ألقاه رئيس الوزراء إلى صحيفة من صحف باريس، ونشرت الأهرام خلاصته المفصلة أمس، فلما قرأناه أنكرناه وترددنا بين اثنتين؛ إحداهما: أن يكون مُحدِّث رئيس الوزراء لم يُحسِن الفهم عنه، ولم يُوفَّق في تصوير ما سمِع منه، والأخرى: أن يكون رئيس الوزراء نفسه متعبًا قد حال المرض بينه وبين المراقبة الصحيحة لما يقول.

وآثرنا على كل حالٍ أن ندع هذا الحديث يومًا أو بعض يوم؛ لعل رئيس الوزراء أن يقرأه فيصلح منه، أو لعل الوزراء أنفسهم هنا أن يقرءوه فيُصلحوه، ولم نشأ أن نشتطَّ على الرجل فنأخذه بأشياء لعله لم يقلها، أو لعله قالها وهو مريض.

ولكن صحيفة صدقي باشا مغضبة عاتبة؛ لأن صحف المعارضة لم تحفل بهذا الحديث، ولم تتناوله بالشرح والتعليق، أو قُلْ إن صحيفة صدقي باشا سعيدة بهذا الحديث، مغتبطة ببعض ما جاء فيه، ترى فيه بشيرًا بطول البقاء، وفألًا بحسن الصلة بين الوزارة القائمة وبين الإنجليز، وهي تسجل على صحف المعارضة صمتها عن هذا الحديث، وترى أن هذا الصمت دليل على أن صحف المعارضة قد وجمت لحديث صدقي باشا وأُفحِمت، فهي لا تدري ماذا تقول.

ومع أننا لم نحسن الظن قط بمهارة الذين يكتبون في تلك الصحيفة ونصحهم لرئيس الوزراء، فلم نكن نُقدِّر في يوم من الأيام أنهم ينتهون من السذاجة إلى هذا الحد، ويصلون من الضعف إلى منزلة الغريق الذي يتعلق بالثمام، ويلتمس عنده النجاة والحياة.

فليس في حديث صدقي باشا غناء، وليس فيه جديد، وإذا لم يكن بد من أن نجد في هذا الحديث شيئًا، فليس فيه إلا ما يدل دلالة واضحة على أن الرجل ما زال متعبًا مكدودًا، وعلى أن الخير كل الخير إنما هو في أن يسمع لنصيحة المورننج بوست فيريح نفسه حقًّا، ولا يجمع بين الراحة وبين النهوض بالأعمال العامة؛ لأن صحته لا تبيح له ذلك، ولا تتيح له القدرة عليه. وما رأيك في رجل يريد أن يتحدث عن الامتيازات فيَزعم لمُحدِّثه أن الامتيازات قد أصبحت بلا فائدة من الوجهتين المالية والقضائية.

بلا فائدة لمن؟ للمصريين؟! فمن الذي زعم أن المصريين استفادوا أو يمكن أن يستفيدوا من الامتيازات فائدة مالية أو قضائية؟ ومتى استفاد المقيد من القيد، وصاحب العبء الثقيل من عبئه الثقيل؟ ومتى استفاد المغلول من السلاسل والأغلال؟ للأجانب؟! فأي سخف أشد من إنكار هذا الذي ينكر أن الأجانب لا يستفيدون من الامتيازات فوائد مالية وقضائية؟ وهل يطلب المصريون إلغاء الامتيازات إلا لأنها تفيد الأجانب فتسرف في إفادتهم، وتضر المصريين فتسرف في ضررهم؟ ليس كلامًا إذن هذا الذي قاله رئيس الوزراء؛ لأن الامتيازات قد أصبحت لا تفيد من الوجهة المالية والقضائية، وإنما هو حديث مريض قد صدر عن متعب مكدود، فلا ينبغي أن نبحث فيه عن معنى صحيح ورأي مستقيم.

