يلعب القطاع المالي دورًا مهمًّا في الحياة الاقتصادية. وقد كان نمو وتطور هذا القطاع من أهم العوامل التي ساعدت على التقدم الاقتصادي الحديث. فإذا كانت «الثورة الصناعية» وما ارتبط بها من تطورات تكنولوجية هائلة هي القوة الدافعة للطفرة الهائلة في الإنتاج، فقد كانت «الثورة المالية» وما أدت إليه من تطوير أدوات مالية متنوعة ثم مؤسسات مالية جديدة أحد أهم أسباب انتشار وتوسع نتائج الثورة الصناعية والتكنولوجية.

وجاءت الأزمة المالية الأخيرة — ٢٠٠٨ — فأكدت أن هناك حاجة إلى المزيد من الانضباط المالي بفرض القيود على القطاع المالي وإخضاعه للرقابة والإشراف؛ حماية لاستقرار النشاط الاقتصادي. فقد أظهرت هذه الأزمة — ومن قبلها أزمة الثلاثينيات — أن انهيار القطاع المالي أو الخلل في نشاطه يعرِّض الاقتصاد القومي لاضطرابات شديدة. ومن هنا كان تدخل الحكومات لإنقاذ هذا القطاع أمرًا ضروريًّا لحماية الاقتصاد القومي.

والسؤال هو: لماذا الحاجة إلى الرقابة والإشراف على القطاع المالي بالذات؟ وهل يتعارض هذا مع منطق «اقتصاد السوق»؟ أم أنه نتيجة حتمية لمسئولية الدولة عن حماية السوق نفسها والمتعاملين فيها، وبالتالي الاقتصاد القومي؟

تعريف القطاع المالي

عندما نتحدث عن القطاع المالي فإننا نتحدث عن ثلاثة عناصر، هي على التوالي: الأدوات المالية (أو الأصول المالية)، ثم المؤسسات المالية، وأخيرًا القواعد والنظم التي تحكم هذه الأدوات وتلك المؤسسات. ويتضح من هذا السرد أن مفهوم القطاع المالي يدور في جوهره حول مفهوم «الأصول المالية»، والتي تأخذ أشكالًا متعددة يطلق عليها الأدوات المالية، ويقوم بالتعامل فيها عدد من المؤسسات مثل البنوك وشركات التأمين والبورصة والسماسرة وصناديق الاستثمار وشركات الخدمات المالية، مثل المحاسبة أو تقييم الجدارة الائتمانية، وهكذا. وهذه كلها تخضع لقواعد وضوابط تحكمها. وهكذا فإن مفهوم القطاع المالي يدور حول «الأصول المالية»، وأشكالها، ومن يتعامل فيها، وما تخضع له من قيود وضوابط.

ولذلك، فإن نقطة البدء لفهم القطاع المالي هي ضرورة التمييز بين «الأصول المالية» من ناحية، وبين السلع والخدمات — والتي يطلق عليها أحيانًا «الأصول العينية» — من ناحية أخرى. أما السلع فأمرها سهل؛ فهي كل ما يشبع الحاجات الإنسانية بشكل مباشر (السلع الاستهلاكية) Consumer goods أو بشكل غير مباشر (السلع الرأسمالية) Capital goods. ويقوم بتوفير هذه السلع القطاع الإنتاجي (من مزارعين وصناع وتجار، وهكذا). ويقوم المنتج بإنتاج سلعته من أجل المستخدم النهائي (المستهلك أو المستثمر)، وهو ما يتم من خلال السوق. وهكذا، فالسلعة تخرج من المنتج إلى السوق لكي تستقر لدى المستخدم النهائي، وعبورها بالسوق هو مجرد مرحلة وسيطة بين المنتج والمستخدم النهائي للسلعة.

