تخيَّل أنك تعرف أن العلماء قد رسموا التيرانوصور بالعكس طوال هذا الوقت، وأنه في الحقيقة كان يزحف على «ظهره» ويحرك أقدامه — معذرة، مجساته — في الهواء؛ سيكون أمرًا محرجًا بعض الشيء، لكنه أيضًا لن يحدث أبدًا؛ فلدينا هياكل عظمية كاملة للتيرانوصور، ونستطيع مقارنتها بحيوانات معاصرة مشابهة، ويمكننا محاكاة القوى التي أثَّرت فيها. ومن الواضح على أية جهة كان هذا الحيوان يقف.

إلا أنه لا يسهل إعادة بناء كل كائنات ما قبل التاريخ بمثل هذه السهولة؛ ففي عام ١٩٧٧ عَثَرَ عالِم الحفريات البريطاني سايمون كونواي موريس على حفرية غريبة بحق في طول الأصبع، لا تشبه أي شيء رأيناه من قبل. وقد عُثِر عليها قبل ذلك بنحو ٦٦ عامًا في منطقة بيرجيس شيل — وهو موقع أسطوري للحفريات في جبال روكي الكندية — وصُنفت على أنها دودة حلقية، وهي المجموعة التي تضم دودة الأرض المألوفة. إلا أن كونواي موريس كان له رأي مختلف.

لقد كان هذا الكائن غريبًا؛ فالجِذع الطويل كانت تخرج منه سبعة أزواج من الأشواك الطويلة في اتجاه واحد، في حين تخرج سبعة مجسات من الجانب الآخر، مع وجود ما يشبه أفواهًا صغيرة على الأطراف. لم تكن هناك رأس واضحة، عدا كرة صغيرة غير واضحة المعالم في أحد الأطراف. أطلق كونواي موريس عليها اسم «هالوسيجينيا» بسبب «طبيعتها الغريبة والخيالية». لقد اقترح أن هذا المخلوق قد سار على قاع المحيط الموحل على أشواكه التي تشبه الركائز، وكان يمسك الطعام بمجساته. ويقول جان برنارد كارون من متحف رويال أونتاريو في تورنتو، الذي يدرس حاليًّا هذا الحيوان: «كان هذا التصور مثيرًا للجدل بشدة؛ فقد بدا مثل كائن فضائي.»

ظهرت وقفة «الهالوسيجينيا» الحقيقية فقط عندما اكتُشف حيوان ذو صلة يسمى «مايكروديكتيون» في الصين في عام ١٩٩١. أظهرت هذه الحفريات الأكثر اكتمالًا أن كونواي موريس كان ينظر إلى «الهالوسيجينيا» بالمقلوب؛ فقد كانت «المجسات» أرجلًا، وكانت الأطراف التي تشبه الأفواه مخالبًا، وكانت «الأرجل» في الحقيقة أشواكًا ناتئة من ظهرها، على الأرجح من أجل الدفاع (مع ذلك، حتى الآن، ما زالت الرأس غير معروفة على سبيل التأكيد).

رسم يوضح إعادة بناء لهيكل الهالوسيجينيا.
رسم يوضح إعادة بناء لهيكل الهالوسيجينيا.

أشار اكتشاف «المايكروديكتيون» إلى أن «الهالوسيجينيا» لم تكن مخلوقًا نادرًا منعزلًا من كندا؛ بل كانت جزءًا من أسرة تتكون من حيوانات غريبة — الهالوسيجينات — يُحتمل أنها كانت منتشرة في جميع أنحاء العالم. وقد أكَّد كارون حاليًّا هذا الأمر.

لقد كان يدرس بعض حفريات بيرجيس شيل تحت مجهر قوي عندما لاحظ أنها تحتوي على أشواك «الهالوسيجينيا». لقد كانت هذه الحفريات محفوظة على نحو جيد، وقد التقط المجهر تفاصيل دقيقة لم تكن العين المجردة لتراها قط. فيبلغ طول كل شوكة أكثر من سنتيمتر واحد بقليل، ويمكن أن تتكون من عدة طبقات، مثل مجموعة مقلوبة من مخاريط الآيس كريم. على سطحه توجد مئات من الحراشف مثلثة الشكل. يقول كارون: «كانت هذه مفاجأة كبيرة. فتحت المجهر تبدو الأشواك مزخرفة للغاية.»

تختلف هذه التكوينات عن أي أشواك حيوانية حديثة، إلا أن كارون — بالتعاون مع مارتن سميث وتوماس هارفي — أظهر اكتشاف أشواك مشابهة في حفريات في كافة أنحاء العالم، نُسب العديد منها إلى أنواع حيوانية أخرى، لكن معظمها كان لغزًا. ربما كانت صفائح أو أصدافًا، أو ربما تكون قطعًا مكسورة من أحد الأطراف. ولم يتمَّ العثور قطُّ على أجسام أصحابها، لكن تحليل كارون أظهر بوضوح أنها كانت أشواك الهالوسيجينات؛ فقد كانت تتنوع ما بين القِصَر والطُّول، والتقوُّس والاستقامة، لكنها كلها تشترك في التكوين نفسه. وقد عُثر عليها في الصين وكندا وإنجلترا والقارة القطبية الجنوبية وجرينلاند وأستراليا ومنغوليا وكازاخستان، بإجمالي ست قارات.

جاءت كل هذه الحفريات من أوائل العصر الكامبري، منذ نحو نصف مليار سنة. لقد كان عصر المخلوقات غريبة الأطوار، حيث انقسمت الحيوانات إلى أشكال متنوعة محيِّرة. ضمَّت هذه الأشكال أسلاف الأنواع الحالية وكثيرًا من المجموعات التي لم تشبه أي شيء مألوف لدينا.

ومن بينها كانت الهالوسيجينات. وفقًا لكارون، كانت أشواكها الدفاعية تدل على سباقات تسلح تطورية ضارية بين الكائنات المفترسة والفرائس، بدأت خلال العصر الكامبري. فيقول: «إذا وُجِدت مجموعة ضخمة من الكائنات لديها أشواك وصفائح وغيرها فلا بد من وجود كائنات مفترسة في الجوار.»

يضيف كارون أن الهالوسيجينات من الأرجح أنها ذات صلة بالديدان المخملية في العصر الحالي. هذا يجعلها أيضًا أبناء عمومة قدامى لمفصليات الأرجل — أكثر مجموعة حيوانية ناجحة على سطح الكوكب — التي تضم الحشرات والعناكب والقشريات وغيرها. وإذا توصلنا لفهمٍ أفضل لأجسام الهالوسيجينات فربما نحصل على بعض المعلومات عن الشكل المحتمل لأول مفصليات أرجل على الإطلاق.

When Hallucinations Walked the World by Ed Yong. Not Exactly Rocket Science. August 5, 2013.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.