كل ما يفصله الأستاذ علي عبد الواحد في كتابه عن «الأسرة والمجتمع»، أو في مقالاته بالرسالة يصلح لتقرير حقيقة واحدة؛ وهي أن للمجتمع وآدابه شأنًا في نظام الأسرة على اختلاف الأزمان والبيئات.

وهي حقيقة لا حاجة بها إلى كثرة الأدلة والأسانيد؛ لأن المجتمع قائم، وقوانينه وعاداته قائمة كذلك، وليس في وسع أحد أن ينكرها أو ينكر أثرها في معيشة الأسرة ولا في معيشة الفرد حيث كان.

إن الأسرة تتأثر بالمجتمع وعاداته وقوانينه. وهذا أمر بيِّن البداهة كما هو بيِّن بالمشاهدة العلمية، فلا ينكره أحد، ولا يحتاج القول به إلى إسهاب في الأدلة والأسانيد، إلا إذا كان إثبات الأدلة والأسانيد من قبيل الإحصاء والتقرير.

لكن الحقيقة التي نقررها نحن هي شيء آخر غير هذه الحقيقة؛ وهي أن الغريزة لها شأن في تكوين الأسرة، وأن المجتمع لا ينزع الغرائز نزعًا حين يتولى تنظيمها وتوجيهها إلى وجهاتها الكثيرة. وليس إثبات الآداب الاجتماعية بمنكر للغريزة، ولا بمبطل لعملها في نشأة الأسرة، ولا في نشأة الاجتماع نفسه وما يتفرع عليه من الآداب والقوانين.

وقد يخالف المجتمع الغريزة في وجهته وغرضه، فلا يكون ذلك دليلًا على أن المجتمع وحده هو الموجود، وأن وجهته وحدها هي المحسوبة، وإنما يكون دليلًا على وجود شيئين مختلفين، وأنهما على اختلافهما أو اتفاقهما لا يعملان منفردين.

فإذا ناقشنا الأستاذ علي عبد الواحد في أمر الأسرة والغريزة فليس سبيله في مناقشتنا أن يثبت لنا وجود المجتمع وآدابه، فإن هذه الحقيقة في غنى عن الإثبات، ولا حاجة بأحد من علماء الاجتماع إلى إثبات وجود الاجتماع، وإنما سبيله أن يورد لنا الأدلة التي تمنع وجود الغريزة، أو ظهور أثرها في نشأة الأسرة. وليس لعلماء الاجتماع دليل على ذلك فيما أوردوه أو استخلصوه من المشاهدة والإحصاء.

فلا ريب أن حاجة الطفل الإنساني إلى الحضانة الطويلة لم يكن عملًا من أعمال الاجتماع، ولكنه عمل من أعمال الغريزة التي لا تختلف هنا أو هناك باختلاف قوانين الاجتماع.

ولا ريب أن العلاقات بين أفراد الأسرة الواحدة تتوقف على الغريزة، ولا تتوقف على آداب الاجتماع؛ فإن عطف الأب والأم على ولدهما أشد في كل مجتمع من عطف الولد على أبيه وأمه، ولو لم تكن غريزة حفظ النوع هي الغريزة الغالبة في إنشاء هذه العلاقات لكان حب البنين للآباء كحب الآباء للبنين، بل لوجب أن يختلف الأمر اطرادًا إذا كان مرجع الأمر كله إلى آداب الاجتماع؛ لأن حاجة الأبناء إلى الآباء من الوجهة الاجتماعية أكبر من حاجة الآباء إلى أبناء.

ولا يقال في هذا الصدد: إن بعض الآباء قساة وبعض الأبناء رحماء؛ فإن الغريزة الحيوانية أو الإنسانية لا تستلزم المساواة بين جميع الأفراد، ولا تمنع الشذوذ في بعض الأحوال.

وقد وجدت الصلة بين الأم وذريتها حيث لا يوجد شيء قط غير قوة الغريزة في أحوال الفرد أو في أحوال الجماعة، فوجدت هذه الصلة في الحشرات والهوام، وتتابع الارتقاء فيها حسب الارتقاء في نمو الغريزة، لا حسب الارتقاء في آداب الاجتماع.

وجاء في كتاب الحشرات الاجتماعية، للأستاذ وليام هويلر، أستاذ علم الحشرات بجامعة هارفرد: «إنه قد حدث على التحقيق تطور طويل الأمد في أدوار عدة تزداد بها الصلة بين الأم وذريتها، منذ الدور الأول الذي يخلو من كل اكتراث بالذرية، إلى الدور الذي يتم فيه التعاون المتبادل بين الفريقين، ونستطيع أن نرتب سلسلة هذه الأطوار على ما يأتي، دون أن نتوقف لإيراد الشواهد التي سيمر بك الكثير منها، فهي على هذا الترتيب:

أولًا: تبذر الأم بويضاتها في البيئة التي يعيش فيها أبناء نوعها، وقد تبذر البويضات في بعض الأحوال إلى جانب المادة الغذائية التي تأكل منها بعد فقسها.ثانيًا: تضع الأم بويضاتها على جزء من البيئة، كأوراق الشجر التي تصبح غذاء للديدان المفقوسة.ثالثًا: تزود بويضاتها بغطاء واقٍ، وربما اقترنت هذه الحيطة بالدورين الأول والثاني اللذين تقدَّما.رابعًا: تبقى الأم مع بويضاتها والديدان المفقوسة منها وتحميها.خامسًا: تضع بويضاتها في حرز مصون أو مكان مُهيَّأ لها — كالعش وما إليه — مع مؤنة من الغذاء ميسرة للديدان بعد فقسها.سادسًا: تقيم مع البويضات والصغار وتتعهدها بالوقاية والتغذية.سابعًا: أما الدرو السابع فلا يقتصر الأمر فيه على حماية الأم لصغارها وتغذيتها، بل تنمو الصغار وتتعاون معها على تربية نسل آخر، وتستمر الأمهات والأبناء في معيشة سنوية أو معيشة دائمة …»