وليس الأمر كذلك مع «الأصول المالية»، فما هي هذه الأصول المالية إذن؟ إنها ليست سلعًا، فهي لا تشبع أي حاجة إنسانية، وإنما هي في الحقيقة وسيلة لانتقال الحقوق بين الأفراد. وأول وأهم شكل للأصول المالية هو النقود. والنقود ليست سلعة رغم أنها بدأت تاريخيًّا في شكل سلعة، ولكنها لا تستخدم لإشباع الحاجات كباقي السلع، وإنما للاستخدام في المستقبل. فما هي النقود؟ النقود هي — في جوهرها — حق يمكن استخدامه في المستقبل، للحصول على أي سلعة معروضة في السوق. فالبائع يبيع سلعته، ليس مقابل سلعة أخرى كما في حالة «المقايضة»، وإنما مقابل «النقود» التي يمكن مبادلتها في المستقبل مع أي سلعة في السوق. وعلى ذلك، فالنقود هي حق على الاقتصاد القومي يُعْطَى حاملها الحقَّ في تحويل هذا الحق إلى أي سلعة من بائع آخر. ولكن لماذا يقبل هذا البائع الأخير التنازل عن سلعته مقابل النقود؟ السبب هو أن هذه النقود قابلة للتداول؛ أي تتمتع بنوع من «القبول العام». فكل بائع يقبل التنازل عن بضاعته مقابل النقود؛ لأنه يدرك أن غيره سوف يكون على استعداد للتنازل هو الآخر عن بضاعته مقابل هذه النقود. وهكذا فإن الخاصية الأساسية للنقود هي أنها حق مستقبل على السلع، وأن هذا الحق يستند إلى «القبول العام» لها في المعاملات. ويترتب على ذلك أن تظل النقود دائمًا في السوق ولا تخرج منها، وإن كانت تنتقل من يد إلى أخرى.

ولكن لم تقتصر الأصول المالية على النقود، فظهرت الأسهم والسندات والأذون والأوراق التجارية، ثم ظهرت أشكال جديدة للضمان أو الخيارات أو البيوع المستقبلة. كذلك ظهرت أخيرًا أنواع معقَّدة من الأوراق المالية المهجَّنة أو المركبة التي تتضمَّن عناصر مختلفة من تلك الأصول المالية أو المشتقة منها. ويجمع بين الأصول جميعًا أنها ليست سلعًا تشبع أي حاجة إنسانية بشكل مباشر (استهلاكية) أو غير مباشر (سلع إنتاجية)، وإنما هي مجرد حقوق على الغير تستحق في المستقبل. والخاصية الأساسية لها هي أنها تتمتع كذلك بدرجة من القابلية للتداول، وهي موجودة دائمًا في الأسواق تنتقل من يد إلى أخرى إلى أن يحين وقت سدادها النهائي فتنتهي حياتها. ونظرًا لأنها في جوهرها وعد بأن تتحول في المستقبل إلى نقود، وبالتالي إلى سلع، فإن قيمتها تتوقف على رؤية السوق لهذه القيمة في المستقبل. فقيمة الأصول المالية تنطوي على رؤية للمستقبل.

وهكذا يتضح أن هناك فارقًا أساسيًّا بين «أسواق السلع» من ناحية وبين «الأسواق المالية» من ناحية أخرى. فأسواق السلع تتعامل مع الإنتاج منذ بدء العملية الإنتاجية حتى تستقر السلعة في شكلها الأخير لدى المستخدم النهائي (مستهلكًا كان أو مستثمرًا). وبذلك تمثل السوق مرحلة عابرة في حياة السلعة قبل أن تستقر نهائيًّا لدى المستخدم النهائي. أما «الأسواق المالية» فإنها لا تتعامل مع الإنتاج، وإنما مع «الأصول المالية»، حيث تتداول طوال حياتها في هذه الأسواق المالية ولا تخرج منها. ولذلك فإنه على حين أن تبادل السلع هو جزء من «نظرية الإنتاج» فإن التعامل مع «الأصول المالية» هو جزء من «نظرية الثروة».

والسؤال: إذا كانت أسواق السلع هي التي تتعامل مع ما يشبع حاجات الناس من السلع الاستهلاكية أو الرأسمالية، فما حاجتنا إلى «الأسواق المالية»؟ ولماذا القطاع المالي؟ وما هي وظيفة هذا القطاع بالضبط؟

وظائف القطاع المالي

الحقيقة أن وجود القطاع المالي وتطوره أمر لازم لنجاح وتقدم أسواق السلع، وبالتالي القطاع الإنتاجي، كيف؟ لمعرفة ذلك علينا أن نتناول وظيفة هذا القطاع.

