كنا في مجلس تلعب فيه طفلة صغيرة دون الرابعة من عمرها، كثيرة الحركة مُفْرِطة الذكاء، تملأ المجلس مرحًا وخفَّة، وتحاكي بعض الموجودين في الضحك والكلام والإشارة؛ فاستخفَّت أحد الحاضرين إعجابًا، ورفعها بيديه وهو يقول لها مداعبًا: ألا تسمحين لي بقبلة أيتها الغادة الهيفاء؟

فاشتدت دهشتنا حين أجابته على الأثر: أتريدها قبلة سيما؟

وازدادت بنا الدهشة حين أخذت تقبِّله تلك القبلة التي تعرض في الروايات الغرامية كثيرًا على الستار الأبيض: قبلة طويلة تتقلَّب على جوانب الفم كله حتى تنبهر منها الأنفاس.

ووجمنا صامتين، وراحت أمها تُقسم لها مهدِّدة في شيءٍ من المزاح، مازحة في شيءٍ من الخجل، قائلة لها وهي تخرج بها من الحجرة: والله لا أخذتك مرة أخرى إلى الصور المتحركة.

والطفلة لا تدري فيمَ هذا الغضب المازح أو هذا المزاح الغاضب، فتسأل في براءة لا تخلو من خباثة الطفولة: لِمَ يا أماه؟ ألم أعرف كيف أقبِّله «كما في السيما»؟

***

في شهر أكتوبر من السنة الماضية اجتمع في باريس مؤتمر السينما الدولي، وقرر فيما قرَّرَ أن يوجِّه اهتمام جميع الشعوب إلى ضرورة دراسة التبعات الاجتماعية التي تتعلق بالصور المتحركة في الأقاليم الزراعية وبيئات العمال وفي الطبقات الاجتماعية التي ليس لديها دفاع أخلاقي أو ثقافي.

هل خطر لأعضاء المؤتمر الموقرين أن تبعات السينما في عالم الأخلاق الاجتماعية تحتمل مثل هذا الخطر على صغار الأطفال، فضلًا عن الصبايا والصبيان في بواكير الشباب؟

إن هذه الطفلة اللاهية يأخذها أهلها إلى دور الصور المتحركة، وهم يعتقدون أنها لا تدرك شيئًا مما تراه، ولكنها قد نظرت وأدركت وفهمت الفرق بين القبلة التي تتلقَّاها من أبويها والقبلة التي تراها على الستار الأبيض في الأفلام الغرامية.

فإذا كان هذا ما تتعلَّمه من السينما طفلة فيما دون الرابعة من عمرها، فما الذي تتعلَّمه صبية في الثانية عشرة؟ وما الذي تتعلَّمه فتاة في العشرين؟ وما الذي يتعلمه الصبيان والفتيان في أعمار كهذه الأعمار؟

يتعلمون ولا شك أمورًا لا حاجة بهم إليها، يتعلمون ما يضرهم أن يشغلوا به عواطفهم وأذهانهم، ولا يضرهم أن ينصرفوا عنه ولا يجعلوه شغلًا شاغلًا للعواطف والأذهان في أوقات الرياضة والفراغ.

فالغرائز الجنسية ما كانت قط في حاجة إلى من يُثِيرها وينفخ في جذوتها. بل هي دائمًا قد كانت — وهي دائمًا ستكون وسوف تكون — في حاجة إلى من يروِّضها ويحفظها في عنان العقل والطبع السليم، وما اتَّجهت الآداب ولا الأديان من قديم الزمن إلى غاية مقررة كما اتجهت إلى رياضة الغرائز وكبح جِماحها، وفي طليعتها الغرائز الجنسية.

فأي حاجة بها إلى المناظر التي تثيرها وتطلق عنانها وتجعلها من المألوفات التي تُعرض على المئات والألوف مجتمعين في صعيدٍ واحد؟

لا حاجة بها إلى المناظر المحسوسة ولا إلى المناظر المقروءة، بل إن هناك الحاجة — كل الحاجة — إلى الفن الذي يروضها ويصونها، فلا يسهل الاندفاع معها كما يسهل الاندفاع مع جميع المألوفات.

أتمتنع إذن مناظر القبلات المثيرة من روايات الصور المتحركة؟ بغير جدال ولا إطالة في المحال: نعم تمتنع.

نعم تمتنع بحكم القانون إن لم تمتنع بحكم العرف القويم والذوق السليم.