ولهذا أشفقنا على رئيس الوزراء ولم نشأ أن نقف عند حديثه هذا، وتمنينا لو فطنت الوزارة لما فيه من ضعف فأصدرت بلاغًا يُصلحه أو ينفيه، وما رأيك في رجل يرى نفسه ويراه الناس أعظم المصريين — أستغفر الله — بل أعظم الساسة حظًّا من الكفاية والبراعة في السياسة وأحاديثها، حتى إذا تحدث إلى صحفي من أهل باريس زعم له أن الأمة المصرية تريد أن تلغي الامتيازات، ولكنها تُفضِّل إلغاءها شيئًا فشيئًا، وقليلًا قليلًا، ومرحلة مرحلة، ومتى كان من السياسة والكياسة، ومن البراعة والمهارة أن يقال مثل هذا الكلام للصحف حتى ولو كان الحق الذي لا شك فيه.

وباسم من يتحث رئيس الوزراء بهذا الكلام؟ ومن الذي زعم لرئيس الوزراء أن الأمة تريد أن تلغي الامتيازات شيئًا فشيئًا، وقليلًا قليلًا؟ أم هو يزعم أنه الأمة، وأنه متى رأى رأيًا فهو رأي الأمة حتى وإن كان هذا الرأي مريضًا؟! وما رأيك في رجلٍ يتحدث إلى صحفي من أهل باريس فلا يتحرج من أن يقول له: إننا ننتظر أن تفرغ بريطانيا العظمى من مشاغلها لنحلَّ ما بينها وبيننا من المسائل المُعلَّقة؟

ثم يطلب إليها بعد ذلك أن تعيننا على إلغاء الامتيازات؟ أكلام رجل يشعر حقًّا بما ينبغي لوطنه من كرامة وعزة هذا الكلام؟ ننتظر أن تفرغ بريطانيا العظمى من مشاغلها، ولم لا تكون المسألة المصرية بين هذه المشاغل؟ ولم تقدم المشاغل الأخرى على المسألة المصرية؟ أمجاملة منا للإنجليز أم استكبارًا من الإنجليز علينا، وازدراء من الإنجليز لنا؟

فإن تكن الأولى فما أكرمنا بحقوق مصر وما أحرصنا على رضى الإنجليز! وإن تكن الثانية فما أصغرنا في أنفسنا، وما أيسر أمرنا على أنفسنا! ولكن الذي يتحدث هو رئيس الوزراء، ورئيس الوزراء — كما تعلم — متعب مكدود ليس من اليسير أن يتمكن في كل وقت من أن يزن ما يقول.

ولو أنه يستطيع حقًّا أن يزن ما يقول لاستحى أن يتحدث إلى صحفي من أهل باريس، فيزعم له أنا ننتظر أن يتم الاتفاق بيننا وبين الإنجليز لنطلب إليهم أن يعينونا على إلغاء الامتياز، ومَن يدري لعل التعب خيل إلى رئيس الوزراء أنه يخيف الفرنسيين بهذا النذير، ويملأ قلوبهم رعبًا حين ينبئهم بأننا سنتفق مع الإنجليز، ثم نستعينهم على إلغاء الامتيازات!

ولكن التعب أنسى رئيس الوزراء أن هذا الكلام لا ينبغي أن يقال حتى وإن كان حقًّا؛ لأنه لا يلائم للعزة ولا الكرامة، ولا المنفعة السياسية، ولأنه يلقي في روع الأجانب أنَّا لن نستطيع أن نلغي الامتيازات إلا أن يعيننا على ذلك الإنجليز، وأننا سنقدم اتفاقنا مع الإنجليز وسيلة، وإن شئت فقل رشوة؛ لنتمكن من إلغاء الامتيازات.

ولكن الذي يتحدث هو رئيس الوزراء، ورئيس الوزراء قد ذهب إلى فرسايل ليستريح، لا ليشتغل بالسياسة وأحاديثها، فهو أشد تعبًا من أن يُوفَّق إلى الصواب في هذه الأحاديث.

