الذين يسيئون الظن بالحضارة الغربية كثيرون، ويقوم سوء الظن على أسباب يعلنونها لدى كل مناسبة، فهي في نظرهم حضارة أجنبية، وهي في تعاملها معنا لم تتورع عن ارتكاب الكبائر من الحروب والاستعمار ونهب الموارد وإزهاق الأرواح بغير حساب، بالإضافة إلى الكثير من تقاليدها وعاداتها التي تتناقض مع قيمنا الثابتة، وأود أن أناقش هذه الرؤية بنزاهة وموضوعية.

وأبدأ فأقول: إن الحضارة الغربية ليست حضارة أجنبية، أجل قد نشأت في مواقع غريبة وبين قوم غرباء، ولكنها من الناحيتين التاريخية والواقعية حضارة إنسانية قبل كل شيء، إنسانية المنشأ وإنسانية الهدف، إنها الثمرة الأخيرة في شجرة الحضارات السابقة عليها مثل الحضارة المصرية والآشورية والبابلية، والفارسية والإغريقية والرومانية والإسلامية، وقد استفادت منها جميعًا وكأنها شركة مساهمة لكل أمة سابقة أسهم فيها. لا أنكر أنه توجد عناصر محلية في كل حضارة ترتبط بالبيئة، وقد تُستنكر وتُرفَض من بقية البشر، ولكنها فيما عدا ذلك إنسانية الهدف، ومشروع موجه للعقول والقلوب جميعًا، وأهم مثل على ذلك العلم وتطبيقاته، وجانب لا يستهان به من الفكر والفن والسياسة والعلاقات الاجتماعية، وكل أولئك معروض على البشر للدراسة والاقتباس، ثم تجاوز ذلك للهضم والعطاء والإبداع مع التمسك بقيمنا الثابتة ورفض ما لا يندمج فيها.

حقًّا لا يمكن إنكار التاريخ الأسود الذي سجله أصحاب تلك الحضارة معنا: كم سفكوا من دماء وعرقلوا من نهضات ونهبوا من ثروات وأذلوا من كرامات، ولكن علينا أن نصفي الماضي من سيئاته، فقد جاهدنا الظالمين حتى تحررنا من قبضتهم، وبفضل علومهم أنشأنا حياتنا على أسس جديدة، وبفضل إنجازاتهم الطبية أُنقذت ملايين الأرواح التي كانت تفتك بها الأوبئة كل عام. ولنذكر ما أفدناه من تجاربهم في زراعتنا وصناعتنا ونظم الحكم والمعاملة، لنذكر ذلك، فلعله يعيننا على فتح صفحة جديدة مع حضارتهم وتبديد سوء الظن بها.

آن لنا أن نتقبل المصالحة من أجل الحياة اللائقة بهذا العصر. إن حاجتنا إلى الحضارة الحديثة لا تقل عن حاجتنا للتمسك بقيمنا التراثية الخالدة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.