ليست أزمة وزارية — نستغفر الله — فالوزارة القائمة لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن. وما ينبغي أن تُوجد أزمة وزارية في بلد دستوري، ما دام البرلمان واثقًا بالوزارة، وما دامت الوزارة مستمتعة بالعطف الملكي الكريم.

هذه حقائق لا يختلف فيها اثنان، ولا تنتطح فيها كما كان يقول القدماء عنزان. وكان صدقي باشا يُعْلِنُ هذه الحقائق الواضحة ويُكَرِّرُها ويُلِحُّ في إعلانها وتَكرارها حتى سقط في يوم من الأيام بإذن الله، أثناء غيبة البرلمان، وكان قد تشرَّف بلقاء المليك قبل ذلك بأيام، ولقي — كما قال — من جلالته عطفًا كريمًا.

ولكن الوزارة مع هذا كله لا يمكن أن تسقط ما دامت مُسْتَمْتِعَة بالثقة البرلمانية والعطف الملكي؛ فهي قوية دائمًا وقوتها لا حَدَّ لها.

فنحن إذن لا نتحدث عن أزمة وزارية، ولا نُشير إليها بهذا العنوان، وإنَّما نتحدَّث عن أزمة أُخرى غريبة الأطوار بعيدة القرار، قد طال عليها الأمد، وكَثُرَتْ حَوْلَهَا الظُّنون، واختلطت فيها آراء الناس، حتى لم يعلم أحدٌ مِنْ أَمْرِها شيئًا، وعلم الناس جميعًا من أمرها كل شيء، وهي هذه الأزمة الملهية المسلية التي تتَّصِل بمنصب وزيرنا المُفوض في لندرة؛ وبالحَرَكة الدبلوماسية كلها كما يقولون؛ فقد مضت أشهُر وأشهر والناس يتحدثون في أنديتهم ومجالسهم، والصحف تُذِيعُ في الناس إذا أمسوا، وتُذِيعُ فيهم إذا أصبحوا، أنَّ وَزَارة الخَارِجِيَّة تُعِدُّ حركة دبلوماسية ستظهر بعد حين، ثم يمر الحين وتنشر الصحف ويقولُ الناس إن ظهور هذه الحركة قد تأخَّر حينًا آخر.

ثم يمر الحين وتنشر الصحف ويقول الناس إن رئيس الوزراء صرح بأنَّ هذه الحركة ما زالت موضوع الدرس والتفكير، ثم تمضي أيام وإذا الصحف تنشُرُ أَسْمَاءَ مَنْ يُرشح لواشنطن، ومَنْ ينقل من هذه العاصمة إلى تلك العاصمة، حتى إذا أصبح الصَّبَاحُ ظَهَرَ أنَّ هذا كله سابق لأوانه، وأنَّ الأَمْرَ ما زَال موضوعًا للأخذ والرد وميدانًا للكر والفر، ومدعاةً للبحث والتفكر، ثم تتعقَّد هذه القصة الملهية بعض الشيء؛ لأنَّ وزيرنا المُفوض في لندرة قد استقال أو حمل على الاستقالة أو أُغري بها ورُغِّبَ فيها.

فيزيد عليَّ الأمر اختلاطًا على اختلاط، واضطرابًا على اضطراب، ولا يطيل الناس على أنفسهم في التساؤل عَمَّا دعا إلى استقالة وَزِيرِنَا في لندرة أو حمله على الاستقالة؛ فهذه أشياء قد أصبحت مَأْلُوفة في هذه الأيام، وإنَّما يشغل الناس بأعقاب هذه الاستقالة، وهذه الأعقاب لا تخلو من طرافة، فوزيرنا المفوض في لندرة لا يكاد يستقيل أو يحمل على الاستقالة حتى يصبح عضوًا في إدارة بعض المصارف فجأة، وعلى غير تمهيد. ثم يُؤخذ في ترشيح من يَخْلُفه في لندرة فيُشَاع ويذاع ويملأ الأسماع أنَّ وزِيرَنَا في مَدِينَةِ النُّور سيمثلنا في مدينة الظلام، وأَنَّ الحركة الدبلوماسية ستتأثَّر بهذا النقل تأثرًا شديدًا، فتصبح أوسع نطاقًا، وأبعد مدًى، ثم يظهر فجأة أنَّ مَعَالي فخْري باشا قد آثر أو أُوثر له البقاء في مدينة النور، وأن وزارة الخارجية تدرس وتفكر، وتبحث عمن يمثلنا في قصر سان جيمس.