لعل الوظيفة الأولى والبدائية للقطاع المالي هي تسهيل المبادلات وتنشيط الأسواق. ولسنا في حاجة إلى التذكير بمقولة آدم سميث بأن أساس تقدم الأمم هو «التخصص وتقسيم العمل». ولكن «التخصص وتقسيم العمل» يفترض قيام المبادلات بين أفراد يتخصَّصون في إنتاج سلع مختلفة ومتنوعة؛ وبالتالي لا بد أن تظهر الحاجة إلى المبادلات. ومن الواضح أن المقايضة ليست الوسيلة المثلى للمبادلات، ولذلك كان لا بد للبشرية أن تكتشف مع الوقت ظهور مفهوم النقود. والنقود — كما أسلفنا — ليست مجرد سلعة، وإنما هي وسيط للتبادل ومقياس للقيم. وجاء ظهور النقود ميسرًا لتوسع المبادلات وقيام الأسواق. وهكذا، كان ظهور النقود هو أول مظهر للأصول المالية. وكانت النقود في بدايتها تختار من سلع تتمتع بنوع من القبول بشكل أو آخر مثل القواقع أو الماشية أو الذهب. وأخيرًا، وصلت البشرية إلى النقود الورقية التي تصدرها السلطات النقدية (عادة البنك المركزي). وبعد ذلك توسَّع الأمر حيث أصبحت تصدر النقود من مؤسسات مصرفية أخرى من البنوك التجارية التي تجمع ودائع ومدخرات الأفراد مع ظهور ما يعرف «بنقود الودائع». وهكذا أصبحت السلطات النقدية والقطاع المصرفي أحد أهم عناصر القطاع المالي، وأصبح الإصدار النقدي أحد أهم عناصر الاستقرار النقدي والمالي.

وتأتي الوظيفة الثانية للقطاع المالي بالقيام بالوساطة بين جمهور المدَّخِرين وجمهور المستثمِرين. ونبدأ بالإشارة إلى أن مجرد ظهور النقود قد ساعد على زيادة قدرة الأفراد على الادِّخار؛ نظرًا لصعوبة الادخار السلعي في ظل اقتصاد طبيعي غير نقدي. ولكن إمكانيات الادِّخار تضاعفت مع ظهور أدوات جديدة توفر للمدَّخِر عوائد مثل الأسهم والسندات وغيرها من الأدوات المالية. وبذلك لم يسهِّل وجود القطاع المالي زيادة المدخرات فقط، بل إنه ساعد على تجميعها لمصلحة المستثمرين. وهكذا، تبلورت الوظيفة الرئيسية لهذا القطاع في الوساطة بين المدخرين والمستثمرين. ولا يقتصر الأمر هنا على مجرد الوساطة بين الفريقين، بل تتم هذه الوساطة مع تقليل مخاطر عدم الدفع نتيجة للتعامل مع أعداد كبيرة، فضلًا عن قدرة النظام المالي على زيادة أجل الوساطة ومدد القروض. وبذلك فإن دور القطاع المالي في الوساطة قد ساعد على زيادة حجم المدخرات وتقليل المخاطر التي تتعرض لها.

ويرتبط بما تقدم ظهور مؤسسات متخصِّصة في التأمين على مخاطر المستقبل؛ نتيجة لتوزيع هذه المخاطر على عدد كبير من المتعاملين على نحو ما تقوم به شركات التأمين.

وأخيرًا، ظهرت وظيفة جديدة ومهمة للقطاع المالي، وهي تسهيل المدفوعات عن طريق المقاصَّة والتسوية بين المؤسسات المالية. ففي العصر الحديث لم تعد المدفوعات تتم نقدًا، بالتسليم النقدي بين المتعاقدين، بل إنها أصحبت تتم غالبًا عن طريق الشيكات المصرفية أو بطاقات الائتمان أو التحويلات المصرفية برقيًّا أو إلكترونيًّا أو حتى عبر شبكات الإنترنت. وجاء التعامل في الأسواق المالية مما أدى إلى تدفقات كبيرة للأموال. وهكذا تتجمع أحجام هائلة لهذه المدفوعات المتقابلة والتي تتقاطع وتنتهي عادة لدى المصارف، حيث تسوى لديها المراكز النهائية للمتعاملين. وهي عملية معقَّدة ومتداخلة وتتطلب السرعة والدقة. ومن الواضح أن أي خلل في هذه العملية يمكن أن يسبب ارتباكًا شديدًا في المعاملات أو حتى خسائر فادحة.

