المرأة العراقية نساء شتى، كأختها المصرية، فهناك الريفية التي تعمل ولا تحتجب، والبدوية التي تجري على عُرْف القبائل — أو العشائر — وتقاليدها، والتي تعيش — ولا أقول تحيا — في المدن وكأنها في صندوق مغلَق، ولا يراها من الرجال سوى أبيها أو بعلها أو أخيها، ولا تبدي وجهها أو زينتها حتى لزوج أختها، أو أبناء عمومتها أو خئولتها، فإذا خرجت إلى الطريق رأيت شيئًا ملفَّفًا كأنه في غِرارة، حتى لتعجب لها كيف تستطيع أن تبصر موضع قدمها، أو تتقي الاصطدام بغيرها — بالناس أو بالأشياء — وهناك التي أصابت حظًّا من التعليم ولكنها ما زالت على الحجاب، تؤثره لنفسها لأنها شبت عليه، أو يفرضه عليها الرجال لأنهم لم يستطيعوا أن يرضوا أنفسهم على ما يقتضيه السفور، أو التطور مع الزمن، وهناك أخيرًا الفتاة الحديثة التي تتلقى مبادئ العلوم في مدارس للبنات، وتتلقى التعليم العالي مع البنين.

فإذا قلنا «المرأة العراقية» فالقارئ خليق أن يحتار فلا يدري أي هؤلاء نعني، فإنهن كما ترى كُثُر، متفاوتات، ولكنا نعتقد أننا نظلم المرأة العراقية إذا عنينا غير الفتاة الحديثة؛ لأن هذه هي التي عليها المعول، وفيها الأمل، وأمامها — أو في يدها — المستقبل، أما الأخريات فينقرضن على الأيام، ويمضي عليهن الزمن فيمضي بهن، وعهدهن ذاهب لا محالة، ولن يبقى إلا الفتاة الحديثة على درجات من التهذيب والتثقيف متفاوتة بحسب طبقات المجتمع.

والفتاة الحديثة تخرج سافرة، ولكن البعض يسدلن فوق الثياب ما يسمى «العبا» أو العباءة أو الملاءة، وهي لفقان من حرير أسود رقيق، تشبك بالشعر، ولا تستر الوجه ولا الصدر، ولا فائدة لها، وإنما هي أثر متخلف من أيام الحجاب، وبقاؤها على هذه الصورة خطوة إلى السفور التام، ستتلوها بلا شك خطوة أخرى فتطرح؛ لأنها تزيُّد لا خير فيه وكلفة لا داعي لها، وأكثر الطالبات يذهبن إلى معاهد التعليم وعليهن هذه «العبا» ويخلعنها أثناء الدروس، ويلبسنها حين ينصرفن، على أني رأيت كثيرات من طالبات المدارس العليا يستغنين عن العباءة في الطريق ولا يتخذنها.

وحدثني مدير التعليم بلواء البصرة، بعد أن زرت معه مدرسة متوسطة للبنات، أنهن طرحن العباءة إكرامًا لي واحتفاء بي، وأنهن يلبسنها حتى في الفصول إذا دخل عليهن زائر أو مفتش جديد لم يألفنه.

وسألت مفتشة بوزارة المعارف رأيتها تصر على العباءة ولا تنزعها أبدًا، عن علة تمسكها بها، فقالت إنها عادة، وإنها تشعر بضيق منها، وإنها تراها فضلًا عن ذلك زينة جميلة! ولا شك أنها تُكسِب الوجه الجميل وضاءة، ولكني مع ذلك استسخفتها، ولم أكتم رأيي فيها.

ويغلب أن تلزم الفتاة العراقية الحديثة بيتها بعد الغروب، ولها العذر، فما ثَمَّ ما يغري بالتلكؤ خارج البيت بعد ذلك، إلا لشهود السينما، وقد أضحكتني حيرة صديق لي في الأيام الأولى من زيارتي لبغداد، أراد فوق الإكرام أن يعينني على معرفة المرأة العراقية الجديدة، ففكَّر أولًا في إقامة مأدبة عشاء، يدعو إليها مع الرجال سربًا من النساء، وكان لا بد أن تكون المأدبة في فندق ليتسع للمدعوين، ولكن العشاء لا يكون قبل منتصف الثامنة، فلا يكون الفراغ منها إلا في الساعة التاسعة أو نحوها، ومن العسير أن تبقى الفتاة العراقية إلى مثل هذه الساعة المتأخرة. إذن ماذا يصنع؟ قلت اجعلها حفلة شاي، وكانت لي عليه — كما له عليَّ — دالة، فاعترضتنا صعوبة أخرى مماثلة لتلك، هي أن الشاي يبدأ في الساعة الخامسة، وأخلق به أن يمتد مع الحديث والخطب إلى قريب من السابعة، وهذه أيضًا ساعة متأخرة، والتوقيت العراقي يسبق التوقيت المصري بساعة كما يعرف القراء — أو لا يعرفون — فلم يسعني إلا أن أرجو منه أن يعدل عن الأمر كله، فأبى، ولكنه أراد شيئًا وأراد الله خلافه، فمرضت، ولم تبقَ له حيلة إلا الصبر، وما زال صابرًا.