وفي أثناء ذلك تكثُر الأحاديث وتختلط، ويتناقل الناس أنَّ الإنجليز هم الذين لم يقبلوا ترشيح الوزارة لوزيرنا في لندرة. ثم يذكر هذا الاسم، ثم يكذب ما قيل حوله، ويذكر اسم آخر، ثم يعلن العدول عنه، أو اعْتِذَار صَاحِبِهِ، حَتَّى تذكر طائفة لا بأس بها من أسماء الوزراء، ورجال الدولة، كُلُّهم قد رُشِّح فيما يُقال، فلم يقبل ترشيحه على شواطئ التاميز، أو لم يرضَ هو بشواطئ النيل بديلًا.

ويتصل في أثناء هذا كله الكلام عن الحركة الدبلوماسية حتى تتنبأ بعض الصحف بأنَّها ستشتمل على مُفَاجآت ذات خطر، وبينما وزراؤنا في عواصم الشرق والغرب يَنْصَرِفُون إلى أَعْمَالِهِم في المُفوضيات، أو يَسْتَمْتِعُون بالرَّاحة في مصر، إذا الصحف والأحاديث تنقلهم في أقطار الأرض، وإذا عواصم العالم القديم والحديث تتقاذفهم كأنَّهُم الكرة، ثم يُفاجأ الناس بأنَّ وزيرنا السابق في لندرة قد لقي رئيس الوزراء أوَّل أمس، ثم بأنَّه قد لقيه أمس، ثم تتحدث بعض الصحف الوزارية بأنَّه يُفَاوضُ في الرُّجوع إلى السلك السياسي على أنْ يعبر المحيط إلى واشنطن لا البحر إلى لندرة، ثم يُنْفَى هذا في بعض الصحف صباح اليوم، وتترامى إلينا الأنباء صباح اليوم أيضًا بأنَّ وزير خارجيتنا يفاوض صاحب السعادة حافظ عفيفي باشا في الرجوع إلى لندرة، وبأنَّ حافظ عفيفي باشا يشترط لذلك شروطًا.

ويتحدث الناس فيما يتحدثون به، من لغو الكلام وجِدِّه، بأنَّ الإنجليز لا يُرِيدُون إِلَّا وزيرنا السابق في بلادهم، وبأَنَّ وَزَارتنا لا تُريد إلا أنْ تَكُون حُرَّة في اخْتِيارِ مَنْ يُمَثِّلُها هناك، وبأنَّ الأَمْرَ قد ينتهي إلى أن تظل مُفوضيتنا في لندرة جسمًا لا رأس له، حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