القطاع المالي يوفر سلعة عامة للمجتمع

من الواضح أن الوظائف المتقدمة للقطاع المالي تتعلق بمصلحة الاقتصاد القومي في مجموعه، ولا تقتصر على أطراف هذه المعاملات المالية. فسواءٌ تحدَّثنا عن تسهيل المبادلات، وبالتالي توسيع الأسواق، أو عن زيادة إمكانيات الادِّخار القومي أو تشجيع الاستثمار، أو التقليل من المخاطر التي يتعرَّض لها المتعاملون في الاقتصاد، أو تسوية المدفوعات بين الأفراد داخل الاقتصاد القومي أو في علاقاته مع الدول الأجنبية، كل هذه الأمور هي أقرب إلى تحقيق «المصلحة العامة» منها إلى مجرد حماية مصالح المتعاملين فيها مباشرة. ولذلك يمكن القول بأن القطاع المالي لا يتعامل فقط مع «المصالح الخاصة» للمتعاملين مباشرة فيه، بل إنه يتناول أحد أهم مقومات النشاط الاقتصادي. فالقطاع المالي لا يحقق فقط «المصالح الخاصة» للأفراد المشتركين مباشرة في هذه العمليات، ولكنه يحمي في نفس الوقت «المصلحة العامة» بضمان استقرار الاقتصاد وتقدمه. فما يوفره القطاع المالي للاقتصاد القومي هو أشبه «بالسلعة العامة» على نحوٍ لا يختلف كثيرًا عن توفير «السلع العامة» الأخرى في الأمن والدفاع والعدالة. ولكل ذلك فإن الدولة لا تملك أن تترك هذا القطاع الاستراتيجي دون رقابة وإشراف حازمَيْن بالنظر إلى الدور الخطير الذي يقوم به.

حماية المتعاملين حسني النية

وحين تتدخل الدولة بالرقابة والإشراف على القطاع المالي؛ فإنها لا تفعل ذلك فقط نتيجة ما يقدمه هذا القطاع من «سلع عامة» للاقتصاد القومي في مجموعه، ولكن هذا القطاع في ممارسته لنشاطه ينطوي على مخاطر أخرى على المتعاملين حسني النية؛ ولذلك فإن مسئولية الدولة تمتدُّ إلى ضرورة حماية هؤلاء المتعاملين حسني النية في هذه الأسواق من المخاطر التي يتعرَّضون لها نتيجة أفعال المسئولين عن إدارة القطاع المالي؛ فقد أثبتت التجارب — وخاصة خلال الأزمة المالية العالمية الأخيرة — أن نشاط القطاع المالي بطبيعته يتضمن مخاطر تلحق الآخرين حسني النية نتيجة انحرافات أو أخطاء أو جشع القائمين على إدارة هذا القطاع؛ ولذلك فإن على الدولة أن تتدخَّل لحمايتهم نتيجة انحرافات أو تهوُّر القائمين على إدارة القطاع المالي. ويظهر ذلك — بوجه خاص — في مجالين: الأول ما يعرف بالمخاطر النظامية Systemic Risks، والثاني هو ما يعرف بتوزيع المعلومات غير المتوازن Asymmetric Information. وفي الحالتين فإن المواطن حسن النية قد يجد أن أمواله تتبخَّر رغم عدم قيامه بأي عمل غير مسئول باستثناء أنه وثق في النظام المالي القائم، ومن حقه أن يتوقَّع أن تقوم الدولة بحمايته من مثل هذه المخاطر.

فأما عن «المخاطر النظامية» للقطاع المالي، فالمقصود بها هو أن ما يصيب إحدى المؤسسات المالية الكبرى من خسائر ما يلبث أن ينتقل ويعمَّ معظم المؤسسات المالية الأخرى. فإذا كان الاقتصاد المعاصر يتميَّز بالتداخل والارتباط الشديد بين مختلف الوحدات الاقتصادية المختلفة، فإن هذا التداخل والترابط يظهر بشكل متزايد في القطاع المالي. فمجرد انهيار مؤسسة مالية (مثل ليمان برزرس) Lehman Brothers أدى إلى انهيارات متتالية للعديد من المؤسسات المالية والأفراد حسني النية. فما يصيب مؤسسة مالية من خسائر نتيجة لسوء إدارة أو سوء حظ، ما يلبث أن يؤثِّر في العديد من المؤسسات المالية الأخرى دون أي خطأ من جانبهم؛ لمجرد التداخل الشديد في علاقات المؤسَّسَات المالية ببعضها. ومن هنا فإن على الدولة أن تتدخَّل لحماية هذه المؤسسات والأفراد الأبرياء الذين يتعرَّضون لمخاطر لا شأن لهم بها لمجرد إفلاس أو تعثُّر إحدى المؤسسات المالية المهمة. فالمخاطر التي تلحق مثل هذه المؤسسات هي «مخاطر نظامية» لا تقتصر على المؤسسة المعنية، بل تهدد النظام المالي في مجموعه. وهذا يفرض — بالضرورة — مسئولية على الدولة.

