالية يرجع إلى ما عرفته بعض أشكال هذه الأدوات المالية (خاصة المشتقات) من تجاوزات، فإن المستقبل — في رأي الدكتور العريان — هو لمزيد من دور هذه الأدوات بعد خضوعها لدرجات أكبر من الإشراف والرقابة، ذلك أن تطوير هذه الأدوات ضمن منظومة أكثر كفاءة سوف يساعد على مزيد من الاندماج المالي العالمي.

ولا يكتفي محمد العريان بتشخيص الأزمة — نظام قديم يتراجع ونظام جديد يتأكد — بل إنه يقدم خطة عمل للإسراع في زيادة القدرة على التعايش مع متطلبات نظام المستقبل، ويقدم وصفة لضمان سلوك المستثمرين بما يتفق مع حقائق المستقبل، كما يرى دورًا أكثر أهمية للسياسات الاقتصادية الوطنية وللمؤسسات المالية الدولية، وأخيرًا يقدم توصيات للارتقاء بأساليب إدارة المخاطر عند التعامل مع الأسواق المالية.

وليس من السهل تقديم عرض كامل لما أورده الكتاب في معالجته لهذه الأمور في هذا الحيز المحدود، ولكن الكتاب يتضمن عرضًا شيقًا ومفيدًا لمعرفة خبايا تعامل الأسواق المالية، كما ينطوي على العديد من الملاحظات الذكية والحكيمة بصدد العديد من الممارسات في هذه الأسواق.

وكل هذا في إطار من العرض الشيق من تجربة المؤلف العملية ومشاهداته المتعددة، والتي لم تعكس فقط خبرته العملية العميقة، وإنما تكشف أيضًا عن اطِّلاع واسع في مختلف المجالات مع أسلوب سلس وخفة في الظل. ولست أشك في أن قراءة هذا الكتاب القيم تعتبر إضافة هامة لكل مهتم بأوضاع الاقتصاد العالمي، وبوجه خاص الأسواق المالية، وقد تعلمت — شخصيًّا — الكثير من قراءة هذه العمل المتميز.

ومع ذلك فيبدو لي أن محمد العريان قد عكس في هذا الكتاب، بدرجة أكبر، تجربته خلال السنوات العشر الأخيرة كأحد أهم اللاعبين على المستوى العالمي في إدارة المحافظ المالية، وذلك ربما على حساب ما اكتسبه من تجربته السابقة في المؤسسات المالية الدولية (صندوق النقد الدولي). ومن هنا جاء الكتاب غزيرًا ومثمنًا في التوصيات حول دور المستثمرين من القطاع الخاص — أصيلًا أو وكيلًا — أو مديري الاستثمار، كما لا يقل العرض ثراءً فيما يتعلق بقضايا «إدارة المخاطر»، ولكن العرض جاء نحيفًا ومبتسرًا — إلى حد كبير — فيما يتعلق بالسياسات الحكومية، وبوجه خاص دور المؤسسات المالية الدولية؛ فلم أجد أية إشارة كافية لنظام النقد الدولي الحالي القائم على الدولار، ومدى ملاءمته لأسواق «الغد»، وآثار ذلك على الاستقرار المالي.

حقًّا لقد تعرض الكتاب لظاهرة «الفوائض المالية» أو «صناديق السيادة»، وهي ظاهرة جعلت من الصين ودول الفوائض النفطية لاعبًا مهمًّا وجديدًا على الساحة المالية العالمية، ولكن أليس الحديث عن تزايد ظاهرة الفوائض هو حديث عن تزايد «الاختلالات في موازين المدفوعات» واستمرارها؟ وهل كانت هذه «الفوائض» تقوم دون «عجوزات» مقابلة؟ وأليست دولة «العجز» الأكبر هي الولايات المتحدة؟ ومعروف أن العجز الخارجي للولايات المتحدة لا يرجع إلى ضعف أو عجز في اقتصادها المحلي بقدر ما يرجع إلى قيام الدولار بدور عملة الاحتياطي الأساسي. وقد سبق أن أثار موضوع نظام النقد الدولي جدلًا طويلًا في الأدب الاقتصادي حول مدى ملاءمة استخدام عملة وطنية (الدولار) كعملة للتعامل الدولي، فهل ما زال باب المناقشة مفتوحًا؟

والسؤال هو: هل «اقتصاد المستقبل» الذي يتحدث عنه كتاب الدكتور العريان يتطلب أيضًا الاستمرار في استخدام «عملة وطنية» كأساس لنظام النقد الدولي؟

وفي مقالي السابق في هذه الجريدة، منذ أسبوعين، نوهت بما أشار إليه كينز في أربعينيات القرن الماضي من الدعوة إلى إقامة نظام نقد دولي على أساس «عملة دولية» (البانكور).

فهل هذا وارد؟ وهل هو ممكن؟

لقد أدى استخدام الدولار في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي إلى بزوغ ظاهرة «اليورو دولار»، وكانت هي أول الأسواق النقدية العالمية غير المنضبطة وغير الخاضعة للرقابة والإشراف؛ مما أدخل عنصرًا للقلق والاضطراب في الأسواق المالية. والآن نتحدث عن الفوائض المالية وصناديق الثروة، وهنا يحق لنا التساؤل عما إذا كان من الممكن أن تظهر «الفوائض المالية» و«صناديق السيادة» بهذا الحجم دون عجز مقابل في الميزان الأمريكي؟ وهل كان من الممكن أن يستمر هذا العجز في ميزان المدفوعات الأمريكي فيما لو تخلى العالم عن الدولار؟ أليس استخدام الدولار دعوة لنشوء العجز في الميزان الأمريكي، وبالتالي الفوائض عند الآخرين؟

يتضمن نظام النقد الدولي الحالي مفارقة مهمة، وهي أن عملة «التعامل الدولي» هي في نفس الوقت «عملة وطنية» (الدولار)، مما يترتب عليه، على الأقل، أمران مثيران للقلق؛ الأول: هو احتمال التعارض بين المصالح الوطنية لدولة العملة الدولية (الدولار)، وبين مصالح المجتمع الدولي. وقد أثبتت التجربة أن السياسة النقدية الأمريكية تُغلِّب في معظم مثل هذه الأحوال مصالحها الوطنية. وأما الأمر الثاني: فهو أن قيام الدولار بدور العملة الدولية يشجع الولايات المتحدة على التهاون في معالجة العجز الخارجي، الأمر الذي يعني مزيدًا من الاختلالات في أوضاع الأسواق المالية العالمية، فهل كل هذا ما زال مطلوبًا «لأسواق الغد»؟

بطبيعة الأحوال لم يحتل الدولار مكانته الحالية نتيجة للصدفة، وإنما حدث ذلك نتيجة لتطور احتياجات المعاملات الدولية إليه؛ وبالتالي فإنه من المستحيل أن يختفي الدولار بين يوم وليلة، وسوف يحتاج الأمر إلى سنوات وسنوات، والأهم من ذلك أنه لا بد من التفكير في بديل، والتوافق عليه؛ فالعالم يحتاج — ولا شك — إلى «عملة دولية»، فهل آن أوان التفكير — مجرد التفكير — فيما إذا كان هذا ممكنًا، وكيف نخطط للوصول إلى هذا الهدف بهدوء ودون تكلفة عالية؟ وكيف سيكون شكل المؤسسات النقدية الدولية حينذاك؟ أسئلة مهمة لم يتعرض لها كتاب محمد العريان، ولكن ما تضمنه الكتاب من معلومات في الجوانب الأخرى للأسواق المالية يمثل وجبة دسمة، وهذا يكفي. والله أعلم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.