نعم تمتنع ويحرص على منعها من يُعْنَوْن بالخُلق المتين ومن يعنون بالفن الصحيح نفسه؛ لأن الفنان في هذا المجال شريك للمصلح الأخلاقي في وجوب الحذر من كل شائبة تبتذل الفن في أوجه الرفيع.

يقول قائل: وما الرأي إذن في كتب الأقدمين، ومنها الكتب التي تستبيح وصف المجون وتمثيل الشهوات؟

ويقول قائل آخر: وما الرأي إذن في الفن الواقعي، وهو الفن الذي ينبغي أن يصور لنا وقائع الحياة؟

***

واللغط بأمثال هذه الأسئلة كثير على ألسنة المأخوذين بالظواهر والمتَّجرين بالتكشف والابتذال.

ولكنهم خليقون أولًا أن يلتفتوا إلى الفارق البعيد بين الكتب المخطوطة التي كان الناس قديمًا ينسخونها ليقرءوها، وبين الصور المحسوسة التي يراها في لحظة واحدة مئات من الكبار والصغار والرجال والنساء.

أما الفن الواقعي فليس معناه بالبداهة أن تصور كل واقع في الحياة؛ لأن الحياة تشتمل على أشياء كثيرة تحدث في كل يوم وفي كل ساعة، ولا نراها مرة واحدة على الستار الأبيض.

إنما الفن الواقعي هو ذلك الفن الذي لا ينقُض الواقع في صورة من صوره، وهو بهذه المثابة لا يلزمنا أن نحيط بجميع الوقائع لأنها وقائع، أو بجميع المحسوسات لأنها محسوسات.

وحسبنا أننا لو ضربنا الأمثال بالأشياء الكثيرة التي تحدث ولا نصورها على الستار الأبيض لكان أول المنكرين أولئك الذين يفسرون الفن الواقعي ذلك التفسير السخيف.

فليس كل ما يحصل يقال، فضلًا عن تصويره في معارض التكشف والابتذال!

***

نقول ذلك ولا ننسى أن نقول معه إننا أول من يؤمن بواجبات الفن الجميل، ويعتقد أنها لا تقلُّ في قداستها وجلالة شأنها عن واجبات الأخلاق.

ولكن الفنان الصحيح هو الذي يغضب لابتذال فنه بإثارة الغرائز والشهوات.

فلا فضل للفنان القدير على المهرج العابث إذا تحرَّكت الغريزة واندفعت الشهوة، ولا محلَّ للتفاضل بين التمثيل والتهريج إلا إذا خرجت من الوسط تلك الشوائب المبتذلة التي تتساوى فيها غريزة الإنسان وغريزة الحيوان.

والعملة الرديئة تطرد العملة الجيدة كما يقال في ميدان الاقتصاد، ولكن العملة الرديئة أيضًا تطرد العملة الجيدة في ميدان الفن الجميل، فيثور الفنان القدير — قبل المصلح الأخلاقي — على حبائل الشهوات التي تقتنص بها غرائز الناس في سوق التهريج الرخيص.

***

تلجأ الأمم المهذبة إلى طريقتين لحماية الناشئين من خطر المناظر المثيرة والفتنة الرخيصة:

  • طريقة العزل بين الكبار والصغار في دور الصور المتحركة، وإصدار القوانين التي تحرِّم على الناشئين غشيان المسارح العامة ما لم تأذن الرقابة بعرض جميع ما فيها.
  • وطريقة أخرى هي إباحة الدور جميعًا لكل من يقصدها من الكبار والصغار بعد حذف المناظر المثيرة من أفلامها.

والطريقة الثانية في اعتقادنا خيرٌ من الأولى؛ لأن الحجْر على الناشئين يغريهم بالتطلع إلى تلك الممنوعات، كأنها مزية من مزايا الكبار الراشدين.

وما زال من طبع الناشئ أن يأنف من استصغاره وتمييز «الراشدين» عليه، ولا نظن أن تنفيذ المنع على حسب السن مستطاع في الأماكن العامة، مع اختلاف الأوقات واختلاف مظاهر الأعمار.

***

وخيرٌ من الطريقتين معًا أن يغار الفنان على فنه، ويتولَّى الرقابة عليه بنفسه.

وخليقٌ بكل فنان يحترم نفسه ويحترم قداسة فنه أن يعلم أن القُبلة المثيرة لها مكانها الذي لا يطلب منه.

ومكانها وراء الستار.

وليس مكانها على الستار!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.