يكثر الحديث عن الحاجة إلى إصلاح أو تعديل الدستور، وفي غمرة هذا الحديث ننسى أن لنا تجربة دستورية هامة، وأن الخلاف حول هذه التجربة لم يكن بصدد عيب في الدستور بقدر ما كان نتيجة لتجاهل أو الاعتداء على أحكام هذا الدستور، وأقصد بذلك دستور ١٩٢٣.

ونظرًا لأن معظم الأجيال الجديدة ليس لديها تجربة مباشرة مع هذا الدستور وما كان له من موقع في نفوس المصريين، فقد رأيت أنه قد يكون من المناسب التذكير بهذا الدستور. فقليل من التاريخ لا يضر، وفي أحيان كثيرة يكون نافعًا؛ ولذلك رأيت أنه قد يكون من المفيد استرجاع بعض ذكريات هذا الدستور، حيث كانت الحياة السياسية في مصر — خلال النصف الأول من القرن العشرين — تدور حول محورين: الاستقلال والدستور. وها هو حديث الدستور يعود من جديد.

عرفت مصر منذ بدء مسيرتها للاستقلال، مع إعلان فبراير ١٩٢٢، تجارب دستورية متعددة، كان أهمها صدور دستور ١٩٢٣، والذي عرف اعتداءات متعددة بالخروج عليه وحتى بإلغائه، ثم عودته من جديد نتيجة للضغط الشعبي حتى أصبح جزءًا من ضمير هذا الشعب. ولم يكن غريبًا — والحال كذلك — أن يكون بيان الثورة الأول الذي أعلنه أنور السادات من خلال الراديو في صبيحة يوم ٢٣ يوليو ١٩٥٢ معلنًا رغبة حركة الجيش في حماية واحترام الدستور (أي دستور ١٩٢٣)، ثم مرت مياه كثيرة وقامت الثورة وصدر عنها عدة دساتير، حتى كادت ذاكرة المصريين تسقط ذلك الدستور كلية من وعيها، مما قد يتطلب إعادة شحن هذه الذاكرة من جديد. ولعل الذكرى تنفع المؤمنين.

كانت مصر — كما هو معروف — ولاية خاضعة للحكم العثماني مع درجة عالية من الاستقلال للوالي المصري — من أسرة محمد علي — وذلك حتى مجيء الاحتلال البريطاني ١٨٨٢ الذي فرض سلطته على البلاد مع الاعتراف — الشكلي — باستمرار تبعية مصر للدولة العثمانية. وعندما قامت الحرب العالمية الأولى (١٩١٤)، واختارت الدولة العثمانية دخول الحرب إلى جانب ألمانيا ضد الحلفاء، فرضت سلطات الاحتلال — بقرار منفرد — إنهاء علاقة مصر بالدول العثمانية مع وضعها تحت الحماية البريطانية.

وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى في ١٩١٨ وظهور الدعوة لحق الشعوب في تقرير مصيرها (مبادئ ولسن)، قام الشعب المصري مطالبًا بإنهاء الاحتلال وإعلان استقلال البلاد. واختار الشعب «وفدًا» من ثلاثة من الشخصيات العامة المصرية — سعد زغلول، وعبد العزيز فهمي، وعلي شعراوي — لمطالبة المعتمد البريطاني بالسماح «للوفد» بالسفر لعرض قضية استقلال مصر على مؤتمر فرساي، وعندما رفض المعتمد البريطاني هذا المطلب، ولد «حزب الوفد»، وقام الشعب المصري بثورته الوطنية الكبرى في ١٩١٩. ومع تزايد الضغط الشعبي، اضطرت الحكومة البريطانية إلى إعلان استقلال مصر في فبراير ١٩٢٢ مع تحفظات أربعة على هذا الاستقلال.

