يمتص بَقُّ الفِراش دماءنا منذ آلاف السنين، وبعد تراجع وجيز في أعداده عقب الحرب العالمية الثانية عاد بكميات أكثر من أي وقت مضى. إن حالات الغزو في تزايد، والفنادق في حالة من القلق، والناس يزداد شعورُهم بعدم الراحة، ويزداد معدَّلُ إصابتهم بالحكة الجلدية. إلا أن البَقَّ ليس وحده المسئول عن نجاح عمله؛ فلديه شريك.

بَقٌّ صغير السن.
بَقٌّ صغير السن.

يعد دم الثدييات وجبةً غير عادية؛ فهو مليء بالبروتينات والدهون، لكنه يخلو من بعض العناصر الغذائية المهمة مثل فيتامين ب بأنواعه. إذا كنت ستعيش على امتصاص الدماء، فأنت بحاجة إلى استكمال نظامك الغذائي بشكل من الأشكال. يستكمل البَقُّ نظامه الغذائي بالبكتيريا. وهذا الأمر كان موضع تساؤل من جانب العلماء منذ عشرينيات القرن العشرين عندما اكتشفوا أن البَقَّ لديه زوج من الأعضاء يسمى «باكتيريوم» مليئان بالبكتيريا. غير أن تحديد نوع البكتيريا التي تعيش في هذين العضوين لم يتحقق في نهاية المطاف إلا في عام ٢٠١٠ على يد تاكيما فوكاتسو من المعهد الوطني للعلوم الصناعية والتكنولوجية المتقدمة باليابان.

تسمى هذه البكتيريا «ولباكيا»، وقد عثر فوكاتسو عليها في «باكتيريومات» كل بقَّة فراشٍ فحصها، وأوضح أن الإناث تنقلها إلى صغارها وهم أجنَّة. تمد ولباكيا الحشرة بأنواع فيتامين ب التي تفتقدها في نظامها الغذائي؛ لذا إذا قتلنا هذه البكتيريا فإن البقَّة تنمو ببطء ولا تستطيع التكاثر.

يقال: إن ولباكيا هي من أنجح أنواع البكتيريا على وجه الأرض؛ فهي تستعمر نوعين من كل ثلاثة أنواع من الحشرات. ولا عجب إذن أن نعثر عليها داخل بَقِّ الفِراش، لكن دورها كمكمل غذائي حي هو الأمر الغريب. يصنِّف علماء الأحياء عادةً ولباكيا بوصفها نوعًا من الطفيليات. وبما أنها تنتقل عادةً من الأم إلى صغارها، فإنها لا تحتاج إلى ذكور، وقد طوَّرتِ العديدَ من الاستراتيجيات للتخلص منهم، من بينها قتلهم مباشرةً أو تحويلهم إلى إناث.

لكنها في حالة البَقِّ لا تفعل أيًّا من هذا. فبدلًا من ذلك، يصبح هذا «المتحكِّم البارع» الأناني حليفًا مهمًّا. فهو يصبح جزءًا من الجسم أكثر من كونه يتحكم في الكائن. فكيف تطورت إذن على هذا النحو؟ مرةً أخرى، قدَّم فريق فوكاتسو الإجابة: لقد اقترضت مجموعة من الجينات من بكتيريا أخرى.

بقَّة فِراش بالغة.
بقَّة فِراش بالغة.

عمل الفريق، الذي يضم أيضًا نارو نيكوه وتاكاهيرو هوسوكاوا ومينورو مورياما، على رسم خريطة جينومات لبكتيريا ولباكيا مأخوذة من العديد من بَقِّ الفِراش في اليابان وأستراليا.

ووجدوا داخلها مجموعة غير عادية من ستة جينات تسمح لهذه الجراثيم بصُنع فيتامين ب٧ (بيوتين) وب١ (ثيامين).

إن هذه الجينات أساسية؛ فإذا قضى الفريق على سلالات ولباكيا باستخدام المضادات الحيوية، فإن البَقَّ لا يستطيع النمو على نحو طبيعي أو التكاثر إلا إذا تغذى على دم مزوَّد بأنواع فيتامين ب. وعندما استخلص الفريق البيوتين تحديدًا من هذا المزيج التكميلي، عانت الحشرات مرةً أخرى. يعتمد بَقُّ الفِراش على البيوتين، وبالتالي على الجراثيم التي تصنعه.

