خالطت الناس في رحلتي الأخيرة إلى العراق أكثر مما فعلت في المرتين السابقتين، فزادني ذلك معرفة بأحواله، واطلاعًا على شئونه، وفهمًا لروحه، ولست أزعم أني أصبحت خبيرًا بأموره، ولا أنا أطمع أن أُرشَّح يومًا ما، لمهمة من مهمات الأخصائيين فيه، وكل ما أعنيه هو أن مسافة الزمن التي قضيتها هناك كانت أطول، فاطِّلاعي كان بفضل ذلك أوسع.

ولي كما يعرف القراء — أو كما لا يعرفون — عناية خاصة بدرس اللهجات العامة، والاهتداء إلى ما يتسنى الاهتداء إليه من أصولها العربية الفصيحة؛ لأني أؤثر أن أستعمل اللفظ المأنوس الدائر على الألسنة، دون الدارس والحوشي المهجور، وأبادر فأطمئن القراء فأقول إني لا أنوي في هذا الفصل أن أصدع لهم رءوسهم ببحث في عامية العراق، فلست — على كثرة عيوبي — قليل الذوق، أو لعل الأصح أن أقول إني حريص على الاقتصاد في حسن الظن بالقراء.

وسأكتفي في هذا الفصل بما هو أشبه بأن يكون للتسلية، وأجري في مجراها، ويحسن قبل أن أدخل في الموضوع أن أنبه إلى وجوب التفريق بين الخاصة والعامة، وبين المتعلمين وأشباههم أو الأميين، فإن المتعلمين على العموم يستعملون في كلامهم لغة لا تفاوت بينها وبين لغة المتعلمين عندنا على الجملة، ولولا النبرة الخاصة، ما أحس السامع فرقًا، أو شعر أنه انتقل من القاهرة إلى بغداد، أو تنبه إلى أنه مصري وجليسه عراقي.

على أنه حتى المتعلمين تجري ألسنتهم حين يرسلون النفس على السجية بألفاظ من العامية العراقية، يغمض معناها على الغريب في بداية الأمر، مثل «أكو» بمعنى يوجد، و«ماكو» بمعنى لا يوجد، وهما بديلان من قولنا في مصر «فيه» و«مافيش»، وقد أعياني أن أهتدي إلى أصل اللفظين، على كثرة ما سألت واستفسرت، ويقول بعضهم ظنًّا لا تحقيقًا، إنهما من فعل «كان»، وليس يسعني أن آخذ بهذا الرأي، وإن كنت لا أستبعده.

وكلمة «فرد» مما تسمعه مائة مرة في خمس دقائق، وهي عربية صحيحة، وإن كان الظن الشائع أنها غير ذلك، وأذكر أن ابن الأثير استعملها في كتابه «المثل السائر»، فتسمعهم يقولون: فرد رأي، وفرد كتاب، وفرد حفلة، وفرد اقتراح، وفرد خطبة، وفرد كل شيء كائنًا ما كان، ومعنويًّا كان أو ماديًّا.

ومن الألفاظ الشائعة «زين» وهي عربية كما هو ظاهر، ويستعملونها في جواب السؤال، أو بمعنى «حاضر» في عاميتنا، فتقول «زين» في جواب السؤال عن صحتك مثلًا، أو عن حالك، ويقول لك الخادم «زين» إذا طلبت منه شيئًا، أو كلَّفته أمرًا، وتقول «زين» أيضًا إذا أردتَ أن تُعرِب عن الموافقة أو الارتياح أو الثناء — بإيجاز.

وعلى ذكر الصحة أقول إنهم يسألون عن «اللون» فيقولون «إيش لونك؟» أو «كيف لونك؟» يعنون الصحة، أو ما هو أعم أيْ جملة الحال.

ومن الكلمات الكثيرة الاستعمال «خوش» بمعنى حَسَن أو جيد، وأصلها على ما قيل لي إذا كانت الذاكرة لم تخني، من التركية، فتقول: خوش حفلة، أو خوش رجل، أو خطبة، أو أي شيء آخر، ويجب في كل حال تقديمها على الموصوف، خلافًا للمألوف.

ويستعملون لفظ «التخت» للسرير، وهو شائع في البلاد العربية، كما يستعملون «الفرشة» بالمعنى عينه، وقد يستعملون «الجبة» أي القبة — يقلب القاف جيمًا — ويعنون بها البيت.