وما رأيك في رجل يتحدث إلى صحفي من أهل باريس فيزعم له أننا في مفاوضات مستمرة مع الإنجليز لحل المسائل المعلقة، وينسى — وما أشد ما يدفع المرض إلى النسيان! — أنه أنكر قبل أن يسافر من مصر أن تكون هناك مفاوضات بينه وبين الإنجليز، وهو إنما أنكر هذا لأن وزارة الخارجية البريطانية نفسها أنكرته إنكارًا قاطعًا، فاضطر رئيس الوزراء إلى أن ينكره أيضًا. وأكبر الظن أن الرجل لم يشر إلى مفاوضات مستمرة بينه هو وبين الإنجليز، وإنما أشار إلى مفاوضات مستمرة بين مصر وبين إنجلترا منذ كانت مفاوضات ملنر، فهو أراد اتصال الخلاف بين البلدين ومحاولة الاتفاق، فحال المرض بينه وبين حسن الإشارة ودقة التعبير.

ثم جاءت صحيفته فاستغلت هذا الضعف وزعمت أن وراء القبة شيخًا، كما يقول العامة، أو أن وراء الأكمة ما وراءها، كما كان يقول القدماء، ثم أخذت تهول وتغلو في التهويل، وتزعم أن عندها من العلم ومن أسرار المفاوضات ما لا تستطيع أن تبيحه أو تجهر به؛ لأن ظروف السياسة لا تسمح بذلك. العفو! بل نقسم أن لو كان عند رئيس الوزراء وأنصاره وصحيفته أيسر العلم بأمر المفاوضات لما سكتوا عن إذاعته وإشاعته واستغلاله، والغلو في استغلاله. كلا، ليس عند القوم شيء إلا أماني كذبٌ تسعة أعشارها، وعشرها مُعلَّق بيد القضاء.

وأظرف ما في هذا الحديث الطريف عطف رئيس الوزراء على فرنسا، واغتباطه لها بأنها لم تملك مصر! أعترف بأني أحاول أن أجد معنًى لهذا الكلام فلا أوفق إلى شيء، ومن يدري لعل عند صحيفة صدقي باشا ما يفسر هذا الكلام الذي لا أشك في أن الفرنسيين قد قرءوه فضحكوا منه، وهزوا له الرءوس والأكتاف.

ثم تحدث رئيس الوزراء عن الدين فلم يقل جديدًا، ولم يصنع شيئًا، ولم يظهر قوة ولا حزمًا، وإنما أظهر ضعفًا وخوفًا واستعطافًا، وعقد أمله في صراحة بالإنجليز ومعونة الإنجليز؛ لأنهم يرون رأي مصر، ويؤيدون مصر في أن تدفع ورقًا لا ذهبًا.

هذا هو الحديث الذي ألقاه رئيس الوزراء إلى الصحيفة الباريسية فأنكرناه، وأشفقنا على صاحبه من أن نتناوله بالشرح والتعليق. هذا هو الحديث الذي تزعم صحيفة صدقي باشا أن صحف المعارضة قد فرَّت من شرحه وتفسيره؛ لأن فيه ذكرًا للمفاوضات، ودليلًا على طول البقاء. أجادَّةٌ صحيفة الوزارة في هذا السخف أم هي تريد أن تصرف الصحف عن حديث المبشرين، وعما تورط فيه وزير الداخلية من ضعف لا حظ له من قوة، ومن أنباء لا تُصوِّر الحق، ومن وعود لا يرجى لها الوفاء؟

زعموا أن الكلام إن كان من فضة فقد يكون الصمت ذهبًا، وزعموا أن العدو العاقل خير من الصديق الجاهل، ولكن هذه الحكم الشعبية السائرة الخالدة أمرها غريب؛ يصدقها الناس جميعًا، ويؤمن بها الناس جميعًا، ويخالفها الناس جميعًا.

فأما رئيس الوزراء فمعذور إن نسيها أو خالف عن أمرها؛ لأنه متعب مكدود، وأما صحيفة رئيس الوزراء فمعذورة إن نسيتها أو خالفت عن أمرها؛ لأنها غريقة تلتمس النجاة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.