فالغريزة قد أنشأت الأسرة المتعاونة بين الحشرات حيث لا عمل للاجتماع قط بمعزل عن الغرائز الحيوانية، وقد أصبح للآداب الاجتماعية في النوع الإنساني عمل غير عمل الغرائز وما شابهها، فجاز أن يقال في بعض العادات والمشارب: إن هذا من وحي الغريزة، وهذا من وحي الاجتماع، ولكننا إذا رجعنا بالاجتماع إلى أصوله لم نكد نعزله عن الدوافع الغريزية أو الدوافع الحيوانية البيولوجية؛ لأن الاجتماع على التحقيق لم يكن من اختراع الأفراد، وإنما كان من إيحاء النوع بأسره حيثما كان، وكل ما كان «إيحاء نوعيًّا» فهو إيحاء غريزة فطرية على وجه من الوجوه.

إننا نحب أن نؤكد هذه الحقيقة؛ لأن إثبات الحقائق واجب لغير علة، ولأننا في زمن خلقت فيه العلل الكثيرة لتعزيز مكان الأسرة من الطبيعة الإنسانية والفضائل الخلقية، سواء رضي عنها دعاة المذاهب أو أغضبتهم عليها عوارض الدعاية ومراميها.

والعلماء الاجتماعيون الذين درسوا نظام الأسرة وقرروا ما قرروه عن ارتباطها بالآداب الاجتماعية براءٌ من غرض الدعاية، ومن كل غرض غير تقرير الحقيقة العلمية كما يرونها، ولكن الحقائق العلمية قد ابتليت اليوم بمن يُسخِّرونها عامدين أو غير عامدين في خدمة مذاهبهم الهدامة، وفي طليعتها الدعوة الماركسية.

ولم يفتح الله على دماغ كارل ماركس بشيء يفهمه، ويرد إليه بواعث الاجتماع، وكل باعث من بواعث الحياة غير الاستغلال وابتزاز الأموال، فما هو إلا أن رأى في زمانه أناسًا يستخدمون أبناءهم فيما ينفعهم، ويستعينون بهم على مصالحهم، أو يرهقونهم في جمع ثروتهم، حتى جزم بفساد نظام الأسرة وقيامها جميعًا على أساس الاستغلال والتسخير، وأن المسألة كلها «حسبة اقتصادية» ومضاربة مالية تتبدل من زمان إلى زمان، كما تتبدل صفقات الإنتاج وأسعار الأسواق.

وكارل ماركس قد رأى أناسًا يرهقون أنفسهم في طلب الرزق، ويعملون فوق طاقتهم لادخار القوت أو الثراء، ولعل هؤلاء أكبر عددًا ممن يرهقون الأبناء والبنات في طلب المعاش وهم مكرهون أو مختارون، فلماذا أبطل عواطف الأسرة وأواصر الأبوة والأمومة؛ لأن بعض الآباء والأبناء ينتفعون بجهود أبنائهم، ويسرفون في الانتفاع، ولم يبطل عواطف «الأنانية» وحب الذات أو حب البقاء؛ لأن أناسًا من الخلق يجورون على أبدانهم وأذهانهم وهم يعملون لجمع الحطام؟ لماذا تكون الأسرة «غير طبيعية» لأنها تسخر للمنفعة، ولا تكون «الأنانية» غير طبيعية كذلك لأنها تسخر للمنفعة على هذا المنوال؟

إن حاجة النفس الإنسانية إلى وشائج الأسرة لم تبطل قط في مجتمع من المجتمعات، وإن آداب الاجتماع قد تفيد في إصلاح الأسرة أو وقايتها من عيوب الأفراد، سواء كانوا من الآباء أو الأبناء، ولكن المجتمع لا يملك دليلًا واحدًا يخوله إلغاء الأسرة — إن أراده — حتى لو صح أن المرجع إليه وحده في نشأة الأسرة وتتابع أطوارها؛ لأنه يقيس على غير شيء حين يقيس المستقبل على الماضي في هذه القضية، ويعتسف طريقًا جديدًا لا مسوغ لاعتسافه من الطبيعة ولا من الاجتماع.

ولست أعني بما تقدم أن كتاب الأستاذ عبد الواحد ينحو هذا النحو، أو يفضي إلى هذه النتيجة؛ لأنه في الواقع لم يَعْدُ تقرير الحقائق الاجتماعية التي حصلها أساطين هذا العلم ممن لا يدينون بالماركسية، ولعلهم ينكرونها إذا عرضوا لها بالبحث والمناقشة، ولكنني عنيت أن الكلام عن الأسرة في زماننا هذا خليق أن يقترن بالحذر والحيطة؛ لئلا يؤخذ على غير مأخذه، أو يعين على غير قصده؛ ولهذا رجعنا بنظام الأسرة إلى مرجعه من غرائز الحياة في أبسط الأحياء، ولم نشأ أن نقصر الحكم فيه على الاجتماع، أو من يصطنعون الدعاية الاجتماعية؛ لأن الأمر أعظم وأبقى مما تتناوله المذاهب والدعوات.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.