وجاء إصدار دستور ١٩٢٣ نتيجة لهذه الثورة الشعبية واعترافًا باستقلال هذه الدولة الوليدة. وكانت الحكومة قد شكلت «لجنة الثلاثين» من أهم الشخصيات المصرية المعروفة في ذلك الوقت لوضع الدستور. قد استبعد الملك فؤاد — السلطان فؤاد في ذلك الوقت — من هذه اللجنة أهم الشخصيات من حزب الوفد، مما دعا زعيم الحزب — سعد زغلول — إلى إطلاق وصف «لجنة الأشقياء» عليها، وإن أصبح الوفد، بعد ذلك، أكثر الأحزاب تمسكًا بالدستور ودفاعًا عنه، وارتبط اسم الوفد فيما بعد بالصراع مع الملك من أجل حماية الدستور. وقد تبنى هذا الدستور ما يعرف «بالنظام البرلماني».

ورغم معارضة حزب الوفد — في أول الأمر — للجنة إعداد الدستور، فقد جاءت الانتخابات التشريعية الأولى بأغلبية ساحقة لحزب الوفد، وتولى سعد باشا زغلول رئاسة الوزارة، وأصبح حزب الوفد من يومها — وكذا بقية الأحزاب — مؤيدًا ومدافعًا عن الدستور، وإن كانت أحزاب الأقلية أكثر ميلًا إلى تأييد الملك عند كل مخالفة أو خرق للدستور. وكما تغير موقف حزب الوفد من المعارضة إلى التأييد الكامل للدستور الجديد، فقد أصبح الملك — والقصر بصفة عامة — هو الخصم الحقيقي للدستور، في حين التف الشعب حوله؛ ولذلك لم يلبث الملك أن أقال حكومة حزب الأغلبية وشكَّل حكومات من أحزاب الأقلية بالمخالفة للدستور، وذلك حتى جاء صدقي باشا إلى الحكم وذهب إلى حد إلغاء دستور ١٩٢٣، وفرض دستور جديد على البلاد في ١٩٣٠، يعيد صلاحيات الملك ويقيد من الحريات العامة. وبدأ صدقي باشا تقليدًا غريبًا — لأول مرة — وهو تزييف الانتخابات، وللأسف استمر هذا التقليد بعد ذلك.

وفي مواجهة إلغاء دستور ١٩٢٣، عرفت مصر في بداية الثلاثينيات فترة من القلاقل والاضطرابات للمطالبة بعودته الدستور، الأمر الذي أصبح مطلبًا شعبيًّا. وهكذا استقر دستور ١٩٢٣ في الضمير الشعبي باعتباره ممثلًا لروح الشعب وضمانًا لحرياته. ومع زيادة الرفض الشعبي لدستور صدقي وظهور بوادر الحرب العالمية الثانية، رأت سلطات الاحتلال البريطاني ضرورة الاستجابة لهذه المطالب الشعبية وإعادة دستور ١٩٢٣، حتى تضمن استقرار الأوضاع في مصر في حالة قيام الحرب العالمية. وهكذا أعيد دستور ١٩٢٣ من جديد في ١٩٣٥.

وكان الأمر الملكي الصادر بإعلان ذلك الدستور يشير إلى أن الدستور «منحة» من الملك، الأمر الذي أثار جدلًا كبيرًا بين فقهاء القانون الدستوري. وإذا كان هناك من شك حول هذه القضية عند إصدار الدستور لأول مرة، رغم أنه كان في الحقيقة نتيجة لثورة شعبية (١٩١٩)، فإن عودة ذلك الدستور من جديد في ١٩٣٥ كانت إملاء من الشعب وتمت على رغم إرادة الملك. ولذلك يمكن القول بقدر كبير من الموضوعية أن دستور ١٩٢٣، وخاصة منذ منتصف الثلاثينيات، هو دستور استمد شرعيته من الدعم الشعبي، ولم يعد منحة من الحاكم. ولعله لهذا السبب، جاء بيان الثورة الأول بالإعلان عن «حركة الجيش» مشيرًا إلى ضرورة احترام الدستور. وهكذا بدأت «الثورة» في ٢٣ يوليو «بوعد» لاحترام دستور ١٩٢٣.