ولهم ألفاظ غريبة مأخوذة من لغات أخرى مثل «القُندرة» بضم القاف أيْ الحذاء، ينطقونها في غير العراق بالكاف المصرية، وأقول المصرية لأن رسم الكاف ينطق في العراق كالجيم المصرية المعطشة، ومن هنا تراهم يرسمون «الجراج» (الكراج)، و«يوجوسلافيا» (يوكوسلافيا)، وأظن أن هذا من التركية.

و«الخاتون» ويعنون بها السيدة، واللفظ يستعمل للتوقير، أو للتهكم والسخرية بحسب المقام وما يفهم من مقتضى الحال.

ومن الألفاظ التي تستعصي على الغريب «البوق» بمعنى السرقة، و«البواق» بمعنى الحرامي أيْ اللص، و«يباوع» بمعنى ينظر، ويزعمون أن العين أصلها همزة، وأن البؤبؤ معناه ناظر العين، وتقول عامتهم «بيبي عيوني» أيْ ناظر عيني أو حبتها.

ومن غريب عامتهم كذلك «الخاشوجة» بمعنى «الملعقة» التي يؤكل بها، و«سكاملي» الكرسي، و«هوايه» أيْ كثير، فتقول أحبك هوايه أيْ كثيرًا، ويُخيَّل إليَّ أني لم أسمع هذا اللفظ إلا في رحلتي الأخيرة، على أني قد أكون مخطئًا.

وقد استعاروا ألفاظًا من الإنجليزية، فسموا الخادم والنادل «بوي»، ولا أذكر أني استطعت قطُّ أن أنادي خادمًا بهذا اللفظ، واتخذوا كلمة «جلاس» للكوب، فتسمعهم يقولون «جلاس ماي» أي كوب ماء، وكلمة «جروب» بمعنى فرقة، فيقول القائل منهم «جروب مال الحقوق» أيْ فرقة تابعة لكلية الحقوق، و«مال» لفظ يستعملونه بمعنى التبعية، أو للإشارة إلى المصدر، فيقولون مثلًا «مال الشام» أيْ من واردات الشام، أو مصنوعاتها أو منتجاتها، وهو استعمال ليس بالغريب على مصر، وإن كان قد ندر جدًّا.

وهم يحركون الساكن وخاصة إذا كان اللفظ ثلاثيًّا، فيقولون «النهر» بفتح الهاء، ويرون التحريك أخف من التسكين، ولا عجب فإن حركتهم دائمة وسكونهم قليل، وهذه مزية لهم وعيب فيهم في آنٍ معًا، فليت حركتهم أقل وسكونهم أكثر!

ومما يجعل فهم العامة العراقية على الغريب أصعب أنهم يقلبون الكاف شينًا، بل ثاءً وشينًا، فيقولون «لتشي» يريدون «لك» في خطاب المرأة، و«احبتش» أيْ «أحبك»، فإذا تكلموا بسرعة وكثرت الكافات في ألفاظهم، فالله في عون السامع! وما أكثر ما كنت أقول لهم حين يسك سمعي هذا اللفظ «ألا تتكلمون العربية؟» فيكفون عن هذا القلب والإبدال ترفقًا بي، وتمكينًا لي من الخوض معهم في الحديث.

على أنهم في العادة، أبطأ منا كلامًا، وأكثر أناة، وأقل ثرثرة، على أنك لا تعدم من يتدارك كلامه ويتقارب، ويتتابع في عجلة، فلا تكاد تفهم لسرعته ولكثرة ما يقلب من الحروف، ويستعمل من الألفاظ التي لم تألفها أُذُن الغريب.

ومن مزاياهم الملحوظة التي لا يسع المصري إلا أن يفطن إليها بسرعة أن الحلف في كلامهم نادر، على خلاف عامتنا، فقلما تسمع أحدًا يحلف بالله العظيم، أو النبي، أو أحد من الأولياء، على نحو ما يفعل المصريون أو العامة منهم.

ومن غريب استعمالاتهم أنهم يقولون عن المغني أو المغنية، أو المتحدث — في الإذاعة خاصة — أنه «يقرأ» أو أنها تقرأ، والمعنى مفهوم، ولكن الغرابة في إطلاق لفظ القراءة على الغناء.

ولكل أمة عاميتها، أو لهجاتها العامية، وفي مصر من العامية لهجات شتى، وقد حدثني قاضٍ أنه كان يحتاج في بعض الأقاليم إلى من يترجم له أقوال الشهود أو المتهمين من أهل ذلك الإقليم، لشدة التعويص في كلامهم، وفرط اختلاف النبر واللهجة، والعدل بمخارج الحروف عن وجهها المألوف، فلا غرابة إذا وجد المصري في العراق بعض الصعوبة في فهم العامية في أول الأمر.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.