والفتاة العراقية — كأهل العراق جميعًا — تحب الشعر وتطرب له، وتنظمه أيضًا، ولم أرَ أكثر من شعراء العراق، رجالًا ونساء، وعسى أن يكون مما ساعد على كثرة الشاعرات أنهن أخلى من المشاغل، وأبعد من اللهو، ولكن كثرتهن مع ذلك عجيبة، وما أكثر من سألتني منهن لماذا طلَّقت الشعر؟ كأنما كنت طلَّقت امرأة! فكنت أقول لهن إني إنما كففت وتبت إلى الله، ولم أطلِّق، وإني استثقل لفظ الطلاق ولا استمرئه، فلا يقنعن بهذه السفسطة، ويأبين إلا الإلحاح في بيان السبب، وأي سبب هناك غير الإخفاق والعجز.

ولقيت سيدة اشتركت في المؤتمر النسوي بالقاهرة، وأحست أني غير راضٍ عن مطالبة المؤتمر بحذف نون النسوة، فقالت: إن التي اقترحت ذلك مصرية. قلت: ولكن العراقيات وافقن، فهن شريكات لها في التبعة.

والعراقية — كالعراقي — تأخذ الأمور جادة، وهي مرهفة الإحساس، وشعورها دقيق بمركزها المتخلف في المجتمع العراقي، وثورتها على ذلك حادة، ولكن بلسانها، ولغطها بالمساواة لا يكاد ينقطع، وقد قلت لإحداهن في اجتماع خاص ببيت صديق: «ما هذه المساواة التي تطلبين وأنت لم تُخلَقي خلقة الرجل؟ ثم إنك مخطئة حين تظنين أن اختلاف الوظيفتين معناه أن الرجل اسمى مقامًا من المرأة، أو أن المرأة أحط منزلة، كل ما في الأمر أن لكل منهما اختصاصه، ووظيفته الموكولة إليه في الحياة، وليس هناك — ولا ينبغي أن يكون هناك — مفاضلة، وإذا كانت الحرية مطلبك فاقدري عليها تفوزي بها، ولكن لا تنتظري أن ينزل لك الرجل عن شيء مختارًا، كما لا يجوز أن ينتظر الرجل أن تنزل له المرأة عن شيء ولها الخيار، وكل من بيده شيء يحرص عليه، فحرري أنت نفسك بالعلم وإفادة القوة المستمدة منه، وباستحقاق الاحترام في نظر الرجل، وحسبك من الرجل أنه يعلمك ويثقفك ويضع رجلك على السلم، وعليك أنت أن تصعدي وترتقي فيه، ولا شك أن الرجل لا يفعل ذلك لوجه الله فإنه أناني، والحياة مع امرأة مهذبة مثقفة أطيب منها مع الجاهلة الغبية، ولكن أنانية الرجل هي فرصة المرأة، فَلْتغتنمها على أحسن وجه وإلى أبعد مدى، أما اللغط بالمساواة فهراء لأنه شيء أبته الطبيعة.»

ولا تزال الحياة الاجتماعية في العراق في بداية المرحلة الأولى، أيْ أنها موجودة كمعدومة، فالرجال يذهبون إلى الأندية أو المقاهي أو الفنادق، ويقضون السهرة هناك، والمرأة تقعد في البيت مع قريباتها أو صواحبها إذا شاءت، وبعض الرجال يؤثرون الاجتماعات المنزلية، وهؤلاء هم القلة لا الكثرة، فالحال شبيهة بما في مصر، وإن كانت الحياة الاجتماعية أوسع نطاقًا، ووسائل التسرية عن المرأة أوفر وأيسر.