إن مجموعة الجينات المصنِّعة للبيوتين هذه ليست سِمَة في بكتيريا ولباكيا بوجهٍ عام؛ فقد عثر عليها الفريق فقط في السلالات التي تصيب بقَّ الفِراش (وبَقُّ الخفافيش القريب الصلة). إلا أنها توجد أيضًا في كثير من أنواع البكتيريا الأخرى التي تصيب الحشرات. ويشير هذا بشدة إلى أن هذه الجينات الستة ليست من اختراع البكتيريا، ولكنها اقترضتها. فقد حصلت السلالات السالفة من بكتيريا ولباكيا التي تصيب بَقَّ الفِراش على هذه الجينات من نوع آخر من الجراثيم التي تصيب العائل نفسه. يقول فوكاتسو: «إن هذه الجينات تتحرك بِحرية عبر سلالات البكتيريا المتنوعة.»

إن هذا تطور سريع ومؤثر. فلقد انتقت ولباكيا الجينات المناسبة من نوع آخر، فاكتسب عائلها بَقُّ الفِراش فجأة القدرةَ على إكمال نظامه الغذائي. وساعد هذا الحدث في ضمان تكوين الشراكة بين الحشرة وهذه الجرثومة.

لا بد أن هذه الشراكة حديثة العهد. فجينومات البكتيريا التي تعيش داخل خلايا الحشرات — فيما يُعرف بالمعايشة الباطنية — تضمحِلُّ دائمًا بمرور الوقت، فتتخلى عن أي جينات كانت تحتاج إليها من قبلُ للحياة باستقلالية. إلا أن جينوم ولباكيا التي تعيش داخل بَقِّ الفِراش ما زال مكتملًا نسبيًّا؛ مما يعني أنها لم تكن تعيش باطنيًّا في الحشرة منذ وقت طويل.

ماذا سيحدث لها عند انتهاء هذه الألفية؟ يمكننا الاستدلال على ما سيحدث لها من خلال دراسة حشرات أخرى. تعاني حشرات المَنِّ من مشاكل مشابهة لبَقِّ الفِراش. فهي تمتص سائلًا — وهو عُصَارة النبات — يفتقر إلى عدد من المكونات الغذائية المهمة، وتعتمد على مُعايش باطني يُطلق عليه «بوشنرية» من أجل استكمال نظامها الغذائي. لقد تطوَّرا معًا منذ ظهور الديناصورات. وإذا رسمْتَ شجرة عائلة لسلالات البوشنرية، فستجد أنها تبدو مطابقة تقريبًا لشجرة عائلة حشرات المَنِّ. وبينما يضرُّ قتل الولباكيا بَقَّ الفِراش، يتسبب قتل البوشنرية في قتل حشرة المَنِّ العائِلة لها أيضًا.

تفتقر عصارة النبات لعناصر غذائية أكثر من العناصر الغذائية التي يفتقر إليها الدم؛ لذا فإن الكائنات المُعايشة للكائنات الماصة للعُصَارة لا غنَى عنها على نحو يفوق تلك الموجودة لدى الكائنات التي تتغذى على الدم. ومع هذا، ثمة اعتقاد بأن الولباكيا التي تعيش داخل بَقِّ الفِراش يمكن أن تسلك نفس درب التطور الذي سارت عليه البوشنرية لدى حشرة المَنِّ.

إذن، فإن بَقَّ الفِراش يمثل مفهومًا دائم التغير. فمن المنظور التطوري يكون البقُّ حشرةً في لحظة ثم يصبح في اللحظة التالية حشرة لديها شريك بكتيري. وربما — في المستقبل — يصبح الاثنان مترابطينِ بحيث يصعب فصلهما حتى إننا لن نتحدث عن أيٍّ منهما على أنه جزء من كل، بل كوحدة متكاملة. وفي النهاية، تحمل حشرة واحدة على الأقل جينوم ولباكيا كاملًا داخل جينومها.

How a Microbe Became a Living Supplement for a Tiny Vampire by Ed Yong. Not Exactly Rocket Science. July 1, 2014.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.