ولكن لماذا الحديث عن دستور ١٩٢٣ الآن؟

هناك شعور عام بأن الدستور الحالي بشكله القائم لا يلبي تطلعات المصريين، ويظهر ذلك بوجه خاص فيما يتعلق بأسلوب انتخاب رئيس الجمهورية، فضلًا عن الشعور العام بأن هذا الدستور — شأنه شأن الدساتير الأُخرى منذ قيام الثورة — يركز السلطات بشكل مبالغ فيه لصالح السلطة التنفيذية. ولذلك فإن هناك اتجاهًا متزايدًا بين العديد من المفكرين للمطالبة بالعودة إلى «النظام البرلماني» الذي يقوم على تحقيق التوازن والتعاون بين السلطات دون تغليب سلطة على أخرى. وفضلًا عن ذلك، فلنا تجربة سابقة من هذا النظام لم تكن سيئة إلا بالقدر الذي كان القصر يخرج فيه عن الدستور ويخالفه. فالشكوى من الحياة الدستورية في ظل دستور ١٩٢٣ لم تكن راجعة إلى عيوب في الدستور في ذاته بقدر ما كانت ناشئة عن مخالفة أحكام الدستور والاعتداء عليه.

لا أحد يدعي أن دستور ١٩٢٣ هو أفضل الدساتير «للنظم البرلمانية»، وقد عرفت مصر بعد الثورة مشروعًا لدستور برلماني آخر أعد في ١٩٥٤ بمعرفة السنهوري باشا وبعض معاونيه، كذلك صدر عن الثورة عدة دساتير بدءًا بدستور ١٩٥٦ وحتى الدستور الحالي، وكلها دساتير رئاسية تركز السلطات في السلطة التنفيذية. وباستثناء دستور ١٩٢٣ البرلماني، فليس لأي وثيقة دستورية أخرى شرعية شعبية خاصة بها. ونظرًا لأن الحديث عن دستور جديد لا بد وأن يتحقق حوله التوافق العام، فإنه من المشكوك فيه، في الظروف الحالية، أن يتم التوافق بين مختلف الاتجاهات على مشروع موحد للدستور. ولذلك فيخشى أن يؤدي فتح هذا الباب إلى مزيد من الفرقة والصراع بدلًا من أن يكون حلًّا وعلاجًا لنقص نشعر به جميعًا. أما دستور ١٩٢٣ فهو — كما سبقت الإشارة — يتمتع بقدر كبير من الشرعية التاريخية؛ حيث ولد إثر ثورة شعبية (١٩١٩) وعاد بعد إلغائه نتيجة المطالبات الشعبية في بداية الثلاثينيات، وتأكد الأمر مع بيان الثورة الأول الذي تضمن إعلان «احترام الدستور».

فالعودة إلى هذا الدستور هي وفاء بعهد قطعته الثورة على نفسها يوم إعلانها في ٢٣ يوليو ١٩٥٢. ويظل هذا الدستور — بالطبع — قابلًا للتعديل والإضافة والحذف في إطار الإجراءات التي يحددها. ولذلك فإن العودة إلى دستور ١٩٢٣ إنما ترجع إلى اعتبار عملي، وهو سهولة تحقيق نوع من التوافق العام حول «نظام دستوري برلماني» له شرعية تاريخية، وذلك بعد استبدال النصوص الخاصة بوراثة الحكم الملكي وإحلال نصوص جديدة لانتخاب رئيس الجمهورية.

ويظل التساؤل مطروحًا، هل معنى ذلك هو دعوة إلى العودة إلى الماضي بإحياء وثيقة قديمة بعد أن تغيرت الظروف كليًّا محليًّا ودوليًّا؟ إطلاقًا، ليست هذه دعوة للعودة إلى الماضي، فالنظام الدستوري المطلوب يجب أن يكون تطلعًا إلى المستقبل وليس عودة إلى الماضي. ولكن المطلوب أيضًا هو نقطة بداية يسهل التوافق حولها والانطلاق منها للمستقبل، وذلك بدلًا من الضياع في دوامة من الخلافات حول مختلف الاتجاهات المتضاربة سواء إسلامية أو ليبرالية، أو اشتراكية أو غيرها. إن دستور ١٩٢٣ ينطوي على الحد الأدنى من الشرعية التاريخية ومن المقومات اللازمة لوضع أسس «نظام برلماني» متوازن بعد شطب المواد المتعلقة «بالملك» وإحلال قواعد جديدة بدلًا منها لرئيس الدولة المنتخب. والله أعلم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.