ولا شك أن المرأة العراقية ماضية إلى السفور التام، ولست أعني بالسفور مجرد الخروج بوجه غير مستور فإن هذا حاصل، وإنما أعنى الحياة الاجتماعية التي لا تفرد فيها المرأة بمكان والرجل بمكان، ويكون كل منهما بمعزل عن الآخر، وهذا شلل يزول بانتشار التعليم، واعتياد الحياة المختلطة شيئًا فشيئًا.

ولا خوف من ثورة المرأة العراقية في الوقت الحاضر؛ لأنها في الحقيقة ليست إلا مظهر تململ من قيود واهية باقية، حتى الرجال يشعرون أن العادات العتيقة لم يبقَ لها مسوغ، وأن حياتهم ناقصة بغير المرأة، ومتى استقرت قواعد الحياة الجديدة، وألفت المرأة نفسها بعد أن تؤدي وظيفتها الموكولة إليها، تشارك الرجل فيما عدا ذلك من وجوه حياته، فأخلق بها أن تشعر بالرضا والاطمئنان، لأن كل ما يضايقها ويثقل عليها ويمضها هو الحرمان، فهي ستظل ساخطة متبرمة ما بقيت بمعزل عن حياة الرجل، ولكنها ستقر وتسكن متى رفعت الحوائل وأزيلت الحواجز. أما المساواة بالمعنى الصحيح فلست أعتقد أن في الدنيا امرأة تؤمن بها في سريرتها وقرارة نفسها، ومتى نالت حقها المعقول فأخلق بها حينئذٍ أن تفيء إلى ما هو أرشد.

ومما يستحق الذكر هنا أن الطالبات بإحدى دور التعليم العالية ثُرْنَ — وأنا بالعراق — على نظام فرضته الدار، وهو يقضي بأن تكون لهن أمكنة خاصة يزاولن فيها ألعابهن الرياضية، فأبين هذا الانفصال، وأضربن عن اللعب والرياضة، وعن حضور الحفلات المدرسية، وكانت حجة الطالبات أنهن يحضرن الدروس مع الطلاب، ويلتقين بهم في الأبهاء والأفنية لأنهن معهم في مدرسة واحدة، فلماذا يفصلن منهم في أماكن اللعب، إلا إذا كان الأستاذ الذي قضى بهذا الفصل حاضرًا يرى بعينه ويسمع بأذنه، وكانت حجة الأستاذ أنه يخشى عاقبة هذا الاختلاط إذا لم تكن هناك رقابة. وقد تركت العراق والثورة ما زالت قائمة، والإضراب عن اللعب مستمرًا، فلا علم لي بما انتهى إليه الأمر، ولكني واثق أن الطالبات سيفزن في النهاية؛ لأن هذا هو الاتجاه العام للتيار، لا لأن الأستاذ مخطئ.

والعراقي والمصري يتشابهان في الخَلق (بفتح الخاء) تشابهًا عظيمًا، فلولا اللهجة والنبرة وبعض الألفاظ العامية المحلية، لما أَحَسَّ المصري أنه انتقل إلى بلد آخر وشعب غير شعبه، ومثل هذا يقال عن المرأة، فإنها شبيهة المرأة المصرية في خلقها وعاداتها، ومن المضحكات التي يؤدي إليها اختلاف اللهجة والألفاظ المألوفة، ما قصَّه عليَّ عراقي زار مصر، وكان معه آخر من مواطنيه، فَضَلَّا في بعض الطريق، ورأى أحدهما سيدة أنيقة الثياب، فقال لصاحبه: يحسن أن نسأل هذه «المرة» عن الطريق — والعراقي يقول «المرة» ويعني المرأة، واللفظ لا يدل هناك على ما يدل عليه هنا من التحقير والمهانة — وسمعت السيدة ذلك وأقبل عليها أحدهما يسألها، فثارت به وأوسعته تقريعًا، ففطن إلى السبب وشرح لها الأمر واعتذر.

وأعترف أن لفظ «المرة» كان يثقل على سمعي، ولا سيما حين تقوله سيدة، حتى اعتدت ذلك فخف وقعه قليلًا، ولكني بقيت إلى آخر لحظة استثقل أن يقال عن المرأة «مرة»، وأنفر من ذلك وأحس بشيء من الخجل، ولا مسوغ لذلك إلا من اختلاف مألوفهم ومألوفنا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.