وبينما يشغل الناس بهذا الكلام الكثير والاختلاط الذي لا حَدَّ له، إذا وزارة الداخلية تشغلهم بحديث آخر ليس أقلَّ منه كثرة ولا اختلاطًا، وهو حديثُ الحركة الإدارية، ذات النطاق الواسع البعيد، التي تبدو حينًا، وتَخْفَى حينًا، وتكشف عن ساقٍ وتستر ساقًا أخرى، وتنظر بإحدى عينيها وتُغْمِض عينها الأخرى، وتصدُّ بخد وتجلو عن خد، فتضطرب لحركاتها هذه قلوب رجال الإدارة في أقطار مصر اضطرابًا شديدًا، كلهم يحرص على الرقي، وكلهم يُريد أنْ يُصِيبَ مِنْهُ شيئًا، وكُلُّهم يُشْفِقُ أَنْ يطغى عليه النسيان، وكلهم يحلم بالحركة إذا كان الليل، ويفكِّر في الحركة إذا كان النهار، والصحف قاسية مُسرفة في القسوة، تحدِّثهم كل يوم بجديد، وتلقي إليهم مُتناقض الأنباء، ووزير الداخلية أشد من الصحف قسوة، يهمُّ بالإعراب والإفصاح، ثم يمعن في الإعجام والإلغاز، وكذلك تضطرب مناصبنا في داخل البلاد وخارجها، وتضطرب معها نفوس المُستقرين فيها، والطامحين إليها، ويعبث حب الاستطلاع بقلوب الناس، يُريدون أن يَعْرِفوا الجلي من أمرها هنا وهناك، ولكنهم لا يصلون. ثم يُقال بعد ذلك إنَّ أمورنا هادئة، مُسْتَقِرَّة، تجري على أحسن نظام، وتَمْضِي في أوضح طريق، لا تعرف الأزمات، ولا تتعرض لها، ولا يمكن أن تعرف الأزمات أو تتعرض لها؛ لأنَّ كُلَّ شيء فيها قد قُدِّرَ بمقدار، وحسب له أدق الحساب!

أما أنا فلا أصدق شيئًا من هذا، ولا أطمئنُّ إليه، وإنما الذي أراه ويراه أمثالي من الذين لا يُحسنون فهم السياسة في هذه الأيام، هو أنَّ أمورنا مضطربة أشدَّ الاضطراب، قد كَثُرَ فيها الأَخْذُ والرَّدُّ، وَكَثُرَ فِيهَا الدَّفْعُ والشَّدُّ، وَعَظُمَ فيها النزاع والجِدَالُ، ولولا ذلك لمُلئت المناصب الخالية، ولاستقر أصحابُ الأعمال في أعمالهم، ولفرغ الوزراء لما هو أهم من ذلك وأنفع، فَدَبَّرُوا مَصَالِحَ النَّاس، وحلوا ما لهم من المُشكلات.

فالمَنَاصِبُ الداخلية والخارجية وسائل في حقيقة الأمر لا غَايَات، والوزارات التي تقدر واجبها وتُحْسِنُ النُّهوض به لا تُضيع الوقت والجهد على نفسها وعلى الناس في العناية بالوسائل، على حين تهمل الغايات أشدَّ الإهمال، متى تستريح وزارتنا من هذه المَتَاعب، التي دفعت إليها دفعًا، حين قبلت من وزيرنا في لندرة استقالته أو دفعته إليها دفعًا؟ ثم متى تستريح وَزَارَتُنا وتُريح من هذه المتاعب التي ابْتَكَرَتْهَا لنفسها ابتكارًا بهذه الحركة الإدارية التي لا نظير لها، والتي لا ينتهي حديثها ولا ينقضي إعلانها إلى الناس؟

أليست الوزارة تَشْعُر بأنَّ الصيف قد أقبل، وَبِأَنَّها في حاجة إلى الرَّاحة من هذا العناء أثناء الصيف؟ كل شيء حسن كما يقول العقاد؛ فليسَ على مصر بأس من أنْ يَخْلُو بعض المفوضيات من الوزراء المفوضين، بل مِنْ أَنْ يُعطل بعض المفوضيات تعطيلًا، فما نظن أنَّ مصر تجني من التمثيل الخارجي منافع تعدل ما يكلفها من المال والعناء.

وكل شيء حسن كما يقول العقاد، فما نظن أنَّ أمور الأمن سَتَزْدَادُ صَلَاحًا واستقرارًا حين يتغيَّر وجه رقعة الشطرنج الإداري.

ما أجدر الوزارة أن تُرِيح وتستريح، وتدع كل شيء كما هو؛ حتى يأذن الله فيتغيَّر كل شيء!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.