كذلك فإنه نتيجة لما لحق بالأسواق المالية من تطور وتعقيد أصبح من الصعب — إن لم يكن من المستحيل — أن يعرف المواطن العادي تفاصيل وخصائص الأصول المالية المتداولة، وحجم العلاقات المتداخلة بين مختلف المؤسسات المالية وأشكال المخاطر التي يمكن أن يتعرض لها؛ لذلك يلجأ معظم المستثمرين من الأفراد وأيضًا من المشروعات الإنتاجية إلى المؤسَّسات المالية المتخصصة لإدارة أموالهم واستثمارها؛ نظرًا لما يتمتَّعون به من خبرة ومعلومات. فالعلاقة بينهما شبه العلاقة بين «الوكيل والأصيل».

والمقصود بعدم توازن توزيع المعلومات هو أن القائمين على إدارة هذه المؤسسات المالية من المديرين التنفيذيين أو السماسرة أو مديري الصناديق الرأسمالية يديرون في الغالب أموال الغير من المُودِعين أو المستثمرين. وهم بذلك يعملون باعتبارهم «وكلاء» عنهم، وإن كانوا يعملون في الحقيقة لمصالحهم المباشرة. فقد كان المفروض أن يعمل هؤلاء لصالح عملائهم، ولكن التجربة أوضحت أنهم يعملون غالبًا لمصالحهم الذاتية وعلى حساب العملاء. ومن هنا شاهدنا خلال الأزمة المالية العالمية أنه في الوقت الذي تعرَّضت مصالح الغالبية من المستثمرين للخسائر، فإن كبار المديرين والعاملين في المؤسسات المالية حصلوا على أكبر الدخول في نفس الوقت الذي ضاعت فيه ثروات المستثمرين من الأفراد والشركات. وربما يكفي أن نتذكَّر أن الرئيس التنفيذي لشركة ليمان برزرس، والتي أطلقت شرارة الأزمة المالية، كان قد حصل شخصيًّا على مرتبات ومكافآت وحوافز في سنة الأزمة قدرها ١٢٢ مليون دولار، كما حصل في الخمس سنوات السابقة على ٣٧٥ مليون دولار. كذلك بلغت أرباح البنوك في إنجلترا وأمريكا في عام ٢٠٠٧ ما يمثل ٤٠٪ من مجموع أرباح الشركات، وهذا بعد خصم مكافآت الإدارة فيها، والتي تمثل ٦٠٪ من إيرادات هذه البنوك. ففي سنوات الأزمة — والتي تعرضت فيها ثروات الأفراد والمؤسسات للضياع والخسائر — حقَّقَ المديرون والمسئولون عن الإدارة أعلى الدخول. فكأن هذه المؤسسات المالية لا تعمل من أجل الاقتصاد القومي أو لحساب أصحاب الأموال من المستثمرين، وإنما تعمل لحساب المسئولين عن الإدارة بها.

الرقابة والإشراف على القطاع المالي

لكل ما تقدم، فإن تدخل الدولة بشكل حاسم للمراقبة والإشراف على القطاع المالي ليس خروجًا على اقتصاد السوق، بل إنه حماية لهذا النظام، وذلك بالتأكيد على سلامة قيام هذا القطاع بدوره المطلوب، فضلًا عن أهمية تحقيق الاستقرار الاقتصادي والمالي، وحماية مصالح الأفراد حسني النية من المستثمرين ضد المخاطر الناجمة عن جشع القائمين على إدارة هذه المؤسسات، وبذلك فإننا عندما نتحدث عن خطورة القطاع المالي، فإننا نقصد بذلك أمرين: أنه قطاع خطير، وخطر في نفس الوقت. فهذا القطاع يقوم بدور خطير ومهم ولا غنى عنه في الاقتصاد القومي من ناحية، ولكن نشاط هذا القطاع لا يخلو من مخاطر على القطاعات الأخرى وعلى مصالح المتعاملين حسني النية من ناحية أخرى. ومن أجل هذين الأمرين فإن قيام الدولة بالرقابة والإشراف على القطاع المالي أمر ضروري. فالقطاع المالي أخطر من أن يترك بلا رقابة أو إشراف. والله أعلم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    Souma Soum ·٢٦ نوفمبر ٢٠١٤، ١١:١٧ ص

    ما هي مكونات القطاع المالي ؟؟؟